مذكرة ورأي

الآراء القانونية تعزّز استدامة التشريعات

إن من أهم الأعمال التي تضطلع بها الجهات الحكومية عند مزاولتها لاختصاصاتها المنوطة بها بموجب التشريعات المنشئة لها أو المنظمة لأعمالها، هي تطبيق أحكام التشريعات على الحالات والمسائل التي تواجهها عند قيامها بإدارة المرافق العامة، التي تتولى الإشراف على تشغيلها وتسيير شؤونها، وكان لزاماً عليها أن تكون القرارات الصادرة عن هذه الجهات والإجراءات المتخذة من قبلها في هذا الشأن منسجمة مع أحكام تلك التشريعات، وذلك عملاً بمبدأ «المشروعية» الذي يقضي بخضوع جهة الإدارة لأحكام القانون وأن تكون كافة تصرفاتها متوافقة مع أحكامه.

تطبيق سليم

ولا ريب أن التطبيق السليم لأي تشريع يستلزم أن يكون لدى الجهة الحكومية الإلمام التام بأحكامه، والمعرفة القانونية التي تمكنها من إنزال هذه الأحكام على المسائل والوقائع المستجدة التي تواجهها عند قيامها بالشؤون التي يتناولها هذا التشريع بالتنظيم، ولما كان هذا العمل على جانب كبير من الأهمية ويتطلب القيام به الإحاطة بالنظام القانوني السائد بما يتضمنه من تشريعات مختلفة، والقدرة على فهم النصوص القانونية وتحليلها واستنباط الأحكام منها والقياس عليها، فقد حرصت الحكومات المختلفة على إيجاد جهة حكومية متخصصة تتولى تقديم الدعم القانوني للجهات الحكومية في فهم وتفسير النصوص التشريعية السارية لديها وإبداء الرأي القانوني لهذه الجهات حيال تطبيق هذه النصوص على الوقائع والمسائل التي تحتاج إلى بيان حكم القانون بشأنها.

اختصاصات

وتعتبر اللجنة العليا للتشريعات في إمارة دبي الجهة المختصة بإصدار مذكرات الرأي القانوني للجهات الحكومية، حيث حددت المادة «3» من مرسوم إنشائها رقم «23» لسنة 2014 اختصاصات اللجنة، ومن بينها: «إصدار اللوائح والمذكرات التفسيرية للتشريعات المحلية السارية في الإمارة، وإصدار ونشر الفتاوى القانونية المسببة فيما يتعلق بتفسير أحكام التشريعات، وتقديم الرأي والمشورة القانونية لما يعرض على اللجنة من استفسارات من الحكومة أو الجهات الحكومية بشأن النصوص التشريعية».

دور

وأصدرت اللجنة العليا للتشريعات منذ نشأتها، ووفقاً للدور المنوط بها قانونياً، العديد من الآراء والفتاوى القانونية التي أسهمت في نشر الوعي القانوني لدى الجهات الحكومية في إمارة دبي، وساعدت هذه الجهات في تطبيق التشريعات السارية لديها تطبيقاً سليماً، وهو الأمر الذي عزز الثقة بالعمل الحكومي في الإمارة وأسبغ الصفة القانونية على التصرفات والقرارات الصادرة عن الجهات الحكومية في معرض ممارستها لاختصاصاتها المقررة بموجب التشريعات السارية، وضمن حقوق المتعاملين معها في شتى مجالات العمل الحكومي.

لقد تنوعت وتعددت الآراء والفتاوى الصادرة عن اللجنة العليا للتشريعات في هذا الشأن، تبعاً لتنوع الحالات والاستفسارات القانونية التي أُثيرت من الجهات الحكومية، فمن هذه الآراء ما يتعلق بالشؤون المالية، والاقتصادية، والتنظيمية الحكومية، والصحة، والبيئة، والسلامة العامة، والتعليم، والثقافة، والشؤون الاجتماعية، والوظيفة العامة، والشؤون العقارية، والبنية التحتية، وغيرها من الشؤون والمجالات المرتبطة بالاختصاصات التي تتولاها الجهات الحكومية في إمارة دبي.

فتاوى قانونية

وأقرت اللجنة في الفتاوى القانونية الصادرة عنها العديد من المبادئ، كما أكدت على القواعد العامة والمبادئ المستقرة لدى الفقه والقضاء الإداريين، ومن بين هذه المبادئ اعتبار العلاقة التي تربط الموظف العام بالجهة الحكومية علاقة تنظيمية، تحكمها التشريعات المنظمة لشؤون الوظيفة العامة، فهذه التشريعات هي التي تحدد شروط وأحكام هذه الوظيفة، وكذلك حقوق الموظف وواجباته، ويترتب على اعتبار العلاقة بين الموظف والجهة الحكومية علاقة تنظيمية أن المركز القانوني للموظف هو مركز قانوني عام يجوز تعديله في أي وقت بتشريع جديد يسري عليه دون أن يكون للموظف الحق في الاعتراض على ذلك، شريطة أن يكون الدافع إلى إجراء هذا التعديل تحقيق المصلحة العامة، وليس تحقيق مصالح شخصية تؤثر على المراكز القانونية الخاصة للموظف العام.

حقوق مكتسبة

ومن المبادئ التي أقرتها اللجنة في مجال الوظيفة العامة كذلك مبدأ عدم المساس بالحقوق المكتسبة للموظف، ويقوم هذا المبدأ على أساس أن الحقوق المكتسبة التي يمكن للموظف الاحتجاج بها هي الحقوق التي تكوّنت عناصرها في ظل أوضاع قانونية تبررها وتحميها، وهي الحقوق التي تستند إلى نصوص قانونية صريحة تقرها وتعترف بها، فهذه الحقوق لا يجوز المساس بها إلا بنص تشريعي صريح.

وترتب على الآراء والفتاوى القانونية الصادرة عن اللجنة النهوض بمستوى العمل الحكومي، وتحقيق استدامة التشريعات، بالنظر إلى ما تتضمنه تلك الآراء والفتاوى من اجتهادات قائمة على فهم دقيق واستيعاب سليم للتشريعات السارية، بما تتضمنه من شرح وافٍ لتطبيق القاعدة القانونية، سواء بالنسبة للواقعة التي صدرت المذكرة لأجلها أو بالنسبة لأي واقعة أخرى قد تحدث مستقبلاً، وذلك من خلال وصولها لنتائج قائمة على فهم حقيقة التشريع وإدراك لمقاصد المشرع، فالمذكرات القانونية وجدت لخدمة القانون وتفسيره بما يحقق الغايات التي تم وضعه لأجل تحقيقها، فمهمة مذكرة الرأي القانوني هي تقديم الأدلة التي تبرهن حقيقة مقصد المشرع، وهي الركن الركين والأساس المتين الداعم للتشريع وتحقيق استدامته.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات