رقائق

ت + ت - الحجم الطبيعي

جهاد عدلة

الصبر يعكس بحراً من القيم الإنسانية، وهو معيارٌ يُقاس به الصلحاءُ، ويتمايز به الأصفياءُ، ويتنافس فيه الأتقياءُ، وليس أدلَّ على قيمة الصبر العليا من سوقِ اللهِ تبارك وتعالى له في كتابه الكريم في معرض المدح والثناء على عباده، قائلاً:

"وَاصْبِروا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِين" (الأنفال: 46)، وهذه المعيَّة هي غاية المُنى لكل مؤمن، لأنه لا خسرانَ، ولا تقهقرَ في ظل الله تعالى ومعيته، هذا في الدنيا، وأما في الآخرة فإنَّ للصابر الجزاءَ الأوفى لأنه: "إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ" (الزمر: 10).

ولكن، لمَ كلُّ هذا العطاء للعبد إذا ما تمتع بفضيلة الصبر؟!

الجواب كامن في طيّاتِ المكابدة، والآلام التي يجدها الصابر في حياته، فالمرء لا يتحول إلى صابرٍ إلا بعد المصيبة في النفس أو في المال أو في الطعام، وبالتالي فإن الصبرَ لا يمكن أن يكون خُلُقَ الجميع، بل هو منقبة لا ينالها إلا من وطّن نفسه عليها، وتحمَّل في سبيل ذلك مرارة الألم، وحُرقة الفِراق، ووحشة الغُربة، ولسعة الظلم، وفي ضوء هذا الفهم، فإن الصبر يتحوَّلُ إلى عطاء ربَّاني، يهبه سبحانه لخاصته من عباده، قال تعالى: "ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين" (البقرة: 155).

ملمح عظيم يلمعُ في ثنايا الآية الكريمة كيف أنّ الصبرَ جاء بعد هذا البلاء العظيم في الأمن والغذاء والأموال والأنفس والأرزاق، وفي الأمة الإسلامية الآن من يكابد هذه الأنواء والأدواء جميعها، فهو إمّا مقتول، أو مشرّد، أو منهوب، أو خائف فاقد للأمن، ومن تجتمع فيه هذه المصائب ويتجلد ويؤتى حظَّه من الصبر يدخل في الآيات التي ذكرناها وعشرات من آيات أُخَرَ في القرآن، ويدخل كذلك في حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في صحيح البخاري: "ومن يستعفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، ومن يستَغنِ يُغنِهِ اللَّهُ، ومن يتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وما أُعطيَ أحدٌ عطاءً خيراً وأوسعَ مِنَ الصَّبرِ".

ولأن الصبر يحتاج إلى جَلَدِ الرجال الأشداء، وإلى ورعِ الأولياء، وإلى زهد الأصفياء، فإنه تمتع به قليل من عباد الله تعالى. أولئك القليلون هم الذين تذوقوا لذة الصبر، وحلاوة "قرصه"، فكانوا يتقلبون على فُرُشهم يستشعرون لذة الصبر على البلاء، وإحساسَ مراقبة الله تعالى لهم، وانتظارَ رضائه وعطائه، لذة تزيدها دمعات "تبلِّل" فراشَ المتقين، العاضِّين على أمرِ الله عز وجل بنواجذهم، دمعاتٌ مصدرها حبُّ الله سبحانه، والانقياد والاستسلام التام الكامل لأمره وتدبيره، والصبر المطلق على قضائه وتصريفه للأمور، حتى لو جاءت بما لا تشتهيه الأنفس.

والصبر جسرٌ يصل به المرء إلى جادة الأمان، فالعطاء الذي يلي الصبر يُبهج النفسَ، ويسعد القلب، فالعاقبة للصابرين، وقال أبو تمَّام:

فكل الحادثات وإن تناهتْ *** فموصولٌ بها فرجٌ قريبُ

وينسب لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه قوله:

هي حالان شدَّةٌ ورخاءُ

وسِجالانِ نعمةٌ وبلاءُ

والفتى الحاذقُ الأديبُ إذا ما

خانه الدهر لم يخُنْهُ العزاءُ

إن ألمَّتْ مُلِمَّةٌ بي فإنِّي

في المُلِمَّاتِ صخرةٌ صمَّاءُ

حائزٌ في البلاء عِلماً بأنْ

ليس يدوم النعيم والبلاءُ

الصبر جُنّة

للصبر لذة من لم يذقها، لم يذق متعةَ الروح الحقيقية، فهو يورث صاحبه راحة في النفس، وصفاء في البال، وبصيرة في الفكر، وحِلماً في الطبع، ولأجل هذا قال بعض العلماء والحكماء: الصبر جُنَّة المؤمن وعزيمة المتوكِّل وسبب دَرَك النُّجح في الحوائج. فمن وطَّن نفسه على الصبر لم يجدْ للأذى مسَّاً، ومن استعفَّ بالله عفَّه، ومن استعان به يُعِنْهُ ولن تجدوا حظاًّ خيراً من الصبر. وقيل: الصبر أحجى بذي الحجيج. وقال حكيم: تابعُ الصبرِ متبوعُ النَّصر.

طباعة Email