نادرة

ابنُ مُقْلَةَ والطابورُ الخامسُ

ت + ت - الحجم الطبيعي

كان ابن مُقْلَةَ وزيراً كاتباً، وقد عُرِفَ بعلوِّ خطه وحسنه، حتى ملأ ذكره الأمصارَ، ولم ترُقْ هذه الحال "للطابور الخامس" فوشى به أحدهم عند الملك، مدّعياً أن ابن مُقْلَةَ غدر بالملك في بعض الأمور، فما كان من الملك إلا أنْ أمر بقطع يدِ وزيرهِ، جزاءً على فِعْلته، فأصبحَ ابنُ مُقْلَةَ يكابد أحزاناً ثلاثةً: فقدانَ حظوته عند الملك، ويدَه المقطوعة، ولزومَه البيت وحيداً. وانْضافَ إلى همومه انصرافُ الأصدقاء والمحبين عنه.

لكنَّ الحكمة الإلهية صرَّفت المقادير في مصالح العدل والحق، وفي غير ما اشتهاه ذلك الواشي، فَنُميَ إلى الملك أن تهمةَ ابنِ مُقْلَةَ باطلةٌ، فأمر بقتل من وَشَى به، وردَّ الملكُ ابنَ مُقْلَةَ إلى ما كان عليه من حظوة ومكانة في البلاط، فتغيرت حاله بعدما عاد إلى الوزارة، ومع تغير حاله، عادت ألوان أولئك النفعيين القديمةُ، فالتفُّوا حوله، وأظهروا له حبَّهم وتعاطفهم وخدماتِهم، بعد أن مَلَؤُوا أذنيه اعتذاراً، فأنشدَ يقول:

تحالفَ النَّاسُ والزَّمانُ *** فحيثُ كانَ الزمانُ كانوا

عَاداني الدَّهرُ نِصفَ يومٍ *** فانكشفَ النَّاس لي وبَانوا

ومكث ابْنُ مُقْلَةَ يكتب بيده اليسرى كما كان يفعل باليمنى، ولم يتغير خطه حتى مات.

طباعة Email