محبةٌ جليلةٌ وصفاءٌ نادرٌ في قصيدة لامعة المعاني

الوطنُ العظيم هو الذي ينهض به الرجال العظماء، والعظمةُ الصحيحةُ هي عظمة القلب والروح التي تتجلى صفاءً يتدفق، وإخاءً يترقرق، وأشهد أنّ وطننا الإمارات محظوظ جداً برجاله الكبار الذين نتعلم منهم النبل والأخلاق العالية الشريفة حين نرى منهم هذا الصفاء النادر بين قلوب الكبار، وهذه المحبة الجليلة بين رموز الوطن وفرسانه الشجعان.

عاطفة سامية

كتب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في ظلال يوم مولد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلّحة، قصيدة عذبة المقاطع، لامعة المعاني، سامية العاطفة، يعبّر فيها على المعهود من أخلاقه العالية، عن محبته الصادقة لأخيه «بوخالد»، ذلكم السميُّ الذي يجمعه به تِلادٌ قديم وتاريخ عتيق تجلى في علاقتهما المشتركة برمز الوطن الخالد وباني نهضته ومَعْقِدِ عِزّه وفخاره، المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي جمع حوله وفي مجلسه نسور الوطن وفرسانه الصِّيد المغاوير، ورسّخ فيما بينهم أعمق أواصر المحبة والاحترام، وغرس في وجدانهم قيمة التكاتف والاتحاد في سبيل مجد الوطن ورفعته، فظلت هذه الوصايا الخالدة عميقة الحضور في قلوب هذين الكبيرين اللذيْن حفظا العهد وواصلا المسيرة بكل مهابةٍ وفروسيةٍ واقتدار.

مطلع عَطِر

يومْ ميلادكْ يابوخالدْ عظيمْ

يا شريفٍ منْ شريفٍ لهْ مقامْ

بهذا المطلع الرائع الجليل يفتتح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد هذه التهنئة العالية الغالية لأخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد، وهو مطلع فوّاحٌ بعطر المحبة، وشذا الإخاء، مؤكداً له عظمة هذه المناسبة التي يحتفي فيها الوطن بمَقْدم قائده وصقر جيشه إلى هذه الحياة، سليلاً من شيخ شريف القدر عالي المقام هو الشيخ زايد، رحمه الله، الذي ربّاه على مكارم الأخلاق وحُسن الصنيع وإغاثة الملهوف، وسكب في قلبه رحمة الضعيف، وضخّ في دمائه مجد القوة وهيبة الحكمة وطيبة القلب وحزم القيادة.

فكان خير وارثٍ لذلكم القائد الباني والمعلم الرائد الذي كان مُلهماً في تربية الرجال وبنائهم على مكارم الأخلاق وشمائل الفرسان، فجاء البيت التالي تأكيداً لهذا المعنى الرفيع، وترسيخاً لإيقاع التاريخ الذي يعتزّ بكرم أصول صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد، المتحدرة إليه من جبال المجد الموروث عن أجداده وآبائه الكرام، ولا سيّما عقيدهم وحامل لوائهم وباني مجدهم الشيخ زايد بن سلطان، رحمه الله، ذلكم الرجل الذي تفتخر به الإمارات ولا تنسى ذكراه الطيبة، وتظل تستلهم سيرته العاطرة وذكراه الخالدة في القلوب والعقول.

القائد الميمون

يشهدْ التاريخْ أنِّكْ منْ كريمْ

زايدْ اللي بهْ فخرنا عَ الأنامْ

وتزداد القصيدة حفاوة بالشيخ زايد ونجله الشجاع القائد الميمون «بوخالد»، فيذكر «بوراشد» أن الشيخ زايد، رحمه الله، كان عميق البصيرة مستنير القلب حين اختار ولده صاحب السمو الشيخ محمد، لهذه المهمات الجِسام، وقلّده من مسؤوليات القيادة ما لا ينهض بأعبائه إلا الرجل الصنديد، والفارس الباسل، وهو ما تشهد به الأيام وتصدقه الوقائع والأحداث، فقد كان «بوخالد» عند حسن الظن، وكان قُرّة عينٍ للوالد والوطن، فنهض بمسؤولياته الكبرى بكل كفاءة واقتدار، وضرب أروع الأمثلة في السهر على راحة أبناء شعبه ومتابعة شؤونهم في الدقيق والجليل من حياتهم، وكان ومازال وسيبقى ذلكم القائد القريب من قلوب شعبه، يدنو من مسكينهم وفقيرهم ومحتاجهم، ويمسحُ على رؤوس أيتامهم، ويرعى الدولة بعين النسر الشجاع وقلب الفارس الحكيم، فكان اختياره من أبيه عين الحكمة وجوهر الصواب، وهو ما عبّر عنه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بقوله:

وأنِّهْ إختاركْ ولهْ رايٍ حكيمْ

في إختياركْ وقتْ سلَّمكْ الزِّمامْ

إنّ اختيار الشيخ زايد، رحمه الله، لنجله الشيخ محمد للقيام بأعباء حكومية لم يكن وليد العاطفة الأبوية، بل كان ثمرة الخبرة العميقة والنظرة الفاحصة في معادن الرجال، فالوطن لا يحميه إلا الشجعان القادرون على حمل أمانة المسؤولية ببسالة وشجاعة واقتدار، ولقد كان صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد امتداداً لأبيه، ونموذجاً في التقدم بالوطن نحو الآفاق التي تليق به.

فكان اختياره نابعاً من فهم عميق لطبيعة شخصيته ومدى قدرته على صيانة مجد الوطن والسير به قُدماً نحو العلا والمجد والرفعة، فكان «بوخالد» الفارس الذي صان إرثَ أبيه، والنجل الذي يشبه أباه في الذكاء والفهم والصبر والاحتمال:

فاهمٍ طبعكْ ومامثلهْ فهيمْ

وإنتهْ مثلهْ في ذكاهْ والإفتهامْ

لمحة بديعة

الوطنْ بكْ عَزْ وإنتهْ لهْ زعيمْ

والشَّعِبْ لكْ فَزْ سِرْ بهْ للأمامْ

وفي لمحة شعرية خاطفة بديعة يأتي البيت التالي مؤسَّساً على الجناس البديعي القائم بين قول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد: «عزّ وفزّ»، حيث أبدع في سكّ هذا الجناس البديع بين اللفظتين وتفنّن في توظيفهما للدلالة على هيبة الممدوح المُحتفى به، فقد «عزّ» به الوطن وهو يصنع مجده، ومقابل ذلك «فزّ» معه الشعب لإكمال مسيرة البناء، وبقدر دلالة هاتين اللفظتين على مقام صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد في نفس أخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، فإنهما تدلان على القدرة الشعرية الباهرة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، فليس سهلاً إطلاقاً التقاط مثل هذا الجناس في مثل هذا المقام الشعري البديع.

ثمرة عطاء

إنتهْ جنبتهْ الخطَرْ وأمسىَ سِليمْ

وعاشْ في خيرْ وسعادهْ وإبتسامْ

إنّ هذا الحب الصادق من الشعب لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد ليس مجاملةً عابرةً، بل هو ثمرة العطاء والتضحية والسهر على راحة الوطن وأبنائه، فهذا الفارس المقدام هو الذي بذل أقصى الجهد في سبيل صيانة أمن واستقرار الوطن، فكان طبيعياً أن يبادله الشعب حباً بحب ووفاء بوفاء.

لوحة مجد

اللهْ يخلِّيكْ في الدنيا مديمْ

تحتفلْ وتعيشْ في خيرْ وسلامْ

وبهذه الخاتمة الرائعة تنتهي هذه القصيدة التي كتبها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، احتفاء بيوم ميلاد أخيه وشقيق روحه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد، عبّر فيها عن واحدة من أصدق العواطف الإنسانية وأكثرها نُبلاً وبهاءً، مُسطّراً بذلك لوحةَ مَجدٍ وفخار ومحبة وإيثار أصبحت عنواناً لروحه النبيلة وقلبه الكبير، فهذا الفارس شجاعٌ في أخلاقه قبل كل شيء، ويعبّر بصدق نادر عن العواطف الساكنة في أعماقه كما يشعر بها بعيداً عن فذلكات الشعراء وأساليب التصنع بحيث غدا صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد مدرسة شعرية في الصدق الأخلاقي والروعة الإبداعية والكمال المَهيب.

ورحم الله أبا الطيب المتنبي حين قال في معنى التهنئة اللطيف:

إنّما التهنئاتُ للأكفاءِ

ولِمَنْ يدَّني من البُعداءِ

وأنا منك لا يُهنّئُ عضوٌ

بالمسرّاتِ سائر الأعضاءِ

أنتَ أعلى مَحلَّةً أنْ تُهنّى

بمكانٍ في الأرض أو في السماءِ

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات