حضارتنا

المسلمون أولُ من حوَّل النظريات إلى واقع

ت + ت - الحجم الطبيعي

إذا ما قارن أي باحث علمي، أو حتى أي مثقف، أو قارئ، بين منجزات المسلمين في عصورهم الذهبية، وبين نتاج الحركة العلمية عن الإغريق واليونانيين، سيتبين بوضوح الفارق في الجوانب العملية التي تميزت بها الحضارة الإسلامية، والتي لم تكن كطريقة في التفكير والعلم قد ظهرت قبل المسلمين.

ففي العهود السابقة للإسلام، درج العلماء عند الإغريق وغيرهم على ابتكار النظريات في المجالات المتنوعة، وعلى الرغم من أن كثيراً من تلك النظريات كانت صحيحة، فإنها بقيت مجرد أفكار حبيسة العقول، ولم يكن لها رصيد على أرض الواقع رغم عبقرية تلك الأفكار، وقابليتها للتطبيق العملي، ولذلك فإنها لم تحقق فائدة عملية للناس على أرض الواقع، بل كانت أشبه ما يكون بالترف العلمي الذي كان يتنافس فيه العلماء والمفكرون والمبدعون عند تلك الأمم.

أما المسلمون فكان الأمر عندهم مختلفاً كلياً، فهم لم يكتفوا بالتفكير المجرد والنظري فقط، بل إنهم عملوا على نقل علومهم النظرية إلى ميدان الاختبار والتطبيق، منطلقين من ثقافتهم وعقيدتهم الإسلامية التي تناديهم بإعمار الأرض، فحولوا كثيراً من العلوم إلى تطبيقات عملية، أفاد منها الناس سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين. وانسحب ذلك النهج على مختلف المجالات العلمية، ولم يكن قاصراً على حقل علمي دون آخر، وقد كان من أمثلة ذلك ما قام به أولاد موسى بن شاكر من اختراعٍ لآلات الريِّ، وآلات رفع الماء إلى أعالي الجبال، وكذلك اختراع الساعات الدقيقة، معتمدين في ذلك على نظريَّات قديمة، إضافةً إلى نظريات استحدثوها، جعلتهم في النهاية ينفعون مجتمعهم، بل والإنسانية كلها، بدلاً من الاعتكاف للتفكير فقط، ولا شك أن تلك التطبيقات العملية للعلوم النظرية، مثلت ثورة حقيقية في ميدان العقل البشري، وفتحت للإنسان أفقاً جديداً، لم يكن الأقدمون يجرؤون على مجرد التفكير فيه.

كذلك فعل الزهراوي فاخترع عددًا هائلاً من الآلات الجراحيَّة، وكان على سبيل المثال يعلم نظريًّا أن الدواء إذا اختلط بالدم مباشرة فإنه يُحدِث أثرًا أسرع، فأدَّى هذا إلى اختراعه الحقنةَ؛ لكي يصل فعلاً بالدواء إلى الدم بصورة أسرع، وهكذا.

وفعل ابن البيطار مثل سالفَيْه، وذلك عندما أدخل أكثر من ثمانين دواءً مفيدًا إلى ساحة الطبِّ، وكذلك جابر بن حيان العالم المسلم الشهير الذي استغلَّ بعض المعادلات الكيميائيَّة لاختراع (معطف) للمطر لا يتأثَّر بالماء، ولاختراع أوراق لا تحترق يُكتب عليها المعلومات المهمَّة جدًّا.

ولعلنا ندرك بعدُ قيمة بحوث علماء المسلمين عندما نرى النظريات الفلسفيَّة الكثيرة التي ألَّفها علماء الإغريق واليونان لكنهم لم يسقطوها على الواقع، وبالتالي لم يستفيدوا منها، ولم تستفد أيضًا البشريَّة. فقد استطاع العلماء المسلمون أن يكسوا هذه النظريات ثوب الواقع، وأن يحولوها إلى أثر تستفيد منه البشرية، ويهنأ به ابن آدم، فخففوا به من وطأة الحياة، وسهلوا تأقلم الإنسان مع تطور الحياة، وتكيفه مع عوامل الطبيعة.

عن موقع "قصة الإسلام" (بتصرف)

طباعة Email