رقائق

السعادة الحقيقية

ت + ت - الحجم الطبيعي

لا يمكن لك أن تكون سعيداً، ولا أن تتلذذ بمباهج الحياة، ولا أن ينتعش فؤادك بمنظر جميل، أو بكلمة عذبة، أو بملمس ناعم. لا يمكن لك أن تستشعر الجمال الحقيقي الذي خلقه الله تعالى في هذه الحياة، كمال خلق أموراً كثيرة غيره، ولا يمكن لك أن تسمع صدى ضربات قلبك وهو يرقص فرحاً محلِّقاً بين النعم الهائلة المحيطة بك. هذا الكلام ليس حكماً مبرماً لا جدال فيه، ولا هو ينطبق على جميع الناس، إنما هي كلمات تصيب أولئك الذين اعتادوا التجهمَ، وعادوا الابتسامة عداءً غير مفهوم، والذين لا يملكون أن يتكيفوا مع الظرف والحال. فالسعادة عند أولئك «كائن» من جنس غريب، لا تهضمها نفوسهم البائسة، ولا تستشفها أرواحهم المظلمة، وإلا لو أرادوا السعادة، وسعوا لها سعيهم لإرضاء شهواتهم من المال، والشهرة، والسلطة، والجاه، لوجدوها أمامهم، ولالتقموها - بغير عناء - كما يلتقم الرضيع ثدي أمه.

في حضرة هذا الكلام تلوح أمامي قصة الفيلسوف الألماني الشهير «كانت» التي رواها في مذكراته، قائلاً: كان لي جار عنده ديك على سطح منزله قبالةَ مكتبي، وكنت أستيقظ وأعيش على وقع صيحاته، لا أستطيع أن أكتب بمعزل عن ضجيجه وإزعاجه. سئمت يوماً وطلبت من خادمي أن يشتري الديك، ويذبحه، ويقدمه لي على الغداء، فدعوت صديقي لتناول الوجبة اللذيذة معي، وجلست أحدثه عن أيامي السود مع الديك، وكيف كان يزعجني، ويمنعني من الاستغراق في التفكير والكتابة، ثم كيف أصبح وقتي جميلاً، وكيف استطعت أن أتحرر من هذا الديك، وأعود لسابق عهدي مع الكتابة. ولكن فجأة دخل الخادم، وقال لي: إن الجار أبى أن يبيع الديك، فاشتريت ديكاً آخر، فإذا بي أسمع صيحات الديك تعلو في الفضاء! ألا تلحظ معي، أخي القارئ، أنه لم يتغير شيء في «عالم» الكاتب، وإنما الذي تغير هو عقله، ومزاجه، وتفكيره.

عندما وطّن نفسه على أن الديك صار في حكم المذبوح، استشعر الراحة، وشعر بالرضى، فلم يعد يرى إلا الجمال، ولم يعد يستشعر إلا الهدوء، ولم تعد أذناه تئنان من صوت الديك، مع أنه لم يتغير في الأمر شيء، إلا الحالة النفسية للكاتب. وهكذا حالنا مع الدنيا: المرء هو من يملك أن يعيش حراً سعيداً، أو عبداً تعيساً. حرٌ من الأسر لشهواته، وسعيدٌ وهو يستشعر النعمَ الموجودةَ بين يديه. وعبدٌ يلهث وراء تحقيق غايات، هو يدرك سلفاً أنها ستزول عاجلاً أم آجلاً، وأنه سيأتي مَن بعده ليستمتع بها، وهذه العبودية لا تنتهي، لأنه كلما حقق غاية، لهث وراء غاية أخرى، حتى يفوته قطار الحياة، وينزل إلى رحِمِ الأرض وحيداً إلا من قطعة قطن لا تكاد تُرى. أحد الصالحين جاءه خبر وفاة ابنه، فاسترجع وقال: «الحمد لله الذي أخذ واحداً وترك لي سبعة من الأبناء». وآخر قُطعت يدهُ فلهجَ بذكر الله وهو يقول: «الحمد لله الذي أخذ طرفاً وترك لي ثلاثةً».

 هذان الرجلان أدركا معنى الحياة، وأنها جسر نمُرُّ فوقه مسرعين، فلم يوقفوا مصيرهم عنده، واستشعروا معنى السعادة بعمق، ورضوا بما هو بين أيديهم، وتلذذوا بفائض النعم التي يرفلون فيها.

حكمة

 السعادة المفقودة تستطيع أن تلتقطها، عندما تعرف أن الله تعالى قَدَرَ عليك في الرزق، وأعطاك بسطة في العلم، أو في الصحة، وعندما تدرك أنّك خسرت وظيفة، لكنك في المقابل ربحت أسرةً وصحبةً، وعندما تدرك أن وراء كل قدر، بخيره وشرِّه، حكمة قدّرها ربٌّ عليمٌ حكيم.

السعيد بحق هو من يرى في آخر النفق المظلم بصيصَ ضوء، لا من يعجز عن رؤية النور في الليلة المقمرة، وهو من يقلّب النظر في نعم الله من بيت وأسرة وأبناء إذا ما فقد وظيفة، وهو من يرى الأحبة من حوله إذا ما أوذي من شخص.

السعادة المفقودة هي شعور كامن في الذات، لا يخرج ويظهر على الجوارح إلا في النفس الراضية، وفي الروح الشفافة، وفي القلب الكبير، وفي العقل البصير.

طباعة Email