زارع الفل.. أحمد البستكي 85 سنة - البيان

#حكايات_لكبار _المواطنين

زارع الفل.. أحمد البستكي 85 سنة

عمري 85 سنة. ربما أكثر. لا يخيفني العمر. لم يحدث أن تعبت إرادتي يوماً. كف يدي هذا، الذي أحب الآن أن أجعله يزرع النباتات وزهور الفل، هو ذاته الكف الذي جُبل ذات يوم بالطين والكلس.

لقد عملت بنّاء لسنوات طويلة من حياتي. كان بوسعي، مع ثلاثة عمال آخرين، أن ننهي بناء بيت من ثلاث غرف وبرجيل في عشرة أيام. كنا نعمل لأكثر من أربع عشرة ساعة في اليوم، وحين يبدأ البارجيل بالتقاط الهواء، ويسرّبه لأهل البيت ليطري وقت الحر، كنت أشعر بسعادة غامرة، بأنني قمت بعمل نافع لجيراني. لا شيء في هذه الحياة أجمل من أن تشعر أنك مفيد للآخرين. إنك قادر على أن تضيف شيئاً ما إلى يومياتهم.

هذا الكف أيضاً تبلل بغسيل السيارات أيضاً. كانت أيام رمضان وحركة البناء بسيطة فأردت أن أغتنم الفرصة لكي أحصل دخلاً إضافياً. وكما علق الطين والكلس على أظافري، تشربت أصابعي أيضاً صابون المغاسل. لم أخجل من أي عمل في حياتي طالما كان مفيداً وشريفاً.

حين لفحتني نيران الفرن في الأيام التي عملت فيها خبازاً قلت لأصدقائي: هذه الندوب ستظل علامة على يدي لتذكرني دوماً أن لا شيء في الحياة يمر من دون تعب وجهد. كنا نبيع ستة عشر رغيفاً بروبية واحدة. وفي حال كان الزبون من الأوفياء للمحل كنا نعطيه ثمانية عشر رغيفاً. كان هناك مخبز واحد في «الفريج»، وكنا رغم ذلك نلبي احتياجات سكان الحي، وأيضاً الأحياء المجاورة حتى إننا كنا نتعامل مع شركات ونورد لها الخبز بأنواع مختلفة.

حين بدأت التردد على النوادي الاجتماعية التي تشكل ملاذاً لنا كي نلتقي بأقران وأناس لهم ظروف متشابهة، رغبت بأن أكون مفيداً، وأترك بصمتي في المكان، كما اعتدت دوماً. لذلك أخذت على عاتقي أن أكون «مهندس» النباتات. وزرعت بنفسي شتلات وزهوراً. في بعض المرات التي يصيبني فيها وهن ولا أتمكن من أن أحني ظهري، أفكر بنباتاتي وأسأل عنها.

هل أفكر بالزمن؟ بالتأكيد، يشعر الواحد منا بحنين إلى شبابه، ولكنني راضٍ تماماً على أنني عشت كفاية لكي أشهد على هذه النهضة العملاقة التي حدثت في البلاد. إن فكر قادتنا وجهودهم الحثيثة من أجل ضمان حياة مريحة لجميع الشرائح والفئات في المجتمع لهو شيء يخشع له المرء احتراماً وتقديراً.

بنّاء، خباز، عامل مرآب.. وأشياء أخرى كثيرة مرت في حياتي طوال ثمانية عقود وأكثر. اليوم أنا سعيد وحولي ناس كثر يهتمون بصحتي النفسية والجسدية. ويطلبون مني أن أرتاح ولا أتحرك كثيراً. لكنني لن أتوقف عن زراعة الفل.. أبداً.

علمتني الحياة

الصبر قيمة حقيقية. الإنسان الصبور قوي

التأقلم ضرورة. إن لم تتأقلم يتقدم غيرك وقد تختفي

التلاعب في العمل يجعل منك إنساناً فارغاً لا قيمة له

العطاء لا ينضب مع السنين بل يزيد

الهواية ضرورية. اقرأ كتاباً أو ازرع زهرة

يأتي في حلمي

طحين كثير على ساعديّ ولهب الفرن يجعل عينيّ تبرقان

صديقي فرحٌ لبناء بيته في أربعة أيام

بين الحجارة وحطب الأفران. أحلم بالبحر

أمي علمتني حب النباتات لولعها بالياسمين الهندي

أبنائي. ذخري وسندي في الحياة. بناة المستقبل

 

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات