في الكلمة الافتتاحية لأعمال الدورة الـ 12 من «المنتدى الاستراتيجـــي» تحت رعايـة محمــد بـن راشد

محمد القرقاوي: الوطن العربي يـواجه 3 تحوّلات كبرى تُغيّر العالم

حدد معالي محمد عبد الله القرقاوي، رئيس المنتدى الاستراتيجي العربي، ثلاثة تحوّلات رئيسية في العالم والمنطقة يجب التوقف عندها واستكشاف تأثيراتها علينا وكيفية الاستفادة منها، وهي: تشكُّل خارطة اقتصادية جديدة للعالم، وتصاعد تأثيرات التكنولوجيا، ومستقبل الوطن العربي، موضحاً أن تكلفة الفساد في العالم العربي خلال عقد واحد فقط بلغ أكثر من تريليون دولار، لكنّه أشار إلى أن دولة الإمارات لديها أمل متجدد في أن تلحق المنطقة العربية بالعالم لتكون مساهماً في نموه مستفيداً من فرصه وصانعاً لحضارته.

وقال في الكلمة الافتتاحية للمنتدى الاستراتيجي العربي الذي انطلقت أعمال دورته الثانية عشرة أمس في دبي، تحت رعاية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي «رعاه الله»، إنه رغم الظروف المحيطة بالعالم العربي حالياً، فإننا لسنا متشائمين أبداً، فالوطن العربي قادر على صناعة مستقبل مشرق، وخصوصاً أن منطقتنا ما زالت لها أهمية استراتيجية متزايدة، وتمتلك إمكانات ضخمة، ولديها مستقبل كبير بشرط الاستفادة من الفرص القادمة.

وفي مستهل كلمته التي حملت عنوان «عقد التحولات الكبرى»، رحب القرقاوي بضيوف المنتدى الاستراتيجي العربي من المتحدثين والإعلاميين والمشاركين الذين سيعملون سوياً على استشراف العقد المقبل بأكمله سياسياً واقتصادياً، وعلى المستوى العربي والعالمي، مع نخبة من صناع القرار والمتخصصين.

وأشار إلى أن دورة هذا العام من المنتدى الاستراتيجي العربي وعنوانها «استشراف العقد القادم2030» ستتناول أهم التحولات في العشرية القادمة، وستتطرق إلى القوى الصاعدة والمتراجعة في خارطة الاقتصاد الجديدة عالمياً، وستتحدث عن خارطة الجغرافيا الملتهبة، وكذلك عن خارطة المستقبل المليئة بالمتغيرات، وذلك بهدف تشكيل فهم مبدئي حول اتجاهات الصراعات والتدافعات العالمية، السياسية والاقتصادية، وموقعنا منها بالنسبة إلى منطقتنا ودورها، وأبرز ما يمكن عمله للاستفادة من هذه المتغيرات، وتجنب تحدياتها القادمة.

عالم متناقض

وقال القرقاوي إننا نعيش في عالم أدت فيه قوة التواصل عبر الإنترنت لتمكين الإنسان من مستقبله، وانتشاله من فقره، وتقوية معارفه، وزيادة فرصه، وازدهار طاقاته، وفي نفس الوقت أدت قوة التواصل أيضاً لزيادة الفوضى، وكثرة الاضطرابات، وانتشار الاحتجاجات.. وتعطيل عجلة الحياة في المجتمعات.. نعم نحن نعيش في عالم التناقضات.

وتابع: إننا نعيش اليوم في عالم تطوراته سريعة، ومتغيراته متلاحقة، فنحن في عالم يعيش ثورة دائمة في إنتاج المعلومة، وفوضى متلاحقة في اتخاذ القرار، وتراجع سريع في النظام البيئي، وتحالفات اقتصادية جديدة، وصراعات تجارية لا تنتهي، وعالم فيه الكثير من المتناقضات.

وقال معاليه: «كثرت الثروات، وزاد النمو، وتدفقت المعلومات حتى إن ما ينتجه الإنسان من بيانات ومعارف في ثانية واحدة يعادل ما تضمه مكتبة الكونغرس من 16 مليون كتاب، وما أنتجته البشرية في آخر عامين يعادل 9 أضعاف ما تم إنتاجه منذ فجر التاريخ، وأدت هذه الثورة إلى انتشال مليار إنسان من الفقر، ولكن زادت أيضاً الفجوة بين من يملك ومن لا يملك، ومن يعرف ومن لا يعرف، حتى إن 1% من البشر أصبحوا يمتلكون أكثر من 50% من ثروات العالم، وبقي حوالي 3 مليارات إنسان خارج عصر الإنترنت والمعلومة وكأنهم يعيشون على كوكب آخر».

الطائفية والشعبوية

وأضاف القرقاوي، قائلاً: إننا نعيش عالماً انهارت فيه حدود المعلومات، وتدفق فيه سيل المعارف من دون أية حواجز، واشتركت الإنسانية في منصة تشاركية واحدة تتبادل العلم والمعرفة والثقافة والفنون الجميلة، واستطعنا عبر هذه المنصة تغيير واقع البشرية إلى الأبد، وبطريقة لم تحدث منذ فجر التاريخ، ولكننا أيضاً نعيش عصراً ارتفع فيه صوت الطائفية، وانتشرت فيه موجات الشعبوية، وانكفأت فيه بعض الدول على نفسها، ورفعت بينها وبين غيرها جدران جديدة ضد العولمة، وبلغت خسائر هذه الموجة الشعبوية وتأثيراتها الاقتصادية أكثر من 700 مليار دولار في عام واحد فقط، لذا فنحن نعيش في عالم المتناقضات.

وأردف: «نحاول اليوم في هذا المنتدى استشراف حجم التغيرات القادمة، ورصد الاتجاهات الجديدة، ومحاولة استكشاف ماذا يخبئ لنا العقد القادم»، محدداً ثلاثة تحولات يجب التوقف عندها واستكشاف تأثيراتها علينا وكيف يمكن أن نستفيد منها.

التحول الأول

خارطة اقتصادية جديدة

وعن التحول الأول، قال القرقاوي: إننا على مشارف خارطة اقتصادية عالمية جديدة، طرق جديدة للتجارة، ومناطق اقتصادية مختلفة، وتكتلات تجارية ضخمة، وحروب تجارية من نوع جديد، مشيراً إلى أهمية مبادرة الحزام والطريق الذي تبنيه الصين بتكلفة تزيد على تريليون دولار، وسيضم أكثر من 130 دولة حول العالم وسيغير مسارات التجارة الجديدة، وسيولد نمواً إضافياً في حجم التجارة العالمية يقدر بـ 6% وسيضيف أكثر من 100 مليار دولار لتجارة الصين السنوية، وسيرفد حركة الملاحة التجارية العالمية بأكثر من 42 ميناء جديداً، ولدينا طرق تجارية جديدة جنوب القارة القطبية الشمالية بسبب ذوبان الجليد، ولدينا خطوط غاز ونفط وطاقة، وخط السيل الكبير الذي يربط روسيا بتركيا وشرق أوروبا، وطاقته 63 مليار متر مكعب سنوياً، وخط غاز اسمه «قوة سيبيريا» بطول 2000 كيلومتر يربط روسيا بالصين ويوفر للعملاق الصيني حاجاته من الطاقة.

وأضاف: «هناك واقع جديد في خطوط الملاحة، وخطوط الطاقة، وحتى في التكتلات الاقتصادية، لدينا مناطق حرة عالمية جديدة ستؤثر على الاقتصاد العالمي قريباً، فبعد سنوات من المفاوضات تم التوقيع في فبراير الماضي على أكبر منطقة حرة مفتوحة بين الاتحاد الأوروبي واليابان تضم ثلث الاقتصاد العالمي ومعفاة من الرسوم الجمركية، وفي 2019 أيضاً أعلنت الصين عن ترحيبها باتفاقية التجارة الحرة التي تجمع 10 من دول الآسيان تضم مجتمعة 650 مليون نسمة ليتم تقليص الحواجز الجمركية إلى الصفر تدريجياً في منطقة ستضم نصف الاقتصاد العالمي بعد انضمام الهند والصين لها، وغيرها من الاتفاقات التي تتم الآن بين دول أمريكا الجنوبية وأوروبا، وبين أوروبا وفيتنام وغيرها.

وأكد أن هناك واقعاً اقتصادياً جديداً بعد أن تراجع دور منظمة التجارة العالمية في الدفع بعولمة التجارة، ولا بد من التعامل مع الواقع الجديد، ولا بد من الاعتراف أيضاً بأننا نعيش حروباً تجارية من نوع جديد، حيث سيؤدي تفاقم الخلاف التجاري بين الصين والولايات المتحدة إلى خسائر للاقتصاد العالمي تقدر بأكثر من 1300 مليار دولار خلال عقد واحد، إنها حروب المستقبل الاقتصادية الجديدة، وواقع اقتصادي جديد سيعيشه العالم قريباً.

وفي هذا الصدد، وجه معاليه مجموعة من الأسئلة تخص المنطقة العربية، قائلاً: «لا بد أن نسأل أنفسنا في المنطقة العربية أين نحن من كل ذلك؟ وما واقع التجارة العربية البينية؟ وكيف يمكن أن نكون جزءاً من العالم الجديد؟ وكيف يمكن أن نؤثر في تشكيل الخريطة الاقتصادية القادمة للعالم؟».

التحول الثاني

التكنولوجيا

حول التحول الثاني، قال معاليه: «ما سيقود المستقبل هو التكنولوجيا، ومن يسيطر على المعلومة في المستقبل سيسيطر على القوة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في العالم لعقود طويلة قادمة، وقد بدأ الصراع والتنافس العالمي نحو امتلاك المعلومة، والسيطرة على التكنولوجيا، لقد نمت نسبة براءات الاختراع التكنولوجية في العقدين الماضيين في أمريكا بنسبة 41%، ولكن هل تعرفون نسبة النمو في الصين مثلاً في براءات الاختراع في التكنولوجيا، إنها 13,250%، فالصين اليوم تنتج 10 أضعاف البيانات التي تنتجها الولايات المتحدة سنوياً، وفي 2019 أعلنت وزارة التعليم في الصين عن طرح 400 تخصص جديد للطلاب الجامعيين في مجالات الذكاء الصناعي والبيانات الضخمة والروبوتات، كما أن معدل المهندسين في الصين هو 3 أضعاف معدلهم في أية دولة حول العالم».

وتابع: «إننا لا نتحدث اليوم عن التفوق الصيني، بل نتحدث أيضاً عن دول كفرنسا مثلاً والتي رصدت 1.5 مليار يورو لاستراتيجية الذكاء الاصطناعي، والاتحاد الأوروبي الذي أعلن إقامة تحالف للذكاء الاصطناعي، والهند التي أطلقت استراتيجية «AI for ALL» حيث تسعى لتمكين أكبر عدد من المهندسين الهنود للتمكن من مهارات القرن الجديد في إدارة البيانات والسيطرة عليها، ودول مثل ألمانيا وبريطانيا وكوريا الجنوبية وسنغافورة وكندا وغيرها ممن التحقت بهذا السباق.

وأوضح أنه لا يخفى على أحد أن أهم موضوع في الخلاف الاقتصادي اليوم بين أكبر اقتصادين عالميين هو التكنولوجيا، وتقنيات الجيل الخامس والتفوق في السيطرة على أنظمة الاتصالات والبيانات، مشيراً إلى أن العالم بدأ يتحدث عن ستار حديدي بين التكنولوجيا الصينية والتكنولوجيا الغربية، وعن تقسيم العالم إلى معسكرين تكنولوجيين، شرقي وغربي، وعن تخيير الدول في الانضمام لأحد المعسكرين، وما لذلك من آثار سلبية كبيرة.

وتساءل القرقاوي: «أين نحن في منطقتنا من كل ذلك؟ و هل استعدت الشعوب والدول العربية للقادم؟ وهل تعلم الدول أن سيادتها ومستقبلها ومعلوماتها ستكون مرهونة للمتفوق تكنولوجياً في هذا العالم إذا لم تأخذ زمام المبادرة وتتحرك بسرعة نحو المستقبل؟».

التحول الثالث

العالم العربي

وفي ما يخص التحول الثالث، قال معالي محمد القرقاوي: «مع كل ما يحدث حولنا في العالم ومع تسارع المتغيرات، لا بد أن نسأل أنفسنا بالعالم العربي في أي اتجاه تتجه دولنا؟ وهل نتقدم أم نتأخر؟ مشيراً إلى أنه قبل 40 أو50 عاماً كانت اقتصاديات الكثير من الدول العربية تنافس غيرها، وكانت عملاتها صعبة وعلومها متقدمة، وبنيتها التحتية متفوقة، وثقافتها وفنونها راقية»، متسائلاً: «أين نحن اليوم، علماً بأن ما كانت تنتجه الصين في عام كامل قبل أربعين عاماً، أصبحت تنتجه اليوم في 8 ساعات فقط، بعد أن استطاعت قيادة تغيير إيجابي وسريع نحو المستقبل»، ومشيراً إلى أن شركة «علي بابا» الصينية باعت في يوم واحد هو «يوم العزاب» بما قيمته 38 مليار دولار، أي ما يعادل الناتج المحلي الإجمالي السنوي لخمس دول عربية.

وأشار إلى أن حجم التجارة العربية البينية لا يتجاوز 10% نصفها نفطية، أي أن التجارة البينية من غير النفط تبلغ 5 % فقط، في حين تبلغ التجارة بين دول أوروبا حوالي 60% في المتوسط بالمقارنة مع التصدير للعالم الخارجي.

وقال القرقاوي: «لدينا في الوطن العربي طاقات بشرية ضخمة، ولدينا أكثر من 100 مليون شاب سيدخلون سوق العمل في العقد القادم، ولدينا نمو بشري يعادل ضعف المعدل العالمي، ولدينا أكبر مخزونات النفط، ولدينا أخصب الأراضي الزراعية، وأعرض أنهار العالم، ولدينا أيضاً تاريخ وآثار ومعالم يتطلع مئات الملايين حول العالم لزيارتها، ونمتلك الكثير من الطاقات والعقول والأفكار، ولكن كما قال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في أكثر من مناسبة لدينا ضعف إداري، لا نحسن إدارة الموارد لصناعة المستقبل».

ولفت إلى أن تكلفة الفساد في العالم العربي خلال عقد واحد فقط بلغ أكثر من تريليون دولار، مضيفاً: «لذلك نرى اليوم اضطرابات لا تتوقف، ونيراناً لا تخمد، وانفجارات مجتمعية تنتقل من دولة عربية إلى أخرى بسبب سوء تقديم خدمات أساسية للمواطنين، وبسبب سوء الإدارة».

وأضاف : «لسنا متشائمين أبداً، بل العكس، فمنطقتنا ما زالت لها أهمية استراتيجية متزايدة، وبها إمكانات ضخمة، ولديها مستقبل كبير لو أحسنا الاستفادة من الفرص القادمة، كما أن المنطقة ستبقى معبراً للتجارة العالمية، وسيتم استثمار 44 مليار دولار في بناء موانئ جديدة في المنطقة، 28 ملياراً منها قادمة من الصين، ولهذا ستبقى المنطقة العربية في قلب تجارة العالم».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات