نيويورك تايمز: الإمارات إلى الفضاء.. حلم دونه تحديات لا تمنع الأمل

"لا يسعني أن أصف الأمر، لكني أدرك أن الصورة المطبوعة على الصفحة أضخم من أي شيء رأيته في حياتي وتقزّم الكوكب الذي أعيش عليه"، بهذه الكلمات وصفت معالي سارة الأميري، وزيرة دولة للتكنولوجيا المتقدمة قائد الفريق العلمي لمشروع الإمارات لاستكشاف المريخ (مسبار الأمل)، في حديثها لصحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية.

ترعرعت معالي الأميري في إمارة أبو ظبي وحين دخلت الجامعة لم تكن هناك سوى فرص  ضئيلة في منطقة الشرق الأوسط لمتابعة الدراسة والتخصص في مجال علم الكون، فاختارت علوم الكومبيوتر بديلاً. إلا أن الإمارات العربية المتحدة ترمي اليوم لإلهام الشباب وحثهم على خوض ميادين العلم والتكنولوجيا، وقد صقلت الأميري مسيرة عملية ترنو إلى النجوم، فتبوأت وهي في سن الـ 33 منصب مديرة العمليات العلمية ونائبة مدير مشروع بعثة المريخ، "مسبار الأمل" الذي تعتزم الإمارات إطلاقه للفضاء.

في السابع عشر من يوليو تنطلق رحلة الإمارات إلى الكوكب الأحمر في خطوة هي الأكثر جرأة لدولة تتطلع إلى بناء مستقبل يعدو اقتصاد النفط، وترى في برامج الفضاء واحداً من سبل تحقيق الهدف.

الاستعدادات لانطلاق "مسبار الأمل" سارت بسلاسة وهيأت الإمارات لأولى رحلاتها إلى المريخ في مهمة لاستكشاف غلافه الجوي حيث الصفائح الشمسية العملاقة للمسبار ستمتد في الفضاء بعد الإطلاق. وقد استعانت الدولة بمنصة ميتسوبيتشي للصناعات الثقيلة للإقلاع من قاعدة تانيغاشيما الفضائية.

يصل المسبار الذي يبلغ حجم سيارة "ميني كوبر" إلى مداره حول المريخ في فبراير من العام المقبل. وتحمل المركبة الفضائية التي بلغت تكلفتها ما يقارب 200 مليون دولار أدوات ثلاث عبارة عن مطياف بالأشعة ما دون الحمراء وآخر بالأشعة ما فوق البنفسجية وكاميرا. وستمنح من على مدارها الذي يتراوح بين 12،400 ميل إلى 27 ألف ميل فوق سطح المريخ علماء الكواكب أول نظرة كونية للمناخ المريخي في كافة أوقات النهار. كما ستكشف على امتداد مهمة تستمر لعامين كيف سرّعت العواصف الغبارية وبقية الظواهر المناخية بالقرب من سطح الكوكب أو أبطأت عملية خسار الكوكب للهواء في الفضاء.

غير أن ذلك ليس السبب الرئيسي لقيام حكومة الإمارات لمسبار الأمل. وقد علق عمران شرف، مدير مشروع الإمارات لاستكشاف المريخ في مؤتمر صحفي عقد مؤخراً بالقول:" قد يتساءل البعض لماذا اخترنا الفضاء، لكن الأمر لا يتعلق بالوصول إلى المريخ وحسب." الهدف الأول يؤكد شرف، هو إلهام طلبة المدارس وتحريك الصناعات العلمية والتكنولوجية التي ستمكن الإمارات بدورها من التعامل مع قضايا أساسية كالغذاء والماء والطاقة واقتصاد ما بعد النفط. "يتعلق الأمر ببدء تحريك العجلة وخلق ذاك التغيير المزعزع وتبديل منظومة التفكير".

واعتمدت الإمارات، فيما يتعلق بمهمة المريخ مقاربة شبيهة ببناء الأقمار الصناعية سابقاً بالعمل مع مختبر فيزياء الفضاء والغلاف الجوي بجامعة كولورادو بولدر حيث تم بناء المسبار قبل إرساله إلى دبي للتحقق. وقد عمل المهندسون الإماراتيون مع نظرائهم في بولدر وتعلموا الكثير خلال عملية تصميم وتجميع المركبة الفضائية. وحققوا وفق ما قال شرف "إحدى متطلبات الحكومة التي وضعت منذ البداية ونصت على ضرورة بناء المركبة، لا شرائها".

في عام 2009، انضمت سارة الأميري إلى ما بات يعرف بمركز محمد بن راشد للفضاء وعملت كمهندسة لبرامج الأقمار الصناعية، والتحقت عام 2014 بمهامها الحالية في مشروع استكشاف المريخ بعد الإعلان عن المشروع، كما تتبوأ منصب وزيرة الدولة للعلوم المتقدمة وعضوية مجلس العلماء الاستشاري.

وخاضت الإمارات سباقاً مع الزمن، هيأت لمشروع "مسبار الأمل" وبقرار من المسؤولين الإماراتيين في اعتماد مسار أسرع اقتضى تحويل بعض المهندسين في مركز محمد بن راشد للفضاء إلى علماء من خلال توفير تدريبات المستجدين على يد باحثين من الولايات المتحدة الأميركية. وقالت الأميري في هذا الصدد: " لقد تواجدت هناك لأطور مهارات علمية داخل المؤسسة وأتمكن من نقل المعارف بطرق غير تقليدية".

وأضيفت إلى سلسلة التحديات أزمة فيروس كورونا، حيث أدرك كل من شرف والأميري في نهاية فبراير الفائت، قبيل تأجيل كل من روسيا ووكالة الفضاء الأوروبية إطلاق مهمة "روزاليند فرانكلين " لأسباب تعود بجانب منها للمعوقات اللوجيستية التي خلقتها الجائحة، بأن تفشي الفيروس قد يزعزع الجداول الزمنية الموضوعة بدقة في حال إقفال المطارات. "وبناءً عليه بدأنا العمل على خطة لنقل فريق العمل إلى اليابان بأسرع وقت ممكن." تقول الأميري. وحدثت بعض التغييرات فيما خص الاختبارات المزمعة في دبي بغية الإسراع في نقل المركبة لليابان قبل ثلاثة أسابيع من الموعد المقرر. إجراءات الحظر عنت تعذر التنقل بين البلدين فانتق لفريق مصغر إلى اليابان مطلع أبريل ولحق به آخر بعد أسبوعين من الإمارات مع المسبار، وخضع الجميع لفترة حجر.

المهمة باتت على أهبة الاستعداد، يوكد كل من شرف والأميري مضيفين أن برنامج الفضاء في الدولة سيمضي قدماً بمعزل عن النتائج. ويشير شرف إلى أن "الإماراتيين يدركون جيداً المخاطر التي تنطوي عليها المهمة، تماماً كما يفعل فريق العمل، ولنكن صادقين بأن 50 بالمئة من المهمات للمريخ باءت بالفشل."

وإذ يفيد بأن المهمة تعني لشعب الإمارات أكثر من مجرد رحلة للفضاء، يقول: " إنها أكثر التصاقاً بالتأثير، فبلوغ المريخ مجرد هدف من جملة أهداف، لكن عدم الوصول لا يعني الفشل ".

طباعة Email