«نور دبي» تضيء عتمة داكار

بين النور والعتمة، وبين ألوان الحياة وظلمة الانكفاء على الذات، عشرون عاماً والحاج حبيب سيسي، من السنغال، يحاول أن يحصل في العاصمة السنغالية داكار على موعد لعملية جراحية تعالج عينيه من المياه البيضاء التي أصابتهما، فاختلطت أمام ناظريه الأشياء، وفقد القدرة على تمييزها ومعها عمله ومصدر رزقه في الخياطة.

أصبح يشعر بالأشياء تختفي بالتدريج، وصار كأنه يسمع قبل أن يرى، يرهف السمع، يركّز أكثر من ذي قبل، يتعكز على حواسه الأخرى لتساعد بصره وتعطيه إحداثيات المكان وأبعاد الرؤية، ولا ينفك يفكر أنه لم يعد شاباً، وأن سقوطه أو تعثره وقد تجاوز السبعين من العمر سيؤدي إلى كسور أو إصابات لا تحمد عقباها.

خطورة

حاول إقناع الهيئات الصحية المحلية بخطورة وضعه، فيما حالته المادية لا تسمح له بتحمل تكاليف الأدوية فكيف بالعملية الجراحية. الطبيب الشاب الذي أتى للعمل طبيباً مقيماً في المركز الصحي المتواضع في بلدته الصغيرة ميخي؛ الواقعة شمال غرب البلاد على الطريق بين العاصمة داكار ومدينة سان لوي، أخبره بأن وضعه الصحي أصبح في مرحلة التهديد بالعمى وأدرج اسمه أخيراً على قائمة المرشحين للعملية في أقرب وقت.

لكن الفرج هذه المرة أتى إليه في بلدته الوادعة بدل أن يذهب هو إلى المدينة الكبيرة. مجموعة متخصصة من الأطباء والممرضين ومتخصصي الرعاية الصحية والذين يقدمون مجموعة متنوعة من الخدمات الطبية ضمن مخيمهم الطبي المتنقل والمجهز بالمعدات الحديثة حلّوا على البلدة مع مؤسسة إنسانية قادمة من بلد عربي.

بعد 48 ساعة من العملية حان وقت إزالة الضماد عن عينيه، كان متلهفاً لرؤية صاحبة الصوت المطَمئِن الرزين التي تدير الفريق وتتحدث الإنجليزية والعربية القريبة إلى ما سمعه منذ سنوات بعيدة في مكة المكرّمة.

امتنان

تطلع إلى الطبيب من أبناء وطنه بامتنان، ثم التفت يسرةً إلى حيث كان يسمع صوتها ينساب حانياً، رأى ابتسامة حنونة هي أعذب ما رآه منذ سنوات، وعينين واسعتين جلّاهما كحل أسود. نظر إلى السترة التي كانت ترتديها وتحمل شعار المؤسسة الإنسانية التي تعمل معها ضمن المخيم العلاجي الخيري المتنقل. رأى حروفاً عربية فهم منها الكلمة الأولى «نور»، وحين أشكلت عليه الكلمة الثانية قرأها مكتوبة بأحرف لاتينية تحتها فاكتملت الصورة «نور دبي».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات