مشاريع راشد بن سعيد.. حجر أساس دبي الحديثة

من يرى دبي اليوم يؤمن بأنه لا يوجد مستحيل، بعد أن تحولت من مدينة صغيرة إلى مدينة عالمية رسخت مكانتها مركزاً دولياً للتجارة والسياحة والطيران والمال والخدمات.

وقد بدأ هذا التحول بعد أن وضع المغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، خلال أعوام حكمه الممتدة لاثنين وثلاثين عاماً، مشاريع يمكن القول إنها بمثابة حجر الأساس لدبي الحديثة، ومكنت الإمارة من تحقيق انطلاقتها التي نشهدها حالياً تأسيساً على ركائز متينة على كل الصعد، وأبرزها ما يتصل بالتجارة والاقتصاد.

واهتم الشيخ راشد بالعمران والتجارة واستثمر كل الإمكانيات، إذ إنه استغلّ النفط استغلالاً تجاريّاً عام 1966 فأنشأ دائرة خاصة بشؤون النفط، ودائرة للطيران والقضاء، وبدأت التحولات الحقيقية في حياة دبي وشهدت طفرة تنموية شملت إنشاء الطرق والمطار والموانئ، بهدف تشجيع الخطوط العالمية للمرور بدبي، حتى أصبحت مركزاً تجاريّاً بين الشرق والغرب.

 رمال ومشاريع

فقد أنشئت بلدية دبي 1957، وبدأت مشاريع التنمية ترى النور، وبدأ الناس يجنون ثمار التخطيط المدروس بفضل النظرة الثاقبة للشيخ راشد، الذي ما إن ينتهي من تخطيط وتنفيذ مشروع حتى يبدأ بالعمل في مشروع جديد. ووضع الشيخ راشد حل مشكلة الإسكان ضمن أولوياته، فقام بإنشاء دائرة الأراضي والأملاك عام 1960، وقرر إعطاء الأولوية لبناء مساكن منخفضة الإيجار، وكان يتابع بنفسه سير العمل.

وأثناء زيارته لأوروبا عام 1959 طلب المغفور له من شركة تنفيذ إنشاءات مطار دبي على أسس حديثة، وفي 30 سبتمبر 1960 افتتح مطار دبي وصار مركزاً إقليمياً للطيران العالمي.

 نفط واتصالات

وبدأت دبي إنتاج النفط رسمياً في السادس من سبتمبر عام 1969. وتم شحن أول ناقلة بالبترول في 22 سبتمبر 1969 بحمولة 180 ألف برميل. وفي التاسع من نوفمبر 1970 تم اكتشاف حقل النفط الثاني في جنوب غرب حقل (فتح) وبدأ إنتاجه في 1972. وتوالت بعد ذلك عمليات استكشاف النفط في دبي، فيما قام الشيخ راشد بإبرام اثنتي عشرة اتفاقية في الفترة ما بين أكتوبر 1982 ونوفمبر 1983.

 مصارف

وأصدر الشيخ راشد في 1963 مرسوماً بتأسيس أول بنك وطني، هو بنك دبي الوطني المحدود، برأسمال مليون جنيه استرليني بعد أن كانت التعاملات المالية والمصرفية حكراً على المصارف الأجنبية. فقد كانت دبي قبل مجيء المصارف الأجنبية إليها تفتقر إلى وجود مؤسسة مالية من هذا القبيل. وكان الشيخ راشد مدركاً لذلك الواقع وموقناً بأن وجود نظام مصرفي حديث سيعزز صورة دبي كمركز تجاري في المنطقة، فسعى لجذب مصرف ذي سمعة جيدة ونجح في ذلك، حيث تواجد في دبي لاحقاً البنك البريطاني للشرق الأوسط، واشترط الشيخ راشد أن يدرج في الاتفاقية بند يلزم البنك البريطاني بتوظيف مواطني دبي.

 خور دبي

وأخذت دبي بفضل الخور الذي تم إنشاؤه تستعيد نشاطها في أوائل الخمسينيات، ونظراً لمحدودية الأرصفة كانت المراكب الخشبية التقليدية الكبيرة تضطر إلى الرسو كل ثلاثة جنباً إلى جنب في الخور الذي يبلغ طوله تسعة أميال، وكان الشيخ راشد يرى أن الاضطراب الناجم عن قلة عدد الأرصفة تسبب في التهرب من الضرائب التي كانت دبي في أمس الحاجة إلى عائداتها آنذاك.

ومن أجل تمويل عمليات المسح قامت حكومة دبي ببيع سندات مالية خاصة بخور دبي إلى التجار، كما قامت بتدبير قرض بمبلغ يساوي نصف مليون جنيه استرليني في 1958 و1959 لتمويل أعمال الحفر في خور دبي. وبحلول 1959 كان العمل يجري على قدم وساق، وكان الشيخ راشد يزور مواقع العمل على الخور عدة مرات في اليوم للوقوف على سير تنفيذ المشروع، ولم يمض وقت طويل حتى كانت حكومة دبي تجني ثمار هذا المشروع.

 ميناء راشد

واقتنع الشيخ راشد بضرورة إنشاء ميناء حديث كبير يتناسب مع توسع المدينة، فقام بتكليف الخبراء بإعداد دراسة جدوى حول إنشاء ميناء في المياه العميقة، وفي 1967 كان المهندسون المصممون يقومون برسم مخططات ميناء في منطقة الشندغة التي اختيرت لعمق مياهها ولوجودها على مقربة من مدخل الخور. وقد وُضع التصميم الأول بحيث يتألف الميناء من أربعة أرصفة قادرة على استقبال السفن عابرة المحيطات وناقلات البترول، وأُطلق على الميناء اسم «ميناء راشد» وكانت الأعمال الإنشائية لهذا الميناء هي أكبر أعمال إنشائية شهدتها دبي حتى ذلك الحين، ولكن قبل الانتهاء من جميع أعمال الإنشاء أعطى الشيخ راشد أمراً مفاجئاً بإنشاء 16 رصيفاً بدلاً من أربعة.

 جبل علي

واستيقظ البريطاني نيفيل ألن، الذي جاء إلى دبي ممثلاً لشركة «هالكرو»، في أحد الأيام منتصف سبعينيات القرن الماضي على رنين الهاتف من اتصال لأحد رجالات الشيخ راشد يخبره بأن حاكم دبي يريد أن يراه على قمة تل صغير قرب قرية جبل علي، فأسرع إلى هناك ووجد الشيخ راشد الذي أشار بيده ناحية الساحل القريب قائلاً: (هناك.. أريد إنشاء الميناء)، ثم شرح فكرته وأمره ببدء العمل في المشروع.

وقد استغرق الأمر حتى 2 أغسطس 1976 عندما تم حفر الأرض تمهيداً لإنشاء ميناء جبل علي وانتهى العمل من إنشاء أول رصيفين خلال 18 شهراً وعمل الميناء بكامل طاقته في يونيو 1979.

ويصف جريم ويلسن في كتابه «راشد بن سعيد آل مكتوم.. الوالد والباني» ميناء جبل علي بأنه أضخم ميناء من صنع الإنسان وثاني أضخم مشروعين أنجزهما الإنسان على وجه الأرض بعد سور الصين العظيم.

صناعة

وبعد أن بدأ الميناء العمل دخلت التنمية الصناعية في طور التنفيذ على قطعة من الأرض تبلغ مساحتها حوالي 5000 كم خصصت لهذا الغرض بالقرب من الميناء فنشأت شركات صناعية كبيرة مثل (دوبال)، وغاز دبي (دوغاز) ومصنع للأسمنت ومصنع لأساسيات البناء من الحديد والصلب ومصنع كابلات الكهرباء ومحطة للكهرباء وغيرها من الشركات العملاقة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات