موسم الرطب في الإمارات.. رواج اقتصادي وغنى تراثي

أرض الإمارات غنية بتراثها الثقافي غير المادي ولكل مفردة فيه حكاية رائعة تتناقلها الأجيال وتتوارثها ولا يستثنى من ذلك موسم القيظ وحصاد الرطب، وما يزخر به من حكايات جميلة ومؤثرة لكون الإنسان الإماراتي تربطه علاقة وطيدة بالنخلة، فهي جزء من منظومة حياته ويعيش معها من بدايات طفولته ويشعر بالارتباط الوثيق معها وتكبر العلاقة الأبدية معها.

وموسم الرطب جزء أصيل من التراث الثقافي غير المادي للإمارات والذي تتناقله الأجيال وتتوارثه جيلاً بعد جيل بهدف التعرف على المضامين الاجتماعية والتفاعل الرمزي المنغرس في هذه الظاهرة، ومحاولة تتبع تحولات القيم الاجتماعية تجاهها عبر الأجيال والتعرف على التغيرات التي تطرأ على أساليب الناس في التعامل مع هذا الموسم ورؤيتهم الإيجابية للحياة على الرغم من قسوة الظروف، وهي منظومة قيم كامنة في مكونات المجتمع راسخة في وجدانه تسهم في بلورة العلاقات الاجتماعية كل موسم.

وارتبط موسم الرطب قديماً بالمقيظ وهو عبارة عن رحلة البحث عن البرودة والطقس المعتدل، حيث توجد ظلال النخيل الوارفة وجداول الماء العذبة، وما لذ وطاب من الرطب ما جعله موسماً حيوياً يزخر بالحراك الاجتماعي والمد الثقافي.

وقد تغير هذا المفهوم في العصر الحديث بعدما وجد الأهالي حلاً لحرارة الطقس، ووفرت المراكز التجارية قاعات للتزلج على الثلج في أشد أيام الصيف حرارة وطور المزارعون أساليب الزراعة واستقطبوا أنواعاً من النخيل ينضج رطبها مبكراً، وبعضها يتأخر في النضوج ما أعطاه صبغة تجارية واقتصادية بين مناد بالرطب أو مشتر يعلم أنه تاج الموائد ورمز الكرم والضيافة التي لا تكتمل إلا بتقديمه مع القهوة في هذا الوقت من العام.

وينتعش هذه الأيام سوق الرطب في الإمارات ويحفل بأنواع عديدة تتنوع حسب أماكن زراعة أشجار النخيل وطريقة معاملتها وتعبئة إنتاجها بعد الجني.

ويرى رواد السوق لوحات فنية لا تخطئها العين شكلها الإنتاج المحلي الفاخر للرطب حاملة الزائر إلى زمان غابر شكلت فيه هذه الشجرة وثمارها منذ آلاف السنين ثروة حقيقية للإمارات.

صادرات

وقال الخبير والناشط البيئي والزراعي راشد المرر: «التمور الإماراتية رسخت علامتها التجارية في السوق العالمي وراج سوق منتجها من الرطب والتمر، حيث بلغت حصة الإمارات من صادرات التمور العالمية العام قبل الماضي 5 بالمئة، موضحاً أن حجم الإنتاج يزيد على 500 ألف طن سنوياً من الثمار الطازجة وهذا الإنتاج يجعلها من أهم 10 دول منتجة للتمور على مستوى العالم وتقع ضمن أهم الدول المصدرة للتمور إذ تستحوذ على نحو 30 بالمئة من حجم التجارة الخارجية العالمية منها سواء استيراداً أو تصديراً».

وأضاف المرر: «على الرغم من التحولات الاجتماعية التي طرأت والإجراءات الاحترازية بسبب جائحة كورونا فإن موسم الرطب في الإمارات بخير ولله الحمد، وهو موسم عطاء وتراث يأبى النسيان وظاهرة اجتماعية واقتصادية سنوية يترقبها الجميع في الصيف بشغف لما للنخلة من مكانة متميزة كونها من أقدم الأشجار التي عرفها ابن الإمارات وهي إرث ومصدر فخر واعتزاز منذ القدم».

وأضاف أن الإمارات بلد الـ42 مليون نخلة ولهذه الشجرة ارتباط وثيق بذاكرتها وتراثها الحي وكانت البيوت قديماً عامرة بالنخل كما هي الشوارع، ولا تخلو سفرة الإماراتيين من الرطب صيفا أو التمر شتاء«. وشدد المرر على أنه إذا كان لشجرة النخيل قيمة غذائية فإن قيمتها الروحية أعظم وللنخلة والرطب مكانة رفيعة وقيمة مجتمعية لدى الإمارات والإماراتيين فما من شجرة استحقت مكانة أعلى من النخلة التي مجدتها الأديان كافة وجاء ذكرها في القرآن الكريم والتوراة والإنجيل ولقبت بسيدة الشجر وعمتنا النخلة.

وأضاف الخبير راشد المرر:»الحمد الله هذا الموسم يبشر بوفرة المعروض من أصناف متعددة من الرطب المحلي وطلبات العملاء متواصلة والعمل يسير بشكله الطبيعي تحت الضوابط الاحترازية«، موضحاً أن النخلة تنتج بشكل متوسط 60 كيلوغراماً.. وسعر الكيلو حسب الصنف يتراوح ما بين 20 و100 درهم حسب الصنف والجودة.

كما أوضح:»لم تعد هناك مشكلة فنحن نسوق بالطرق التقليدية ولدينا منصات تسويق رقمية نستقبل الطلبات «أونلاين» ونقوم بتوصيل الرطب إلى أي مكان في الإمارات«، مؤكداً أن هناك إقبالاً واسعاً من الإماراتيين والمقيمين على طلب الرطب «أونلاين».. ويستقبلون يومياً مزيداً من الطلبات، مؤكداً أن الإماراتيين يحبون تناول الرطب مع شرب القهوة في عادة عربية أصيلة تم توارثها عن الأجداد.

التوقعات

من جانبه، أكد المواطن محمد سهيل المزروعي رئيس مجلس إدارة مصنع تمور ليوا أن موسم الرطب خلافاً للتوقعات السائدة يشهد هذا العام رواجاً ولم نلحظ ركوداً في السوق لأن نهج الشيخ زايد، رحمه الله، مؤسس الدولة جعل من أبوظبي عاصمة للنخيل.. وذكراه تضمن رواج موسم الرطب في كل عام وفاء للقائد المؤسس وللنخلة التي ظلت متجذرة في قلب كل مواطن.

وقال المزروعي:»النخلة تلقى اهتماماً كبيراً في الإمارات على المستويين الرسمي والشعبي وهو نوع من الوفاء الذي تميز به أبناء الإمارات لمؤسس دولتهم ولهذه الشجرة المباركة رفيقة الإنسان على هذه الأرض في أيام الشدة فكان حري به أن يرد لها الكرم في أيام الرخاء«.

ونوه المزروعي إلى أن أكبر دليل على وفاء الإمارات والإماراتيين للقائد المؤسس.. توجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة برفع قيمة الجوائز وزيادة فئات مسابقات الرطب والفواكه ضمن»مهرجان ليوا للرطب" بدورته الأخيرة لتصل إلى أكثر من ثمانية ملايين و200 ألف درهم.

وأكد أن موسم الرطب في الإمارات هو موسم فرح يزخر بالمهرجانات والجوائز المليونية خاصة أن الدولة من خلال مؤسساتها الرسمية تولي النخلة الرعاية والاهتمام الذي تستحقه، وتقيم وترعى عدة مهرجانات كل عام احتفاء بها وبإنتاجها ومنها مهرجان ليوا ذائع الصيت الذي يعد بمثابة بورصة عالمية للرطب ومهرجان الذيد ومهرجان عجمان للرطب.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات