عبرة

رجلٌ بأمَّة.. قلَّ كلامه وكثُر فعله ففشى ذكره

ت + ت - الحجم الطبيعي

جاء في مقالة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه في أول خطبة خطبها، بعدما وُلِّي أمرَ المسلمين، من حسن الكلام وتمام المعنى، ما جعل بعضَ أهل اللغة والعلم يقول: لم أرَ منها في اللفظ، ولا أكثر في المعنى. فهو بعد أن حمد الله تبارك وتعالى، وصلى على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم قال:

"أيها الناس، إنه والله ما فيكم أحدٌ أقوى عندي من الضعيف حتى آخذ الحق منه، ولا أضعف عندي من القوي حتى آخذ الحق منه".

ثم نزل عن المنبر رضي الله عنه.

وما يعطي كلام أمير المؤمنين قوة وبعداً وعمقاً وبلاغة أنه قرن هذه الخطبة بالأفعال والأعمال. فمن ذا الذي لا يعرف عدل عمر بن الخطاب، ومن ذا الذي لم يقرأ أو يسمع عن حلول الأمن والأمان، والعدل والإحسان في عهده، وهو القائل: "لو ماتت سخلة على شاطئ الفرات ضيعة لخفت أن أسأل عنها".

هذا الجبل البشري الإسلامي الشاهق، ثاني رجل في الإسلام بعد أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، كان قليل الكلام، يحسب على نفسه الكلمات، ولكنه في الجهة المقابلة، كان كثير الفعال، عظيم الأثر.

وعُرف عنه رضي الله عنه أنه كان يخطب وفي إزاره ثنتا عشرة رقعةً، كفَّ كفَّه عن المال زاهدًا فيه حتَّى أملق أهله.

وفي عام الرمادة أكل الزَّيت حتَّى قرقر بطنه، فقال: "قرقِر أو لا تقرقر، فوالله لا تذوق السَّمن حتَّى يشبع أطفال المسلمين".

عمر بن الخطاب هو الرجل الذي كان يحكم نصف العالم في زمانه، وهو الرجل الذي كان يهابه كسرى عظيم الفرس، وملوك وجبابرة ذلك الزمان، وهو الرجل الذي أعز الله به الإسلام، وهو الرجل الذي به ظهر دين التوحيد وعلا، وهو في نفس الوقت الرجل الذي كان بالكاد يجد ما يطعم به عياله، وبالكاد يجد ما يستر به بدنه، بل هو الرجل الذي كثيراً ما كان يطوي الليل بأمعاء خاوية، لم يتسرب إليها شيء من ملذات الحياة.

وعلى الرغم مما عرف عنه بقوته وجسارته، فإنه كان في وجهه خطان أسودان من البكاء، وكان يمرُّ بالآية في ورده الليلي فيبكي حتى يسقط على الأرض، ويبقى في البيت حتى يُعاد للمرض.

وعندما حضره الموت قال قولته الشهيرة: "الويل لعمر إن لم يُغفر له".

حقاً إنه رجل بأمَّة.

طباعة Email