حضارتنا

المسلمون الأوائل أبدعوا في مجال المنهج العلمي

ت + ت - الحجم الطبيعي

لم يفهم أحد من السابقين من المسلمين أن الإسلام مقصور على العبادات الظاهرة من صلاة وصيام وزكاة وما شابه، بل علموا أنه جاء شاملاً لضروب النشاط الإنساني كافة ومنها البحث الكوني، وقد أمر الإنسانَ بتعمير هذا الكون المسخر له، وذلك يعني في الوقت نفسه أن الكون المشاهد خاضع لإدراكه وبحثه، وأن بمقدوره الاستفادة من الكون واستغلال خيراته على أوسع نطاق لتأمين حياته ورفاهيتها. وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ "النحل: 12.

ويعتبر الإسلام أن العلم فرض كفاية وهذا المعنى مُتضمن في كتاب "إحياء علوم الدين" للإمام الغزّالي منذ تسعة قرون، حيث يقول تحت عنوان "بيان العلم الذي هو فرض كفاية": أما فرض الكفاية فهو كل علم لا يستغنى عنه في قوام أمور الدنيا كالطب إذ هو ضروري في حاجة بقاء الأبدان، وكالحساب فإنه ضروري في المعاملات وقسمة الوصايا والمواريث وغيرها.

وهذه هي العلوم التي لو خلا البلد ممن يقوم بها لحرج فلا يتعجب من قولنا إن الطب والحساب من فروض الكفايات، فإن أصول الصناعات أيضاً من فروض الكفايات كالفلاحة والحياكة وغيرها. ولأن العلم احتل هذا الحيِّز في دين التوحيد، فقد ابتكر المسلمون علوماً جديدة لم تكن معروفة قبلهم وسموها بأسمائها العربية كعلوم الكيمياء والجبر والمثلثات، لا بل إنهم ابتكروا المنهج العلمي في البحث والكتابة، والاعتماد على التجربة والمشاهدة والاستنتاج.

وأدخل العلماء المسلمون الرسوم التوضيحية في الكتب العلمية ورسوم الآلات والعمليات الجراحية، ورسمَ الخرائط الجغرافية والفلكية المفصلة، كما ابتدعوا الموسوعات والقواميس العلمية حسب الحروف الأبجدية. وكان لاكتشاف صناعة الورق وانتشار حرفة (الوراقة) في العالم الإسلامي فضل في انتشار تأليف المخطوطات ونسخها.

ولم تكن المكتبات الإسلامية مجرد أماكن لحفظ الكتب، بل كان في المكتبة الرئيسة جهاز خاص بالترجمة وآخر بالنسخ والنقل وجهاز بالحفظ والتوزيع. وكان المترجمون من جميع الأجناس يعرفون العربية مع لغة بلادهم. ثم كان يراجع عليهم ترجماتهم، علماءُ العرب لإصلاح الأخطاء اللغوية.

أما النَقَلةُ والنساخون فكانت مهمتهم إصدار نسخ جديدة من كل كتاب علمي عربي حديث أو قديم، في حين أُلحقت كبرى المكتبات بالجامعات والمساجد الكبرى. ففي دمشق وبغداد والقاهرة وفي جامعة القيروان وقرطبة، وجامعة القرويين التي تعد أقدم الجامعات الموجودة في العالم، كانت المخطوطات بالآلاف في كل علم وفرع من فروع العلم. وكانت كلها ميسرة للاطلاع أو الاستعارة، فيحق للقارئ أن يستعير أي كتاب مهما كانت قيمته ومن دون رهن، وهو ما جعل نسبة الأمية بين المسلمين في ذلك الوقت شبه معدومة، وساعد على ذلك أيضاً إلزامية تعلم القرآن كتابة وقراءة، بينما كانت نسبة الأمية في أوروبا فيما بين القرن التاسع وحتى القرن 12م أكثر من 95%، بل إن التاريخ لا يعرف أمة اهتمت باقتناء الكتب والاعتزاز بها كما فعل المسلمون في عصور نهضتهم وازدهارهم.

المنهج العلمي

وكنتيجة لتقدم المسلمين، وسيادتهم للعالم في ذلك الوقت، فقد بلغ المنهج العلمي عندهم شأواً عظيماً، وتم تطوير أساليب علمية مبكراً، وحدث تقدم كبير في المنهجية، ولا سيما في القرن الحادي عشر الميلادي وذلك من خلال أعمال ابن الهيثم، والذي يعتبر رائداً في الفيزياء التجريبية.

وأهم تطور في المنهج العلمي هو استخدام التجريب والقياس الكمي للتمييز بين مجموعة من النظريات العلمية المتكافئة في إطار توجه تجريبي بشكل عام، فقد قام ابن الهيثم بتأليف "كتاب البصريات" الذي صحح فيه الكثير في مجال البصريات، وأثبت تجريبياً أن الرؤية تتم بسبب أشعة الضوء التي تدخل العين، واخترع أول جهاز يشبه الكاميرا كانوا يسمونها (القمرة) للتدليل على الطبيعة الفيزيائية للأشعة الضوئية.

كما وُصف ابن الهيثم بأنه "العالم الأول" لابتكاره المنهج العلمي، وعمله الرائد في مجال علم نفس الإدراك البصري يعتبر مقدمة لعلم النفس الطبيعي وعلم النفس التجريبي.

طباعة Email