الإمارات مشروع إنساني وجسر ثقافي عابر للخلافات

ارتبط اسم دولة الإمارات العربية المتحدة، منذ تأسيسها عام 1971، بقيم التسامح والعدل والتعايش السلمي، إذ تحتضن على أرضها الطيبة، ما يزيد على 200 جنسية، يمثلون مختلف الأعراق والأديان والعقائد والثقافات، وهو ما يجعلها مشروعاً حضارياً إنسانياً متكامل الأبعاد، كونها تمتلك وتطبق وتطور نهجها قيمياً شاملاً، يقوم على مبادئ إنسانية راقية، تؤهلها لتكون جسراً ثقافياً عابراً للخلافات، وهمزة وصل بين مختلف المجتمعات والحضارات الإنسانية الساعية للسلام والتنمية والتعاون والبناء، فلطالما قدمت الإمارات ـ التي تمتلك إرثاً حضارياً في التسامح، يمتد لمئات السنين، وينبع من الفهم الصحيح للدين الإسلامي ـ نموذجاً حقيقاً للممارسات التسامح والسلام والتعايش السلمي، التي توارثتها الأجيال، جيلاً بعد جيل.

وخلال الفترة من 3 ـ 5 فبراير 2019، استضافت دولة الإمارات، المؤتمر العالمي للأخوة الإنسانية، الذي نظمه مجلس حكماء المسلمين، بهدف تفعيل الحوار حول التعايش والتآخي بين البشر، وسبل تعزيزه عالمياً، والتصدي للتطرف الفكري وسلبياته، وتعزيز العلاقات الإنسانية، وإرساء قواعد جديدة لها بين أهل الأديان والعقائد المتعددة، تقوم على احترام الاختلاف، وتزامن المؤتمر مع الزيارة المشتركة للإمام الأكبر، الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، وقداسة البابا فرنسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكية، إلى دولة الإمارات.

تسامح

وخلال المؤتمر، الذي شارك فيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، في أبوظبي، تم الإعلان عن «وثيقة الأخوة الإنسانية»، التي مثلت إشعاعاً حضارياً، يجسد حرص قيادتنا الرشيدة، ودولة الإمارات، على ضرورة إعلاء قيم التسامح والتعايش، ونبذ العنف والتمييز والتطرف.

وتؤكد «وثيقة الأخوة الإنسانية»، أن التعاليم الصحيحة للأديان، تدعو إلى التمسك بقيم السلام، وإعلاء قيم التعارف المتبادل والأخوة الإنسانية والعيش المشترك، وأن الحرية حق لكل إنسان: اعتقاداً وفكراً وتعبيراً وممارسة، وأن التعددية والاختلاف في الدين واللون والجنس والعرق واللغة، حكمة لمشيئة إلهية، قد خلق الله البشر عليها، وجعلها أصلاً ثابتاً تتفرع عنه حقوق حرية الاعتقاد، وحرية الاختلاف، وتجريم إكراه الناس على دين بعينه، أو ثقافة محددة، أو فرض أسلوب حضاري لا يقبله الآخر.

عدل

كما أكدت الوثيقة أن العدل القائم على الرحمة، هو السبيل الواجب اتباعه للوصول إلى حياة كريمة، يحق لكل إنسان أن يحيا في كنفها، وأن الحوار والتفاهم ونشر ثقافة التسامح وقبول الآخر والتعايش بين الناس، من شأنه أن يسهم في احتواء كثير من المشكلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والبيئية، التي تحاصر جزءاً كبيراً من البشر، كما أن الحوار بين المؤمنين، يعني التلاقي في المساحة الهائلة للقيم الروحية والإنسانية والاجتماعية المشتركة، واستثمار ذلك في نشر الأخلاق والفضائل العليا، التي تدعو إليها الأديان، وتجنب الجدل العقيم.

وأوجبت الوثيقة، حماية دور العبادة، من معابد وكنائس ومساجد، وأن تلك الحماية تكفلها كل الأديان والقيم الإنسانية والمواثيق والأعراف الدولية، وكل محاولة للتعرض لدور العبادة، واستهدافها بالاعتداء أو التفجير أو التهديم، هي خروج صريح عن تعاليم الأديان، وانتهاك واضح للقوانين الدولية، وذكرت أن الإرهاب البغيض الذي يهدد أمن الناس، سواء في الشرق أو الغرب، وفي الشمال والجنوب، ويلاحقهم بالفزع والرعب وترقب الأسوأ، ليس نتاجاً للدين - حتى وإن رفع الإرهابيون لافتاته ولبسوا شاراته - بل هو نتيجة لتراكمات المفاهيم الخاطئة لنصوص الأديان، وسياسات الجوع والفقر والظلم والبطش والتعالي، وأن مفهوم المواطنة يقوم على المساواة في الواجبات والحقوق، التي ينعم في ظلالها الجميع بالعدل، لذا، يجب العمل على ترسيخ مفهوم المواطنة الكاملة في مجتمعاتنا.

وشددت على أن العلاقة بين الشرق والغرب، هي ضرورة قصوى لكليهما، لا يمكن الاستعاضة عنها أو تجاهلها، ليغتني كلاهما من الحضارة الأخرى، عبر التبادل وحوار الثقافات، وأن الاعتراف بحق المرأة في التعليم والعمل وممارسة حقوقها السياسية، هو ضرورة ملحة، وكذلك وجوب العمل على تحريرها من الضغوط التاريخية والاجتماعية المنافية لثوابت عقيدتها وكرامتها، وأن حقوق الأطفال الأساسية في التنشئة الأسرية، والتغذية والتعليم والرعاية، واجب على الأسرة والمجتمع، وينبغي أن توفر، وأن يدافع عنها، وألا يحرم منها أي طفل في أي مكان، وأن حماية حقوق المسنين والضعفاء وأصحاب الهمم والمستضعفين، ضرورة دينية ومجتمعية، يجب العمل على توفيرها وحمايتها بتشريعات حازمة، وبتطبيق المواثيق الدولية الخاصة بهم.

خير وسلام

ولأهمية الوثيقة دعا شيخ الأزهر وبابا الكنيسة الكاثوليكية، إلى أن تصبح هذه الوثيقة موضع بحث وتأمل في جميع المدارس والجامعات والمعاهد التعليمية والتربوية، لتساعد على خلق أجيال جديدة، تحمل الخير والسلام، وتدافع عن حق المقهورين والمظلومين والبؤساء في كل مكان. وأكدا أن هذه الوثيقة، دعوة للمصالحة والتآخي بين جميعِ المؤمنين بالأديان، بل بين المؤمنين وغير المؤمنين، وكل الأشخاص ذوي الإرادة الصالحة، ولتكن الوثيقة، نداء لكل ضمير حي ينبذ العنف البغيض والتطرف الأعمى، ولكل محب لمبادئ التسامحِ والإخاء، التي تدعو لها الأديان، وتشجع عليها، ولتكن شهادة لعظمة الإيمان بالله، الذي يوحد القلوب المتفرقة، ويسمو بالإنسان، ورمزاً للعناق بين الشّرق والغرب، والشمال والجنوب، وبين كل من يؤمن بأن الله خلقنا لنتعارف ونتعاون ونتعايش كإخوة متحابين.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات