البعض يلجأ إليها بدافع نفسي والتداعيات مقلقة

عمليات التجميل هوس الموضة والبحث عن الكمال

صورة

باتت في الآونة الأخيرة عمليات التجميل، التي أصبحت ضرورة عند البعض، تأخذ منحى الهوس عند بعض الفئات من كلا الجنسين وبالأخص لدى المراهقات، رغم كلفتها الباهظة، ما يجعلنا أمام تساؤل حول المحرك الأساسي لإجراء عمليات التجميل، والدوافع النفسية وهوس الجمال في عقول بعض الفتيات الصغيرات تحديداً، لكن التساؤل الذي يفرض نفسه أمام من يخوض هذا التجربة ما مآلات هذه العمليات صحياً واجتماعياً، إذ يشير عديدون إلى نتائجها العكسية المحتملة.

إحصائيات حديثة أظهرت أن 37% من الفتيات العربيات اللواتي تتراوح أعمارهن ما بين 15 و17 سنة، يعتبرن عمليات التجميل إجراءً بسيطاً، وأنهن لا يمانعن من القيام بجراحات تجميل إذا ما اقتضت الحاجة لذلك.

وأشارت كذلك إلى أن تقويم الأسنان وشفط الدهون وحقن وتكبير الوجنتين بالبوتكس وتركيب الرموش شبه الدائمة، وتجميل الأنف من عمليات التجميل الأكثر رواجاً، فيما يؤكد أطباء وجود أسباب عدة تدفع المراهقين للخضوع إلى الجراحة التجميلية في أهمها أن المجتمع أصبح يعطي أهمية كبيرة للمظهر الخارجي.

وأوضحوا أن إقبال الفتيات على جراحات التجميل تنقسم إلى نوعين: من تعرضت لحوادث مفاجئة (من الحريق أو بسبب حادث مروري) ما تطلب إجراء إصلاح لهذا التشوه الخلقي الناتج عنها، أما ثانيا لأسباب طبية منطقية بهدف التخلص من العيوب الخلقية.

تفاوت الأعمار

بدورها، أفادت استشارية تجميل د.سوسن أحمد بأن هناك تفاوتاً بالنسب التي تتراوح فيها عمليات التجميل، حيث إن أغلبية الذي يأتون يطلبون خدمات معينة منها تكبير الثدي أو الشفاه وإزالة التجاعيد وتكثر هذه الفئة عند النساء، وعن متوسط الأعمار، أشارت إلى وجود معايير معينة في العيادة التجميلية لمعدل الأعمار التي يستقبلونها، وإن كان التركيز ينصب على الكبار في السن ابتداءً من عمر 18 سنة وما فوق.

من جانبها، أوضحت الاختصاصية الأسرية والاجتماعية بثينة حسن أن عمليات التجميل شأنها شأن الكثير من الأمور التي تخضع للموضة في كل وقت. كذلك هي من جملة الأشياء التي تتبع ثقافة كل مجتمع. وإن كانت لا تشجع عمليات التجميل بتاتا إلا أنها تنصح الفتيات والفتيان من صغار السن بشكل خاص بأن لا يلجأوا إلى العمليات التجميلية إلا للضرورة أو إن كان الأمر يصل إلى منعطف تأزم نفسي صعب.

وفي الوقت ذاته، حملت «البيان» الأسئلة، وطرحتها على عدد من الفتيات اللاتي تفاوتت آراؤهن في كونها مطلباً هاماً في وقتنا الحالي ابتداء من عروض العمل وحتى الزواج وانتهاء بفكرة الحفاظ على معدل عالٍ في الجمال والرشاقة حتى سن متأخرة من العمر، وكان كالتالي:

شيماء محمد طالبة في المرحلة الثانوية أكدت أهمية اعتناء الفتاة بنفسها من عمر مبكر، قبل ظهور أعراض الترهل عليها، معبرة عن إعجابها وهوسها بالنجمة «أنجلينا جولي»، وعلى ضوئه ذهبت إلى احد مراكز التجميل لإجراء جراحة تكبير الشفاه، ولكن النتيجة كانت عكسية.

من جانبها، أوضحت الطالبة سارة الشحي أنها لم تجر عملية تجميلية، غير أنها اضطرت إلى إجراء عملية إنقاص وزن لأسباب طبية بحتة نظرا لأن بدانتها وراثية، ويأتي ذلك وسط محافظتها على نظام غذائي صحي واعتماد تمرينات رياضية يومية وذلك للحفاظ على الوزن المثالي، حيث إن هذا النوع من العمليات، يؤدي إلى حدوث تأثيرات سلبية إذا أخلت بالنظام مما يؤدي إلى زيادة في الوزن.

وفي السياق ذاته، قالت الطالبة عايدة السويدي إن العمليات التجميلية لم تعد حصرا على فئة أو جنس أو عمر معين، بل باتت حاجة ملحة لجميع أفراد المجتمع، الذين باتوا يجرونها لأسباب مختلفة تعود لحاجة كل واحد بغض النظر عن آثارها الجانبية وأيضا تكاليفها الباهظة.

وأوضح موسى جاسم أن هذا الأمر لا يؤثر على حياة الشخص الذي قام بعمليات تجميل بل يمنحه فرصاً هامة من ناحية الفرص الوظيفية وليس فقط على مستوى الزواج الذي بات هو الآخر يعد التجميل فيه مطلباً هاماً. مبينا أنه ليس من الضروري أن تخبر الفتاة الشاب بحقيقة العمليات التجميلية طالما أنها لم تحدث تغييراً جذرياً في شكلها وكانت بسيطة، أما لو كان الفرق كبيرا فلابد من ذلك، وفي الوقت ذاته ينصح أولياء الأمور بعدم الخشية على أبنائهم من إعلام شريك العمر بتلك العمليات.

التجميل بشروط

محمد سبيعان إمام وخطيب مسجد عبدالله الإعماش والواعظ بوزارة الداخلية: قال لا شك أن التجمل من الأمور المستحبة في ديننا الإسلامي، لذلك أمر المرأة بالتجمل لزوجها. كما أمر الزوج بالتجمل لزوجته، إذا فالتجمل مستحب في كثير من الأحيان كالاغتسال والطيب ولبس أحسن الثياب والحلي بالنسبة للمرأة وقص الشارب بالنسبة للرجل وقص الأظافر وغيرها من الأمور التي حض عليها ديننا الحنيف، أما بالنسبة لعمليات التجميل فقد أجاب الفقهاء على أن هذه العمليات منها ما هو مباح ومنها ما هو محرّم.

فأما المباح منها إذا كانت ستداوي عضواً مشوهاً، أو تقويه، أو تزيل عاهة لا يستطيع أن يعيش الإنسان بها دون حرج، أو تسبب إعاقته عن العمل أو إجادته، أو إصلاح عيب سواء كان خِلقيا أو حادثاً، أو أن يكون الإنسان في أنفه اعوجاجاً شديداً كل من رآه يستنكره، فهذا عيب ظاهر مخالف لأصل الخلقة، كما يجوز شرعاً اتخاذ السن والأنف أو الأصبع أو الأنملة أو الأذن أو الدعامة فوق السن أو الوصلات التعويضية من الذهب أو الفضة.

وأشار إلى أن الجراحات التجميلية التي يقصد بها تغيير الخلق ابتغاء للحسن والجمال أو المزيد منهما، مثل تغيير لصفة جزء من جسم الإنسان ليصبح أكثر جمالا دون أن يكون مشوهاً خلقةً فإن هذا النوع من العمليات غير جائز شرعاً، وذلك كعمليات (شد الوجه والرقبة، وتصغير الأنف أو تكبير الشفتين والثديين أو تصغيرهما، وتفليج الأسنان، ونحو ذلك كله) فإنه لا يجوز شرعاً باتفاق الفقهاء لما فيه من تغيير خلق الله سبحانه وتعالى، وهذا النوع من الجراحة لا يشتمل على دوافع ضرورية، ولا حاجة ملحة، بل غاية ما فيه تغيير خلق الله تعالى والعبث بها حسب أهواء الناس وشهواتهم، ولا يندرج مطلقا تحت مسمى الحرية الشخصية كونها تتعارض مع الشرع.

دواع نفسية

من ناحيته، أوضح محمد السويدي اختصاصي نفسي من قسم التشخيص بإدارة التربية الخاصة بوزارة التربية والتعليم، أن هناك دواعي نفسية تدفع الشخص لإجراء عمليات التجميل، أهمها انعدام الثقة بالنفس التي تقوده إلى الرغبة في تعويض ذلك من خلال التجميل والتغيير والتعديل، داعيا إلى ضرورة التعرف على أسباب انعدام الثقة بالنفس، والتي يتمثل أغلبها في شعور الشخص بأن جميع من حوله يعرفون نقاط ضعفه، ويركزون عليها، كما أن يشعر دوماً بأن أي حركة يقوم بها هي حركة مراقبة من قبل الآخرين.

وقال غالبا ما تسيطر على الشخص المريض نفسيا مجموعة من الألفاظ والمصطلحات التي تتسم بالإحباط، فتراه يقول لنفسه باستمرار (أنا فاشل، أو أنا ضعيف)، فضلا عن شعوره بالنقص والدونية، وأرجع ذلك إلى عدة أسباب أهمها تعرضه لانتقادات هادمة، وخاصة من الأشخاص المقربين مثل الوالدين أو الأخوة، أو أنه يكثر من مقارنة نفسه بأقرانه، ما يشعره بالنقص، والعجز أمام الآخرين، بالإضافة إلى نظرة الأهل السلبية التي يعاني منها الكثير من الأبناء، والتي من شأنها أن تهدم شخصيتهم، وتفقدهم ثقتهم بأنفسهم مستقبلا.

تجارة خطيرة

قال المحامي عبد الله سلمان: إن جراحات التجميل أصبحت تجارة، ومجال اللعب فيها واسع جداً ومخيف وخطر، إما بهدف التحسين والتغيير وفقاً لمعايير الحسن والجمال السائدة، وذلك بدواع تجارية متصلة بالطبيب، من خلال قيامه بالتسويق لجراحات التجميل ومحاولة إقناع العملاء والتأثير عليهم، وهذا العمل مخالف لأخلاق مهنة الطب.

وأضاف أن القوانين الطبية جاءت لتضبط وترسم العلاقة بين الطبيب والمريض، وإنها علاقة إنسانية وقانونية تستلزم من الطبيب بذل أعلى درجات الاهتمام والرعاية تجاهه، وكذلك دور القانون الذي يحمي حقوق الأفراد من العبث والانتهاك، خصوصاً من الدخلاء على عالم الطب، ويحمي ويضبط كذلك أصحاب الهوس من الإضرار بحق أنفسهم من حيث يشعرون أو لا يشعرون.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات