«البيان» تنفرد بنشر توصيات وقرارات مؤتمر مجمع الفقه الإسلامي في ختام جلساته

دعوة لإدراج قيمة التسامح في المناهج التربوية والخطاب الديني

أصدر مجمع الفقه الإسلامي في ختام مؤتمره الدولي الرابع والعشرين الذي أقيم في دبي الأسبوع الماضي، مجموعة من القرارات والتوصيات الشرعية حول عدد من القضايا والنوازل الفقهية المهمة التي نوقشت على مدار أيام المؤتمر الثلاثة. وقد انفردت «البيان» بنشر جملة هذه التوصيات والقرارات.

وتشمل القرارات والتوصيات الموضوعات المطروحة في المؤتمر، والمتمثلة بالتسامح في الإسلام، العقود الذكية وارتباطها بموضوع العملة الرقمية، والتضخم وتغيير قيمة العملة، وعقود الفيديك، وتحقيق الأمن الغذائي والمائي لدى الدول الإسلامية، والجينوم البشري والهندسة الحيوية المستقبلية، وعمليات التحوط في المؤسسات المالية، ودور التربية الدينية في تحقيق السلام، والعملات الإلكترونية.

 

أشاد المجمع في قراره المتعلق بالتسامح في الإسلام بأهمية ما قامت به الإمارات من فعاليات متعددة لتحقيق التسامح والتعايش بين الناس لتعطي صورة جلية عن سماحة الإسلام في التعايش، مؤكداً ضرورة التسامح المجتمعي والدولي، وآثاره على القرارات والتوصيات الصادرة سابقاً عن مجلس المجمع، والداعية إلى التعايش السلمي والتسامح، كونه مبدأ أصيلاً وردت أدلته في القرآن الكريم والسنة النبوية، مؤكداً الحاجة الماسة للعمل بمبدأ التسامح في السلوك والأقوال في جميع المجالات. وأدرج القرار عدة توصيات في هذا البند، دعت لإدراج قيمة التسامح في المناهج التربوية، وتضمينها في الخطاب الديني، وإبرازها في وسائل الإعلام، ودعوة الأمم المتحدة لسنّ تشريعات وإبرام معاهدات ملزمة تجرّم العنصرية والإقصاء والقبلية والتمييز العنصري، وإدراجها في تشريعات الدول الأعضاء.

الجينوم البشري

وعن مسألة الجينوم البشري والهندسة الحيوية المستقبلية أكد القرار إباحة تقنية التحرير الجيني مثل (كريسبر كاس9) وغيرها، إذا صادقت عليها المرجعيات الطبية ذات العلاقة، وشرط استخدامها لأغراض طبية في الوقاية من الأمراض الوراثية وعلاجها، ويمنع مطلقاً استخدامها في الأمور التجميلية (التحسينية)، وأن تكون هناك إجراءات تنظيمية صارمة للتأكد من احترام الأشخاص المشمولين بالمعالجة.

وأوضح القرار أنه لا يجوز شرعاً الاعتماد على تقنية نقل الميتوكوندريا (مولد الطاقة من الخلية) من بويضة امرأة سليمة مع الحامض النووي إلى امرأة تعاني من عطب في الحامض النووي للميتوكوندريا مستعصية على العلاج، وذلك منعاً لاختلاط الأنساب.

الأمن الغذائي

وشددت التوصيات المتعلقة بالأمن الغذائي والمائي على ضرورة أن تضع حكومات الدول الإسلامية قضية الأمن المائي والغذائي في مقدمة اهتماماتها، ووضع سياسات وبرامج لترشيد الاستهلاك في مجال الماء والغذاء، وأكدت أنه «على المسلمين شرعاً الاقتصاد في استهلاك الماء والغذاء».

ودعت الدول الإسلامية للتعاون فيما بينها لمواجهة مشكلة نقص الماء والغذاء، بما يضمن تنمية الموارد المائية وتحقيق الأمن الغذائي، وكذلك التعاون مع المنظمات الإقليمية والدولية المتخصصة في مجال الماء والغذاء، واستخدام التقنيات الحديثة في إنتاج البذور وتحسين وسائل التنمية الزراعية.

العقود الذكية

وفيما يتعلق بالتوصية الخاصة بمسألة العقود الذكية ومدى ارتباطها بموضوع العملة الرقمية، أصدر المجمع قراراً أكد فيه قرار المجمع السابق بشأن حكم إجراء العقود بآلات الاتصال الحديثة بجميع فقراته، وهو الأمر الذي ينطبق على العقود الإلكترونية المستقلة عن العقود الذكية.

وعرف العقود الذكية بأنها عقد بين طرفين ينفذ تلقائياً، يقوم على فكرة الند للند Pertoper (بدون وسيط) من خلال شبكة توزيع لا مركزية (سلسة الكتل Block chain) ويتم بالعملات المرمدة (المشفرة) مثل البيتكوين وغيرها، ويتم تنفيذ العقود الذكية من خلال منصات خاصة مركزية، أو عامة لا مركزية وتَسْتخَدِم العملات المرمدة (المشفرة) غالباً.

وقرر المجمع تأجيل البت في الموضوع إلى حين عقد ندوة متخصصة، وبعد البتّ في موضوع العملات المرمدة (المشفرة) لدراسة كل جوانب العقود الذكية.

التضخم

وبشأن التضخم وتغيير قيمة العملة، أوضح المجمع أن التضخم إما فاحش (جامح) أو يسير، ويرجع في تقدير الفاحش إما إلى التراضي وإما إلى القضاء أو التحكيم، موضحاً أنه «عند حصول التضخم الفاحش بعد نشوء الدين لا مانع من اتفاق الدائن والمدين عند السداد على رد الدين بالقيمة أو توزيع الضرر بين الطرفين صلحاً، ويجوز إمضاؤه قضاء أو تحكيماً، ولا يجوز الاتفاق على ذلك عند التعاقد». وأصدر المجمع عدة توصيات في هذا الموضوع، شدد فيها على زيادة التعاون الاقتصادي بين البلدان الإسلامية، وبخاصة في ميدان التجارة الخارجية، والعمل على إحلال مصنوعات تلك البلاد محل مستورداتها من البلدان الصناعية، والعمل على تقوية مركزها التفاوضي والتنافسي تجاه البلدان الصناعية، إضافة إلى ضرورة دعوة حكومات الدول الإسلامية للعمل على توازن ميزانياتها العامة (بما فيها جميع الميزانيات العادية والإنمائية والمستقلة التي تعتمد على الموارد المالية العامة في تمويلها)، وذلك بالالتزام بتقليل النفقات وترشيدها وفق الإطار الإسلامي).

مبادئ

وتتزامن مع تلك التوصيات «دعوة المسلمين أفراداً وحكومات إلى التزام نظام الشرع الإسلامي، ومبادئه الاقتصادية والتربوية والأخلاقية والاجتماعية»، و«إجراء دراسات على مستوى البنوك الإسلامية لتحديد آثار التضخم على موجوداتها واقتراح الوسائل المناسبة لحمايتها وحماية المودعين والمستثمرين لديها من آثار التضخم، وكذلك دراسة واستحداث المعايير المحاسبية لظاهرة التضخم على مستوى المؤسسات المالية الإسلامية»، و«إجراء دراسة حول التوسع في استعمال أدوات التمويل والاستثمار الإسلامي على التضخم، وما له من تأثيرات ممكنة على الحكم الشرعي»، و«دراسة مدى جدوى العودة إلى شكل من أشكال ارتباط العملة بالذهب، كأسلوب لتجنب التضخم»، و«دراسة وتمحيص المشروعات والمؤسسات العامة إذا لم تتحقق الجدوى الاقتصادية المستهدفة منها، والنظر في إمكانية تحويلها إلى القطاع الخاص، وإخضاعها لعوامل السوق وفق المنهج الإسلامي، لما لذلك من أثر في تحسين الكفاءة الإنتاجية وتقليل الأعباء المالية عن الميزانية، ما يسهم في تخفيف التضخم».

عقود الفيديك

وعرّف قرار المجمع مفهوم عقود الفيديك بأنها «مجموعة نماذج لعقود إنشائية هندسية تهدف إلى ضبط العلاقة بين صاحب عمل أو من يقوم مقامه، ومن يقومون بتنفيذ هذا العقد، لإنجاز مشروع تتعدد عناصر الإنشاء فيه بحيث يتم تسليمه جاهزاً للاستعمال فيما أُعد له.

ويرى المجمع أن هذا العقد جائز شرعاً، «إذا تم فيه التزام بالأحكام والضوابط الشرعية، وذلك قياساً له على عقود الاستصناع والإجارة، وكذلك العقود التي يتحول فيها الرضا بتغير محل العقد وقت سريانه كيلا ينشأ عن ذلك التغير نزاع أو مشاحنة، وذلك لسبق التراضي على حكم، وذلك باللجوء للتحكيم المقبول من أطرافه، ولأن ما قد يحدث فيه من زيادة مالية على المتفق عليه ليس مقابلاً للتأخير في الوفاء، وإنما هو تعويض للأضرار التي قد تلحق أحد أطرافه بسبب من الطرف الآخر، أو بسبب تغير ظروف التنفيذ أو تكلفته.

العملات الإلكترونية

وأشار المجمع إلى مفهوم العملات الإلكترونية، وهي بطاقات الائتمان، والبطاقات مسبقة الدفع، والشيكات الإلكترونية وغيرها، وكذا إلى آليات ومخاطر التعامل معها، ومع العملات الرقمية (المشفرة) من خلال المنصات الإلكترونية المتاحة عبر الإنترنت بشكل مباشر أو من خلال سماسرة.

وأفاد القرار بأنه «رغم انتشار هذه العملات في العديد من البلاد في آلاف المحال التجارية فضلاً عن استبدال العملات الوطنية بها، وقبولها من بعض الجهات الحكومية، فإن العديد من الدراسات تشير إلى مخاطر تكتنف التعامل بالعملات الرقمية المعماة (المشفرة) بصفة عامة، ومن أبرزها التقلبات السعرية».

وأضاف: «بالنظر للأبحاث التي تم عرضها والمناقشات التي دارت فقد تبيّن أن ثمة قضايا مؤثرة في الحكم الشرعي لا تزال محل نظر، وبالتالي ونظراً لما يكتنف هذه العملات من مخاطر عظيمة وعدم استقرار التعامل بها، فقد أوصى المجلس بمزيد من البحث والدراسة للقضايا المؤثرة في الحكم».

التحوط

وبالانتقال إلى القرار والتوصيات المتعلقة بالتحوط في المؤسسات المالية الإسلامية، فقد أكد المجمع قراراته في دورته 23 بخصوص التحوط في المعاملات المالية، وشرح المعنى العام لمعاملات التحوط وصيغها المتعددة. وفصل القرار في تبيان معاملات التحوط (الحماية) بالمعنى العام الممنوعة شرعاً وشرح مفاهيمها وأسباب عدم جوازها، كما بيّن الأحكام الشرعية التفصيلية لأدوات التحوط البديلة للمشتقات المالية.

 

التربية الدينية

دعا القرار المتعلق بدور التربية الدينية في تعزيز السلام إلى تشكيل لجان متخصصة لدراسة مناهج التعليم الديني لتقويم مدى انسجامها مع قيم السلام والحوار والتعايش، وتضمين مادة التربية الدينية دروساً عن السلام في مناهجها التعليمية. إلى ذلك، أوصى القرار المتعلق بالتحوط في المؤسسات المالية الإسلامية المجالس الشرعية وهيئات الفتوى والرقابة الشرعية والعلماء والباحثين بالجمع بين مراعاة مقاصد الشريعة الإسلامية والضوابط الشرعية الجزئية للعقود عند الاجتهاد في هيكلة المنتجات المالية الإسلامية بصفة عامة، وصياغة عقود التحوط على وجه الخصوص، كما أوصى القرار إدارات الاستثمار والخزينة بتحقيق التوازن بين الالتزامات والديون من جهة، وبين الثروة والنشاط الحقيقي من جهة أخرى، وعدم الإغراق في الاستدانة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات