بغاية التقاط «سيلفي» لنيل الشهرة على مواقع التواصل

اقتحام الأودية بالمركبات خلال الأمطار تهوّر قاتل

دعوات للحد من الظاهرة التي تتسبب في وقوع وفيات وإصابات ومفقودين | تصوير: إبراهيم صادق

على الرغم من تحذيرات وزارة الداخلية والمركز الوطني للأرصاد وغيرهما من الجهات المعنية في دولة الإمارات خلال موسم هطول الأمطار بضرورة تجنّب اقتحام الأودية الجبلية إلا أن البعض يرى فيها مغامرة مشوّقة، فيلقي بمركبته في عرض الأودية ليلتقط «سيلفي» بغرض الشهرة على مواقع التواصل في تهوّر قاتل تسبب في كثير من الأحيان بحوادث مأساوية من تدهور وغرق المركبات بمن فيها.

ويرى قانونيون ومختصون أن التحذيرات التي تطلقها الحهات المعنية لم تعد كافية، داعين إلى سنّ تشريعات وإجراءات أشد صرامة تجاه قائدي المركبات الذين يقلبون لحظات الفرح بهطول الأمطار إلى مناسبات محزنة، والتي وصفها البعض بـ«الانتحار»، كما أنها في الوقت نفسه تستنزف جهود فرق الطوارئ.

جهود متواصلة

وأكد العقيد أحمد الصم النقبي، مدير إدارة المرور والدوريات في القيادة العامة لشرطة رأس الخيمة، أن الجهود التي تقوم بها الفرق والدوريات الشرطية في وزارة الداخلية خلال الأعوام الماضية نجحت في تحقيق نتائج إيجابية وتراجع معدلات حوادث الغرق في مناطق الأودية الجبلية خلال موسم هطول الأمطار وجريان الأودية الجبلية.

حيث يتم اتخاذ الإجراءات الاحترازية المباشرة ببث الرسائل التحذيرية عبر وسائل الإعلام في الدولة، ومواقع التواصل الاجتماعي الخاصة بالقيادة العامة لشرطة رأس الخيمة.

وأشار إلى أن القيادة العامة لشرطة رأس الخيمة ترفع درجة الاستعداد خلال تقلبات الطقس وفق توجيهات القائد العام لشرطة رأس الخيمة، لإدارة تلك الظروف المناخية والتعامل معها، بتوزيع الرسائل الإعلانية على سكان المناطق الجبلية والسياحية، وإغلاق الطرق المؤدية إلى المواقع التي تشكل خطورة على قائدي المركبات، حفاظاً على سلامتهم وتأمين المرافقين معهم، بالتعاون مع الجهات المعنية الممثلة في دائرة الخدمات العامة وهيئة تنمية السياحة، والدفاع المدني، لاحتواء تلك الأجواء المتقلبة.

تشريعات

وناشد الصم الجهات القانونية والتشريعية في دولة الإمارات بسنّ تشريع جديد بتشديد العقوبة والغرامة على كل من يتجاوز مناطق الأودية بمركبته خلال جريانها، وتحميلهم المسؤولية الكاملة نتيجة لاستنزافهم جهود رجال الشرطة وفرق الطوارئ والإنقاذ وجناح الجو للبحث عنهم، بهدف الحد من تلك الظاهرة التي تتسبب في وقوع وفيات وإصابات ومفقودين.

لافتاً إلى ضرورة إعطاء الصلاحية لشرطي المرور بضبط أي شخص يتلاعب بالقوانين والسلامة العامة، وتقديمه للنيابة العامة.

معتبراً أن ذلك السلوك يعد «انتحاراً» والمخاطرة بحياة مرافقيهم. وأضاف: تنص المادة 41 من القرار الوزاري رقم (178) لسنة 2017 بشأن قواعد وإجراءات الضبط المروري وجدول المخالفات على معاقبة قائد المركبة في حال عدم اتباع إرشادات شرطي المرور بغرامة 400 درهم، و4 نقاط ضمن الملف المروري، لافتاً إلى أن جميع مناطق الأودية والشعاب الجبلية تم تركيب لوحات إرشادية وتوعوية بها باللغات العربية والإنجليزية والأوردية لتوعية قائدي المركبات والأهالي بمخاطر السيول على الأرواح والممتلكات.

ضياع الجهود

وأكد المهندس محمد الشافعي، مدير إدارة المشاريع في دائرة بلدية رأس الخيمة، أن جريان الأودية الجبلية يؤدي إلى سرعة انحدار المياه على طبقات التربة، ما يتسبب في تغيير الخواص الفيزيائية لها، حيث تتحول طبقة السطح إلى طبقة ذات معامل تماسك أقل، وعند استمرار تدفق المياه لوقت طويل فإن ذلك يؤدي إلى تشبع حبيبات التربة بالمياه، ما يجعلها سهلة الانزلاق،.

لافتاً إلى أن مناطق جريان الأودية معروفة بالتربة غير المستقرة، ما يجعلها مناطق خطرة للاستعراض بالمركبات أو الدخول إلى المياه بعمق أكبر، والتي تعد من الظواهر السلبية التي يقوم بها البعض ظناً منهم أن التربة ثابتة على عكس الواقع.

وأضاف: تقوم الجهات المختصة جاهدة ببذل مجهودات مضاعفة لإنقاذ هؤلاء عند تعرضهم للخطورة نتيجة قيامهم بهذه الأعمال في تلك المناطق الخطرة، وننتهز هذه الفرصة لنتوجه إلى تلك الفئة من قائدي المركبات المستهترين بأرواحهم وسلامة مرافقيهم، بأن أرواحكم أمانة، وينتظر منكم الوطن الكثير فحافظوا على أرواحكم لوطنكم.

لافتاً إلى أنه في الفترة الأخيرة انتشرت العديد من الظواهر السلبية التي يأتي في مقدمتها استخدام مجاري الأودية ومخرات السيول حلباتٍ للسباق، حيث انتقلت المنافسة من خارج الوادي إلى داخله، وتسارع الشباب لممارسة هذه الهوايات الخطرة دون مراعاة قواعد السلامة.

وأشار إلى أن تلك السلوكيات السلبية حصدت خلال الأعوام الماضية الكثير من الأرواح وكلفت مؤسسات الدولة الكثير من الأموال والمجهود خلال عمليات الإنقاذ، ناهيك عن الخسائر الفادحة في الأرواح، وخاصة فئة الشباب التي يعول عليها الوطن للانضمام إلى ميدان العمل ليصبحوا رواداً وأبطالاً في مختلف القطاعات ودعم مسيرة التنمية في دولة الإمارات، بدلاً من ضمهم إلى سجل الوفيات ليصبحوا ذكرى، مؤكداً أن التوعية بمثل هذه التصرفات الطائشة يجب أن يهتم بها الجميع، فهذه مسؤولية الجهات المختصة بوضع التشريعات لمواجهة تلك الظاهرة.

المطالبة بالتشريعات

وأكد المحامي سالم الكيت أن ظاهرة اقتحام مياه الأودية الجبلية تحتاج إلى تشريع للحد من تلك التجاوزات التي تعرض قائدي المركبات والممتلكات إلى الخطر، نتيجة تلك السلوكيات الطائشة وغير المسؤولة، واصفاً تلك السلوكيات «بالانتحار أو الشروع فيه».

حيث يتعمد السائق عبور الأودية بشكل ينجم عنه تعريض حياته أو حياة الركاب معه أو الغير للخطر مع علمه بخطورة الدخول إلى مناطق جريان المياه الشديدة، وتعريض حياة وسلامة رجال الشرطة وفرق الطوارئ والإنقاذ للخطر خلال عملية إنقاذه بالنزول للمياه أسفل المركبة لربطها ومحاولة سحبها إلى بر الأمان.

وأضاف: يجب على رجال الدوريات المرورية الشرطية مخالفة تلك المركبات في حال تجاوزها للعلامات الإرشادية والتعليمات المرورية، وتكثيف تركيب اللوحات التحذيرية على مناطق الأودية لمنع تجاوزها، حتى لا يكون غياب تلك اللوحات مبرراً لتجاوزات قائدي المركبات، حيث يكون أغلبهم مصطحباً أفراد أسرته للاستمتاع بتلك الأجواء الطبيعية.

لافتاً إلى أن بعض الدول المجاورة في منطقة الخليج العربي تنص قوانينها على معاقبة تلك الفئة بالحبس والغرامة المشددة، مؤكداً أن الغرامة في قانون المرور بدولة الإمارات وفق مادة «عدم اتباع إرشادات شرطي المرور» لم تعد كافية.

سلوكيات طائشة

وأكد المواطن عبد الله سالم الشميلي أن السلوكيات الطائشة من بعض الفئات لقائدي المركبات خلال هطول الأمطار تجاوزت الحد، نتيجة إصرارهم على عبر مجاري الأودية المتدافعة بقوة بالالتفات بعيداً عن أعين رجال الدوريات الشرطية، حيث يصرّ البعض على قطع مسافات بعيدة للنزول إلى المياه الجارية للاستعراض بهدف الشهرة الزائفة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

لافتاً إلى أن تلك السلوكيات تمتد إلى عدم اتباعهم السلامة المرورية بربط حزام الأمان لحمايتهم من مخاطر التدهور، إضافة إلى أن تلك السلوكيات تطال أولياء الأمور الذين يصرون على اصطحاب أطفالهم داخل المركبة وارتكاب تلك المخاطرة.

وأشار إلى أهمية إيجاد تشريع قانوني يحمي العائلات الموجودة في مناطق الأودية الجبلية والمناطق البرية من تحويل تلك اللحظات إلى كارثة قد يغرق فيها أحد الموجودين خلال محاولة الإنقاذ، مؤكداً أن العديد من الشباب راحوا ضحية محاولة إنقاذ تلك الفئة من قائدي المركبات نتيجة عدم إدراكهم خطورة وعمق الموقع، حيث تكون التربة غير ثابته نظراً لطبيعتها التي تتكون من الرمال والصخور.

السلوكيات غير المحسوبة من قائدي المركبات تتحدى المخاطر

أكد الدكتور طلعت مطر، أستاذ الطب النفسي في كلية الطب بجامعة رأس الخيمة، مستشار الأمراض النفسية بمستشفى راك، أن تلك السلوكيات من قائدي المركبات وخاصة فئة الشباب تسمى علمياً بتحدي المخاطر، نتيجة لطبيعة حياتهم الخاصة والتي يحتاجون خلالها إلى ارتكاب أفعال تتسم بالإثارة والخطورة، أمام الحضور من المشاهدين في تلك المواقع، الأمر الذي يشكل خطورة على حياتهم، وذلك في ظل عدم اشتراكهم في قنوات أخرى للتعبير عن أنفسهم وإخراج طاقاتهم.

وأشار إلى أن تلك استعراضات تحدي المخاطر توهم الشباب نتيجة لذكرياتهم العالقة في أذهانهم والتي مروا بها في طفولتهم وقد يكون بها العديد من المخاوف، لمحاولة إثبات العكس ضمن التأثير النفسي عليهم، مطالباً الشباب بضرورة الاشتراك في النوادي الرياضية لإخراج طاقاتهم بتحدي المخاطر بطريقة آمنة، أو تعلم الغطس في الأعماق البحرية وتسلق الجبال تحت إشراف مختصين ومدربين.

مؤكداً أهمية ودور القراءة للشباب لإدراك دورهم الوطني الطبيعي والمجالات التي يمكن من خلالها إخراج طاقته بصورة صحيحة تعود بالفائدة على المجتمع.

أهمية تكاتف وسائل الإعلام مع الجهات المعنية لرفع درجة الوعي

أكد الإعلامي محمد غانم، مدير عام إذاعة رأس الخيمة، أهمية تكاتف وسائل الإعلام مع الجهات المعنية برفع درجة وعي المجتمع بخطورة السلوكيات الطائشة لقائدي المركبات بالدخول إلى مناطق جريان الأودية الجبلية خلال هطول الأمطار، والتي يجني ثمارها العائلات من حسرة وألم الفراق، خاصة في ظل البرامج التثقيفية والتوعوية التي تقوم بها الدولة والميزانيات الكبيرة التي يتم رصدها لهذه الحملات.

وأشار إلى أن تلك الجهود تحتاج إلى تشريعات قانونية مشددة والتي باتت أمراً ضرورياً، لتجريم تلك المغامرات التي تعرض حياة الكوادر البشرية في وزارة الداخلية وفرق الطوارئ والإنقاذ للخطر، لمنع تحويل فرحتنا بهطول الأمطار إلى أحزان.

لافتاً إلى أهمية ارتفاع درجة وعي وسلوكيات قائدي المركبات والأهالي لعدم التجمهر في موقع الحادث والتي تعوق عمليات الإنقاذ ووصول الآليات والفرق المختصة بالسرعة المطلوبة، بالإضافة لأهمية متابعة العائلات لأطفالهم في مناطق الأودية خشية سقوطهم فيها، والابتعاد عن مثل هذه الأماكن التي تشكل خطورة عليهم.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات