علماء: السعادة الزوجية صرح يشيِّده الزوجان

ت + ت - الحجم الطبيعي

مهما بلغ الإنسان من الغنى، أو القوة، أو الجمال، أو الجاه، أو السلطة، يبقى ذلك هباء منثوراً إذا لم يقم على سعادة وسرور في هذه الحياة الدنيا. فالسعادة، في هذا المنظور الحياتي، ضالَّة كل إنسان، ولأن كل فرد مقدور له أن يعيش معظم حياته في بيت الزوجية، سواء كان رجلاً أو امرأة، فإن السعادة في هذا البيت تحمل أسباب استمراره وديمومته، وبنائه بناءً صحياً سليما.

وبما أنها غاية الأزواج، فقد التقت "البيان" مع عدد من علماء الشريعة لاستمزاج آرائهم، والاستفادة من خبراتهم العلمية والحياة في كيفية تأسيس بيت زوجي قائم على أسس صلبة من السعادة والتفاهم في ما بين الزوجين، فكانت الخلاصة العامة التي توصلنا إليها من خلال آرائهم أن: "الحياة الزوجية بشكل عام تحتاج إلى تعامل خاص من الطرفين (الزوج والزوجة)، من أجل تجاوز الصعوبات التي تواجههما، والتوصل إلى صيغة تفاهم تُشعر الطرفين بالسعادة". وقد اتفق في هذا الرأي علماء الشريعة وخبراء الاجتماع والنفس، مؤكدين أن الوصول إلى السعادة المرغوبة من الأمور سهلة المنال، إذا ما سعى كل طرف إلى نبذ الخلافات والابـــتعاد عن العصبية، وإعلاء لغة الحوار، والاحترام المــتبادل بين الطرفين.

وفي هذا السياق، يؤكد د.محمد الشحات الجندي، أستاذ الشريعة بجامعة حلوان وعضو مجمع البحوث الإسلامية، أن الزوجين يستطيعان أن يصلا إلى مفهوم السعادة الزوجية من خلال أمور بسيطة جدًا حثنا عليها القرآن الكريم، والأحاديث النبوية الشريفة مثل إعلاء لغة الحوار بين الطرفين، وحسن معاشرة كل طرف للآخر، وأن يقوم أحدهما بواجباته تجاه الآخر، فالزوج عليه واجبات، وليس حقوق فقط.

وتابع: كما حث الإسلام الزوجين على أن يجعلا من بيت الزوجية مكانًا للسكينة والهدوء والمودة والرحمة، وأن ينظرا إلى أسباب تشريع الله الزواج من أجل التكامل وخلق جيل جديد يقوم على التسامح والخلق.

أضاف: إنه لنجاح الحياة الزوجية أيضًا يجب أن يراعي الزوج مصلحة الأسرة ككل، وتحمل مسؤولية القيادة من خلال عدم النظر إلى الأخطاء الصغيرة، واصطناع المشاكل من ورائها، كما يجب عليه أن يتحلى بالصبر، وعدم الترقب لأخطاء الزوجة، وخاصة أن ذلك يضع الزوجة دائمًا في حالة عصبية، ويمتلكها شعور بأن زوجها يسعى لتصيّد أخطائها.

صيغة تعايش

وينصح الجندي الزوجين بأن يكون كل طرف منهما حريصًا كل الحرص على الآخر، فعلى الرغم من اختلاف البيئة والتنشئة لكل طرف، فيجب عليهما التوصل إلى صيغة تعايش مشتركة تساعدهم على وضع أسس السعادة بينهما والتي عادة تتم عن طريق الصدق والوضوح وعدم الكذب وإعلاء لغة الاحترام المتبادل، وأن ينظر كل طرف إلى إيجابيات ومميزات الآخر، والابتعاد عن النظر كثيرًا إلى السلبيات، حيث خلق الله سبحانه وتعالى كل إنسان بمميزات وسلبيات؛ لأن الكمال لله وحده.

أما د. آمنة نصير، أستاذ العقيدة والفلسفة، فتوضح أن أولى خطوات السعادة الزوجية تبدأ من عملية الاختيار، فإذا راعى الزوج أن يختار لما هو مناسب له فإن ذلك يساهم بصورة كبيرة في السعادة الزوجية، مضيفة أن هناك الكثيرين الذين ينظرون إلى الزواج بمفهوم خاطئ كأنه أساس للمتعة الجنسية فقط، ولذلك يراعون أن تكون الزوجة فائقة الجمال، ومنهم أيضاً من ينظر إلى الزواج على أنه شعور بالرجولة والسيطرة، كما أن هناك الذين يعتبرونه عادة اجتماعية لابد وأن يقدم عليها الرجل حفاظاً على الشكل والمكانة الاجتماعية.

تابعت: "لهذا يجب أن يتم وضع معايير لاختيار الزوجة لضمان درجة كبيرة من السعادة والاستقرار وعدم النفور بعد إتمام الزيجة، ومن هذه المعايير: التدين والمحافظة على الأعراف، والتوافق الاجتماعي والتعليمي والثقافي، والسن".

وتستطرد قائلة: "إن فترة الخطوبة عليها أساس كبير في استمرار الحياة الهادئة بعد الزواج إذا تم التعامل مع هذه الفترة بنوع من الواقعية، فيجب مثلاً خلالها عدم إخفاء عيوب الزوج عمن اختارها كالحدة في التعامل أو العصبية أو بعض العادات والتقاليد المقيدة، كما يجب خلال هذه الفترة أيضاً وضع آلية وأساسيات الحياة الزوجية كمكان السكن ونوع الأثاث وموقف الزوج من عمل الزوجة بعد الزواج والعلاقات الاجتماعية".

وصية النبي

وأشارت نصير إلى قول الله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (الروم: 21). وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "استوصوا بالنساء خيراً، فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيراً". وهو من أهم الدلائل على أن الدين الإسلامي حث على نـــبذ الخلافات وحسن المعاملة بين الزوجين.

وجاء في الحديث الشريف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك". وأيضا "أربع من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء. وأربع من الشقاء المرأة السوء، والجار السوء، والمركب السوء، والمسكن الضيق". صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أما خبراء علم الاجتماع فيرون كما تقول د. نادية عبدالعظيم، أستاذ علم الاجتماع، أن السعادة الزوجية يتم الوصول إليها عن طريق بضع آليات، أبرزها أن يقوم الزوج باستشارة زوجته، خاصة في كل ما يهم الأسرة، وأن يسعى كل فترة لتقديم هدايا لها، دون انتظار المناسبات، في الوقت الذي تهتم فيه الزوجة بأمور شريكها من توفير جو هادئ، وكلمة طيبة، وأن يرى منها حُسناً، وأن يشتمّ منها طِيباً طوال فترة تواجده بالمنزل، إلى جانب تجهيز ملابسه بصورة سليمة.

مرحلتا السعادة

 

يقول الدكتور علي ليلة أستاذ علم الاجتماع: السعادة الزوجية تتم على مدار مرحلتين، الأولى ما قبل الزواج، وهي فترة الاختيار والخطوبة التي يجب في أثنائها تقرب كل طرف للآخر، وعدم الكذب، والمصداقية في كل الأمور، ويحاول كل منهما فهم الآخر، ومعرفة مميزاته وعيوبه، أما الثانية بعد الزواج، فيجب خلالها أن يتم مراعاة بعض النقاط، ومنها تجديد كل طرف حبه للآخر، فالزوج يجب عليه أن يجدد من كلمات الحب والمودة والغزل لزوجته، كما يجب على الزوجة أن تستمر في حفاظها على جمالها وتجديده بصورة تجذب زوجها لها باستمرار.

تابع: "يجب على الزوج ألا يعارض دائمًا كل ما تقترحه الزوجة؛ لأن ذلك يشعرها بعدم وجودها، أو عدم مشاركتها بصورة فعالة في إدارة الأسرة، وكذلك يجب أن يشعرها ونفسه بالسعادة؛ لأن ذلك يجعل الزوجة حريصة على تقديم المزيد، فيما ينبغي على الزوجة - من جانبها - لاستمرار السعادة المنزلية، أن توفر الهدوء لزوجها وأن لا تقصر اهتمامها على الأبناء فقط، فالزوج أيضاً له حقوق يجب الحفاظ عليها.

طباعة Email