حضارتنا

المدينة.. مهوى الأفئدة وأرض البركات

ت + ت - الحجم الطبيعي

هي "طيبة الطيبة"، وأول عاصمة في تاريخ الإسلام، وثاني أقدس الأماكن بعد مكة، وهي من أحب الأماكن إلى قلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإليها تهفو أفئدة جميع المسلمين في العالم. وإلى جانب ذلك فقد نزلت فيها كثير من سور القرآن، وأثنى الله عز وجل على أهلها "الأنصار" في أكثر من آية.

قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا واجعل مع البركة بركتين"، وقال: "اللهم بارك لنا في ثمرنا وبارك في مدينتنا". فهي مباركة الأرض والهواء، وطيبة الثمار والزرع.

حلّ الخير والبركة والتشريف في المدينة المنورة وتحولت إلى مركز أحداث الدنيا بعدما هاجر إليها النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك يوم الجمعة 12 ربيع الأول، الموافق 27 سبتمبر سنة 622م بصحبة أبي بكر الصديق، وكان قبل دخوله عرج على قباء لأداء الصلاة وبنى هناك أول مسجد في الإسلام.

بعد ذلك بنى المسجد النبوي نواة الدولة الإسلامية الجديدة، وآخى بين المهاجرين والأنصار بعد قدومه بخمسة أشهر، في دار أنس بن مالك، وكانوا 90 رجلًا، نصفهم من المهاجرين، ونصفهم من الأنصار.

ثم نظّم النبي صلى الله عليه وسلم العلاقات بين سكان المدينة، وكتب في ذلك كتابًا اصطلح عليه باسم دستور المدينة أو الصحيفة، واستهدف هذا الكتاب توضيح التزامات جميع الأطراف داخل المدينة من مهاجرين وأنصار ويهود، وتحديد الحقوق والواجبات، كما نص على تحالف القبائل المختلفة في حال حدوث هجوم على المدينة.

غزوات

من المدينة انطلقت جميع غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم، وكانت أولاها غزوة بدر سنة 624 التي انتصر فيها المسلمون وكان عددهم 313 رجلاً على كفار قريش وعددهم ألف رجل. وكذلك معركة أحد عام 625 التي قتل فيها خلقٌ كثير من المسلمين منهم حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم. وغزوة بني النضير التي قاتل فيها المسلمون اليهود.

كما شهدت المدينة غزوة الخندق أو الأحزاب التي واجه فيها المسلمون أكثر من عشرة آلاف رجل، وأقام المسلمون وأعداؤهم 24 ليلة لم يكن بينهم حرب إلا الرمي بالنبل والحصار. حتى جاءت ريح شديدة لمعسكر الأحزاب، فارتحلوا على إثرها. كان من نتيجة هذا الحصار أن قُتل 8 من المسلمين، و4 من الأحزاب. ولما انصرف الأحزاب عن المدينة، قال محمد لأصحابه: «لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا، ولكنكم تغزونهم»، فلم تغزهم قريش بعد ذلك، وكان هو الذي يغزوها، وذلك حتى فتح مكة. ووقعت في المدينة غزوة بني قريظة الذين حاصرهم المسلمون، وهم يومئذ 3000 شخص، 25 ليلة انتهت باستسلامهم.

العاصمة

بعد نحو عشر سنوات من الهجرة، استطاع المسلمون العودة إلى مكة فاتحين. لكن على الرغم من الانتصار ودخول مكة في ظل الدولة الإسلامية، فإن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ المدينة مقرًا، فأصبحت عاصمة الدولة الإسلامية الفتيّة، وبقي النبي صلى الله عليه وسلم فيها حتى توفي في ربيع الأول سنة 11 هـ.

عاشت المدينة المنورة أزهى عصورها في عهد الخلفاء الراشدين، منذ تولي أبي بكر الصديق الذي قضى على المرتدين عن الإسلام في حروب الردة، ومروراً بعمر بن الخطاب حيث فُتحت بلاد الشام ومصر وبلاد فارس، وعهد عثمان بن عفان الذي شهد المزيد من الفتوحات ودخول سلاح البحرية إلى الجيش الإسلامي، وصولاً إلى عهد علي بن أبي طالب، قبل أن تدخل "طيبة" في عهد الدولة الأموية الذي قام فيه الخليفة الوليد بن عبد الملك بتوسيع المسجد النبوي حتى أضحى قبر النبي صلى الله عليه وسلم جزءًا لا يتجزأ منه.

وتضم المدينة الكثير من المعالم والآثار أبرزها المسجد النبوي ثاني أقدس المساجد بالنسبة للمسلمين بعد المسجد الحرام، بالإضافة إلى مقبرة البقيع التي دفن فيها الكثير من الصحابة، ومسجد قباء أول مسجد بني في الإسلام، ومسجد القبلتين، وجبل أحد الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم "هذا جبل يحبنا ونحبه".

الموقع والمساحة

 

تبعد المدينة المنورة حوالي 400 كم عن مكة المكرمة في الاتجاه الشمالي الشرقي، وعلى بعد حوالي 150 كم شرق البحر الأحمر، تبلغ مساحتها حوالي 589 كم منها 99 كم تشغلها المنطقة العمرانية، وتتكون من جبال ووديان ومنحدرات سيول وأراض صحراوية وأخرى زراعية ومقابر وأجزاء من شبكة الطرق السريعة.

تأسست المدينة المنورة قبل الهجرة النبوية بأكثر من 1500 عام، وعُرفت قبل ظهور الإسلام باسم "يثرب" الذي ورد في القرآن: وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا وهي محرم دخولها على غير المسلمين.

طباعة Email