عبرة

بين الحرية والعبودية

ت + ت - الحجم الطبيعي

أنا، الإنسان، بحاجة عميقة إلى إعادة تقويم نفسي على أساس أولويات اعتناقي للقيم الإنسانية، وأتحدث هنا عن قيمة الحرية، من حيث كونُها قيمة إنسانية عليا تتصل بوجود الإنسان ذاته. شأني كشأن الكثيرين غيري: أعيش حياة هادئة، ونمطية، وبعيدة كل البعد عما يمكن أن يتعب عقلي، ولا يعكر صفو هذا "الهدوء" إلا تساؤل يتيم يقتحم، في بعض الأحيان، خلوتي، وبلادتي الذهنية والنفسية، ويطرح نفسه كغمامة سوداء فوق رأسي: هل أنت حرٌّ حقاً؟!

وعلى الرغم من إثارته لحفيظتي، وكيِّه لقلبي، فإن هذا التساؤل منطقي، وعميق جداً، لكنه في الوقت نفسه - شائك للغاية، ويفتح أمامي طريقاً وعراً مملوءاً بالمفاهيم المتداخلة والمتشابكة، لا بل والمتصارعة أيضاً، من قبيل: ما هو المقصود بأن يكون المرء حرّاً؟

وهل للحرية حدود ينبغي أن يتوقف عندها هذا المرء الذي يمارس فعل الحرية؟

ومتى يكون المرء حراً، أو عبداً؟

وهل الحرية ممارسةٌ، أم حالة نفسية أو وجدانية تنبع من أعماق الإنسان، وتعيش معه حتى لو كان بين جدران مغلقة يحيط بها السجانون؟

وعلى الفور أعود بالفكرة إلى جذورها سائلاً نفسي: هل أنا في الأساس - أشعر بالحاجة النفسية والمادية للحرية؟

ربما أكون كذلك، لأنها في الأصل - حاجة فطرية، ولدت معي، وربما تكون صرخات الولادة الأولى دعوة علنية لعدم مسِّ حريتي، ولكنَّ هذه الحرية اغتربت عني، أو اغتربت عنها، فلم أعد أشعر بالألم لفقدانها، ولا بالحسرة لضياعها، وكأن الأديب الكبير مصطفى لطفي المنفلوطي كان يتحدث عني عندما قال: "ليست جناية المستبد على أسيره أنه سلبه حريته، بل جنايته الكبرى عليه أنه أفسد عليه وجدانه، فأصبح لا يحزن لفقد تلك الحرية، ولا يذرف دمعة واحدة عليها".

هذا المستبد أراه في شهواتي، ورغباتي، وحاجاتي الذاتية الضيقة، التي تبقيني في أسر العبودية، محروماً من متعة البحث عن الحرية، والانعتاق من اللهاث وراء ذاتي ولذتي.

وأراه في "شَرَهِ" الأنا، والإسراف في تلبية نداءاتها، ولو كان الثمنُ طحنَ الـ "هو" والـ "هم". لأجل ذلك كله، أجدني مهموماً يباغتني ذلك السؤال الأبدي: هل أنت حرٌّ؟

ففي كل مرة مع إشراقته، تذوب كل فضائلي الكامنة، وأتقوقع حول ذاتي، رافضاً كل ما من شأنه أن يوقظني من هدوئي المزعوم.

طباعة Email