رقائق

الاستغفار نهج الصالحين الأبرار

ت + ت - الحجم الطبيعي

وصف الله عز وجل الإنسان، وهو أعلم بخلقه، فقال: (وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً). ومن مظاهر ضعف الإنسان؛ انسياقه وراء المغريات وسقوطه في أسر الشهوات والملذات، فيعصي ربه عز وجل بانتهاك ما حرمه عليه وترك ما أمره به.

والناس بعد الوقوع في المعصية صنفان؛ صنف يستمر في غيه ويواصل ممارسة معصيته ولا يبالي بغضب ربه عز وجل عليه. وصنف ينتبه إلى نفسه ويدرك خطورة ما صدر منه ويندم على فعله.

هذا الصنف الثاني يسَّر الله عز وجل له سبيل العودة إليه والأوبة إلى كنفه، من خلال باب "الاستغفار"، قال تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَحِيماً). ومهما كان الذنب الذي ارتكبه الإنسان كبيرا، فلا ينبغي أن يقنط أو ييأس من رحمة الله، لأن الله يريد من عبده أن ينيب إليه ويستحي منه ويشعر بخطئه في حقه، فإذا حدث منه ذلك لم يبال الله عز وجل بكبر ذنبه أو صغره، فيغفر له ويتجاوز عنه، قال تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).

ومع أن العصاة هم أكثر الناس حاجة إلى الاستغفار، إلا أن الحقيقة أن كل مسلم معني بالاستغفار، لأنه لا أحد يستطيع أن يحقق الكمال في عمله بأحكام الشرع وفي علاقته بالله وبالناس، فالتقصير وارد في حق كل مسلم، والتخلص من تبعاته لا يكون إلا بطلب الصفح والتجاوز من الله، كيف لا، والله عز وجل يأمر نبيه عليه الصلاة والسلام بالاستغفار: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ).

ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، دائم الاستغفار، فعن عليٍّ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ يَكُونُ مِنْ آخِرِ مَا يَقُولُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أخَّرْتُ، وَمَا أسْرَرْتُ وَمَا أعْلَنْتُ، وَمَا أسْرَفْتُ، وَمَا أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأنْتَ المُؤَخِّرُ، لا إلهَ إِلاَّ أنْتَ). وعن عائشة، قالت: كَانَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ في رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي). وعن الأَغَرِّ المزني أنَّ رسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: (إنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وإنِّي لأَسْتَغفِرُ اللهَ في اليَوْمِ مِئَةَ مَرَّةٍ).

فمن واجب المسلم اللجوء إلى الاستغفار وطلب الصفح من الله عز وجل، سواء صدر منه معصية أو تقصير أو لم يصدر، لأن الاستغفار بحد ذاته باب من أبواب الخير ومظهر من مظاهر الذكر والدعاء والمناجاة، وفيه الخير الكثير والأجر الوفير، في الدنيا والآخرة، قال تعالى: (وَأَن اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ)، وقال على لسان هود مخاطبا قومه: (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِل السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ). وعن ابن عباس قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (مَنْ لَزِمَ الاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجاً، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجاً، وَرَزَقهُ مِنْ حَيثُ لاَ يَحْتَسِبُ).

وقد بين لنا رسول الله صلى الله عيله وسلم أفضل صيغ الاستغفار وأوفاها، فعن شَدَّادِ بْنِ أَوسٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: (سَيِّدُ الاسْتِغْفَارِ أَنْ يَقُولَ العَبْدُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لاَ إلهَ إلاَّ أنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وأبُوءُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي، فَإنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلاَّ أنْتَ.. مَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِناً بِهَا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِي، فَهُوَ مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ، وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أنْ يُصْبِحَ، فَهُوَ مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ).

طباعة Email