الهيكلية الجديدة لحكومة الإمارات ورهانات العبور إلى المستقبل

حين يكون المستقبل رهان الحكمة والتدبر والبصيرة، وحين تكون الحكمة معيار السياسة في رهاناتها المختلفة، تصبح الحكومات مختبراً لفلسفة المستقبل، ويصبح المستقبل قبل الحاضر، ومفردة من مفرداته التي ترتهن إلى الاستشراف والرؤية الواضحة والتخطيط الاستراتيجي، ويصبح الحاضر أول درجة في سلم الحضارة للعبور إلى المستقبل الأفضل، بهذا المعنى يصبح التغيير في كل مستوياته حاجة وضرورة تستجيب للواقع وتحولاته، كما تستجيب لحركة العصر بكل معطياته العلمية والعملية في صناعة مستقبل الإنسان.

على هذه الخلفية الفلسفية بفهم المستقبل يمكن أن نقرأ الهيكلية الجديدة لحكومة دولة الإمارات العربية المتحدة، الدولة الأكثر استعداداً للمستقبل والأكثر تنافسية في المنطقة، والأسرع نمواً في عدد المشاريع، والأكثر تقدماً في الإدارة الحكومية، والأفضل في تبني تكنولوجيا المستقبل، تملك الشجاعة لتواجه الحقائق وتراجع الحسابات وتعدل الاستراتيجيات بشكل مستمر للانطلاق بأقصى سرعة نحو المستقبل، كما بين صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، الذي كان دائماً ينطلق من إيمانه بالمستقبل، ومن إيمانه بأن المستحيل هو التحدي الذي تختبر فيه الحكومات طاقتها على تجاوزه فلا مستحيل في بلد يصنع المستقبل بكل ما أوتي من رؤية وبصيرة وكشف وتدبر، لذلك كان الهدف من التغييرات في الحكومة الجديدة كما بين صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، هو حكومة أسرع في اتخاذ القرار، وأكثر مواكبة للمتغيرات، وأفضل في اقتناص الفرص وفي التعامل مع المرحلة الجديدة في تاريخنا، حكومة مرنة وسريعة هدفها تعزيز منجزات ومكتسبات الوطن وذلك للعبور بقوة للمستقبل، لأنها الحكومة التي ترتهن إلى التحدي الأكبر، تحدي الزمن وتحدي التغيير، لإحداث فرق في مسيرتها الإنمائية على كل المستويات والاستجابة لكل الرهانات التي تراهن عليها في ملفاتها المختلفة، اقتصادياً واجتماعياً ومعرفياً وثقافياً باختبارها في مختبر الحاضر والمستقبل.

وكما عودتنا قيادتنا الرشيدة في كل خطوة تخطوها تجاه المستقبل، أن في كل تغيير أو هيكلية جديدة ثمة رهانات تتطلبها المرحلة، وتتطلبها التحديات، كما تتطلبها المصلحة الوطنية ومستقبل الإنسان.

وباستقراء الهيكلية الحكومية الجديدة وخياراتها المختلفة يمكن أن نتوقف عند رهاناتها المحورية التي تحدد الفعل المستقبلي الاستشرافي لتوجه الحكومة، في مرحلة ما بعد «كوفيد 19»، آخذة برؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رعاه الله، وتوجيهاته بالعمل على صياغة «استراتيجية دولة الإمارات لما بعد كوفيد 19»، لأن العالم سيكون مختلفاً، وبالتالي لابد أن تكون الحكومة مختلفة، والخيارات والرهانات استثنائية باستجابتها لاستراتيجية دولة الإمارات العربية المتحدة في صناعة المستقبل ومواجهة تحدياته المختلفة وعلى كل المستويات، وكل ذلك كما بين صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يتطلب منظومة عمل مختلفة وآليات تنفيذ جديدة تعتمد الجرأة والحسم والسرعة في اتخاذ القرارات. وبالتالي إن معيارية البناء هي التي تعزز الثقة بالقدرة على مواجهة التحديات وكما قال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم: «تجربتنا في بناء دولة الإمارات تعزز ثقتنا بقدرتنا على عبور هذه الأزمة، وسنثبت للعالم كما أثبتنا مراراً بأن المستحيل كلمة لا مكان لها في قاموس دولتنا»، ويمكن أن نحدد رهانات الحكومة في هيكليتها الجديدة بالتالي:


الرهان الاقتصادي


حين نقرأ الرهان الاقتصادي في رؤى الحكومات والدول تنجلي أمامنا حقيقة أنه الرهان الأكثر قوة وفاعلية في رسم خطى الحاضر والمستقبل، كونه ثابتاً من ثوابت الدول والحكومات لترسيخ حضورها وفاعليتها في المجتمع الدولي، وتأكيد دورها الفاعل في المشهد السياسي العالمي.

ولعل أزمة «كوفيد 19» أثبت هذه الرؤية كيقين لا يداخله الشك، حين أدى انهيار الاقتصاد العالمي إلى انهيار كافة القطاعات وخاصة القطاع الصحي والاجتماعي، ذلك لأن القطاع الاقتصادي هو القطاع المحوري والجوهري في النهوض المجتمعي وفي التنمية بكافة مستوياتها، وبالتالي هو المختبر الحقيقي لفاعلية الدول ونجاعة سياساتها الاقتصادية.

ومن هنا كان الرهان الاقتصادي في مقدمة الأجندة الحكومية الجديدة لدولة الإمارات العربية المتحدة كأولوية استراتيجية مطلقة، وهذا ما انجلى واضحاً في تعيين 3 وزراء ضمن وزارة الاقتصاد، إضافة إلى استحداث منصب وزير دولة للاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي وتطبيقات العمل عن بعد، وإنشاء وزارة للصناعة والتكنولوجيا المتقدمة تعمل على تطوير القطاع الصناعي بالدولة ما يجعل القطاع الاقتصادي الرهان الأقوى، في مواجهة تحديات المستقبل، سواء على المستوى الداخلي بقطاعاته المختلفة ومشاريعه التجارية والصناعية والتكنولوجية، أو على مستوى التجارة الخارجية، عبر التبادل التجاري بين دولة الإمارات العربية المتحدة ودول العالم، وذلك سعياً من القيادة الرشيدة بأن تكون دولة الإمارات العربية المتحدة أنموذجاً معيارياً عالمياً في تجاوز الأزمة الاقتصادية وأزمة «كوفيد 19» ومواجهة كافة التحديات، عبر الارتهان إلى آليات هذا الاقتصاد، ومرتكزاته التي وسعت خياراته وبالتالي وسّعت مساراته التي أسهمت في تجاوز الأزمة العالمية، وهذه الخيارات هي التي تعمل الحكومة الجديدة عليها والدفع بها قدماً للعبور الى المستقبل بخيارات اقتصادية أوسع، تضمن تنمية مستدامة ليس في القطاعات الاقتصادية فحسب وإنما في كافة القطاعات، علاوة على تحصين الاقتصاد أمام كل التحديات المستقبلية، وذلك باستجابة التشكيل الحكومي الجديد لرؤية القيادة الحكيمة في التخطيط الإستراتيجي التي ترتكز على الإبداع والابتكار ومعيارية القيم والثوابت الوطنية والإنسانية.


الرهان المعرفي


ويتمثل في النهج المعرفي الذي انتهجته دولة الإمارات العربية المتحدة في جعل المعرفة هي الأساس في كل القطاعات التنموية، ما يجعل الرؤية التنموية أكثر ثباتاً وأكثر ديمومة واستمرارية، وصولاً لأفضل نموذج حكومي يواكب العصر الجديد ويحقق تطلعات شعب الإمارات خلال المرحلة القادمة، وهذا ما تؤسس عليه الحكومة الجديدة جميع رهاناتها وخياراتها، لأن النهج المعرفي هو ثابت من ثوابت الدولة، وثابت من ثوابت الرؤية الإستراتيجية، والتنمية المستدامة، لذلك كان الرهان المعرفي أساساً للتخطيط والرؤية المستقبلية، على المستويات كافة، حيث ترتهن إليه كافة الوزارات، والمؤسسات العامة والخاصة، لأنه بمثابة المعيار الذي تقاس به المؤشرات، وتوضع على أساسه الأهداف والمنطلقات والخطط والمشاريع المستقبلية.


الرهان الرقمي


ويأتي الرهان الرقمي متكاملاً مع الرهانات السابقة وخاصة الرهان المعرفي،  والهدف منه كما بين صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم،رعاه الله، هو نافذة رقمية واحدة للحكومة، وتحول رقمي شامل وكامل. لأن الحكومة الرقمية هي خيار استراتيجي لا غنى عنه، وأمن اقتصادي لاستمرارية الأعمال في أية ظروف، وتأكيداً على هذا الرهان ستعمل الحكومة على تسخير تقنيات الذكاء الاصطناعي في العمل، بشكل أوسع  من خلال إلغاء 50 % من مراكز الخدمة فيها، وتحويلها إلى رقمية، إضافة إلى تطبيق أنظمة العمل «عن بُعد»، ما يسهم بشكل كبير وفعال  في تغيير شكل العمل المستقبلي في الحكومة، وبالتالي الدفع برهاناتها المستقبلية إلى تحقيق الأهداف والغايات المطلوبة منها، استجابة لتطلعات القيادة الرشيدة، في أن تكون دولة الإمارات العربية المتحدة في مقدمة الدول التي لا توفر جهداً ولا طاقة من أجل الوصول إلى أهدافها في التنمية المستدامة، وفي تأمين مستقبل أفضل للإنسان.


الرهان الأمني


يتمثل هذا الرهان بمحورين: الأول:  محور الأمن السيبراني في حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة انطلاقاً من أن «أمن الحكومة الرقمية هو جزء أساسي من أمننا الوطني الشامل، وحماية حدودنا الوطنية الرقمية جزء لا يتجزأ من حماية كامل ترابنا الوطني» كما بين صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رعاه الله، وبالتالي إن هذا الرهان يأتي استجابة للرهان الرقمي، ما يعزز العلاقات التشاركية بين دولة الإمارات العربية المتحدة ودول العالم، عبر الخيار الرقمي.

ولأن هذا الخيار هو خيار المستقبل، لابد من تأمين رهاناته، لأنه في ظل التحولات السريعة والانفتاح الكبير في الخيار الرقمي، تتهدده  الكثير من المخاطر، وبالتالي يصبح الرهان الأمني حاجة في الحاضر وضرورة في المستقبل، ما يهيئ بيئة سيبرانية آمنة ومستعدة لكافة التحديات في هذا الفضاء المتحول بشكل واسع وكبير، وبالتالي إن وضع هذا الرهان بين رهانات الحكومة الجديدة، يؤكد رؤية الحكومة ورؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، التي تستبق الزمن، وتستبق التحديات، في ظل عالم يزداد انفتاحاً وتعقيداً كل يوم.

المحور الثاني هو محور الأمن الغذائي، الذي كما بين صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ،رعاه الله، سيبقى الأمن الغذائي أولوية عبر وزيرين، وزير دولة للأمن الغذائي والمائي لمتابعة مخزوننا الغذائي الوطني والاستثمار في تكنولوجيا الغذاء والعلاقات الدولية في هذا المجال، ووزير البيئة في دعم المزارعين ورعاية وتطوير ثرواتنا السمكية والحيوانية. وبالتالي إن الرهان الأمني يرتهن إلى حماية أمن الوطن ومكتسباته، وحماية الأمن الغذائي للمواطن في الحاضر والمستقبل، وفي كل الظروف وفي مواجهة كل التحديات.


الرهان الإعلامي


الرهان الإعلامي هو الرهان على الرسالة الإعلامية التي لا تكتمل إلا بصدق خطابه ونزاهة غاياته وترفّعه عن الأهواء وانحيازه لصالح الناس، كما بين  صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم،رعاه الله، وبالتالي يصبح الرهان الإعلامي من الرهانات التي تتمفصل مع الرهانات الاستراتيجية للحكومة الجديدة، وعلى هذا كان إنشاء المكتب الإعلامي لحكومة دولة الإمارات العربية المتحدة، وضم مكتب الدبلوماسية العامة ومكتب الاتصال الحكومي ومكتب الهوية الإعلامية له، حيث يشرف على التواصل الإعلامي الداخلي والخارجي لحكومة دولة الإمارات العربية المتحدة، ما يؤكد أهمية الإعلام في تأكيد فاعليتنا على منصة المستقبل الإنساني، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً ومعرفياً استجابة للرؤية للإستراتيجية التي ينهض على أساسها إعلامنا الوطني، ومستقبله في أن يكون منصة للحوار الثقافي والمعرفي والحضاري، في المجتمع الإنساني.

ويتكامل الرهان الثقافي مع الرهان الإعلامي، عبر دمج المجلس الوطني للإعلام والمؤسسة الاتحادية للشباب مع وزارة الثقافة لتكون وزارة الثقافة والشباب، وذلك بالتأكيد على رهان آخر وهو الرهان على الشباب، بأن يكون هناك وزير دولة للشباب، ووزير للثقافة والشباب، ما يجعل رهانات الحكومة تنطلق من رؤية تتكامل فيها الخيارات، وتتكامل المنطلقات والأهداف، لأنها تتأسس  على رؤية واضحة للمستقبل.

وبالتالي إن الحكومة الجديدة برهاناتها المختلفة هي حكومة التحدي تحدي الوقت وتحدي المستحيل وتحدي المستقبل، وهي على قدر رهاناتها لتكمل ما بدأته الحكومة السابقة، لأنها تضع الحاضر في عين المستقبل، والمستقبل في عين الحاضر، وهي تصنع حلم الوطن وحلم الإنسان، وحلم المستقبل، عبر رؤية عصرية ومرونة في صنع عالم ما بعد «كوفيد-19» مرتهنة إلى الفعل والفاعلية في معالجة كافة الملفات الموكلة إليها، لتكون الحكومة الأكثر مقدرة وطاقة للعبور إلى المستقبل، ليس بأدوات الحاضر فحسب وإنما بأدوات المستقبل ذاته. وصولاً لأفضل نموذج حكومي يواكب العصر ويحقق التطلعات في عالم جديد ومختلف.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات