«قصر الوطن».. الدلالة والغاية

يدخل «قصر الوطن»، اعتباراً من الاثنين المقبل طور العمل والفعالية، ليمارس دوره، ويباشر وظيفته «جسراً حضارياً للتواصل الثقافي بين الشعوب ورافداً يثري الحصيلة المعرفية لرواده»، كما حددتها رؤية القيادة الرشيدة حاملاً إلى جانب الأهداف المباشرة، العديد من المعاني والأبعاد المهمة، التي لا يمكن أن يغفل عنها المرء.

بداية، حملت المبادرة 3 عناصر رئيسية بالغة الدلالة، أولها، يتعلق بقرار إنشاء «قصر الوطن» نفسه، وثانيها يأتي من واقعة أن القرار نص على أن يكون مقر «قصر الوطن» في مجمع قصر الرئاسة، وثالثها أن يكون الصرح الجديد، مفتوح أمام عامة الزوار، ومتاح لهم.

وأولى الدلالات هنا، هي هذا التوجه الذي تتبناه الدولة والمتمثل بالاستثمار في المعرفة، طريقاً أساسياً، وتوجهاً ثابتاً، وثانيها، الموقع الأساس الذي تحتله الثقافة والمعرفة في الاستراتيجيات الوطنية، بدليل أن لها مكاناً ومقراً في مجمع قصر الرئاسة. وثالثها، ما تحمله هذه المبادرة من اتساقها مع قرب القيادة من الناس.

ومن بعد، يستلهم القرار نهج الأب المؤسس، المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي في وقته، أفرد في «قصر الحصن»، وكان حينها قصراً للحكم، مقراً للأرشيف الوطني. وفي هذا، مكان لدلالة مهمة، ورسالة واضحة تقول إن النهج الزاهر باق، وأن القائمين على إرث «زايد» ماضون على نهجه، يبنون على ما شيده..

وتالياً، أبرز الوظائف، وأهم الدلالات، التي حملتها هذه المبادرة في طياتها:

1 في أول وظيفة له، تحدد المبادرة أن يكون «قصر الوطن» مقراً يبرز دور دولة الإمارات في نشر التراث الفكري العربي والمحافظة على الإرث الحضاري والإنساني، في تأكيد على الهوية الثقافية للدولة، وانتمائها الحضاري، ومسؤوليتها الإنسانية.

ومن اللافت في هذا الصدد أن غايات إنشاء قصر الوطن ابتدأت من فضاء الانتماء العربي، في منطلق مباشر، لا يتوقف عند الانتماءات الأضيق، لتتسع هذه الغايات لتصل إلى المستوى الإنساني العام.

ومن جهة أخرى، لم تقتصر وظيفة «قصر الوطن»، في هذا الباب على مجرد التعبير عن الانتماء القومي والحضاري، ولكنها ذهبت إلى غايات عملية، عمادها «نشر» و«المحافظة» على الإرث الإنساني، ما يجعل الحديث هنا متمحوراً حول دور ثقافي وعلمي يتخذ من المنجز الإنساني الحضاري موضوعاً لاهتمامه، كما يذكر هذا بشراكة الدولة مع المنظمات الدولية المعنية، في هذا المضمار.

2 يمثل «قصر الوطن» مبادرة تأتي في إطار جهود دولة الإمارات العربية المتحدة المتواصلة في رعاية التراث الفكري العربي الإنساني ونهجها القائم على أسس التعاون والمشاركة ونشر المعرفة.

وفي هذا تأخذ الغايات، كذلك، جانباً عملياً من مستوى آخر، حيث يجري الحديث عن «رعاية» التراث الفكري العربي الإنساني. وبهذا، نحن أمام حديث عن مؤسسة تعنى بـ«التراث» و«الفكر».

وهنا، قبل ملاحظة ما تؤشر عليه مفردات «التراث» و«الفكر»، بهويتيهما العربية والإنسانية، تتوجب ملاحظة أن الأهداف تنحاز إلى «التعاون» و«المشاركة» و«المعرفة»، ما يضعنا أمام قيم أساسية، تقع في صلب نهج الدولة وثقافتها، سواء لجهة التعاون والمشاركة، أو لجهة الإيمان بـ«المعرفة»، قيمة عليا، وموضوعية كذلك، تحدد مدى قابلية المجتمعات للانتساب للمستقبل، وقدرتها على تبنى نماذج حضارية قادرة على الحياة، واستعدادها لتشارك منجزات الحضارة الإنسانية، وإسناد عمليات بناء اقتصاد حديث ومتطور.

3 تهدف المبادرة، التي تأسس «قصر الوطن» بموجبها، إلى ترسيخ مكانة مجمع القصر الرئاسي باعتباره أحد صروح مسيرة التقدم والإنجاز في الدولة وجسراً للتواصل المعرفي والحضاري بين الأمم، حيث يستضيف القمم واللقاءات الرسمية الرفيعة بين قيادة دولة الإمارات العربية المتحدة وضيوفها من ملوك ورؤساء دول العالم، إضافة إلى جلسات المجلس الأعلى للاتحاد واجتماعات مجلس الوزراء.

بلا شك، فإن مجمع قصر الرئاسة هو معلم حضاري، يختزل في معماره الكثير من المعرفة الإنسانية، ومنجزات الحضارة البشرية، ويعد شاهداً تاريخياً على حضارة هذا العصر. وهو أكبر من أن يكون مجرد مرفق حيوي للاستخدام المحدود زمنياً، بل هو رمز من رموز عزة الدولة وكينونتها، ومعلم تتوارثه الأجيال. ومن هنا، فإن الحديث عن أن «ترسيخ مكانة مجمع قصر الرئاسة باعتباره أحد صروح مسيرة التقدم والإنجاز في الدولة، وجسراً للتواصل المعرفي والحضاري بين الأمم» يأتي من خلال إنشاء «قصر الوطن» في رحابه، فإنما يعني إغناء المحتوى الذي يتضمنه هذا الصرح الكبير والفريد، وإثرائه بالمضمون المعرفي.

4 من الغايات اللافتة، التي تتعلق بالدولة، وتبدو ملحة اليوم على نحو خاص، هي تلك الوظيفة التي حددنها المبادرة لـ«قصر الوطن»، حيث جعلت من وظائفه أن يحتفي بثقافة المعرفة، وأن يهدف إلى نشرها عبر استحضار الإسهامات العربية في بناء الحضارة الإنسانية على مر التاريخ.

إن المعرفة الإنسانية مورد هائل، وهو مشاع بين الناس والأمم، ومن يولي هذا المورد الاهتمام والعناية اللازمين، يحجز لنفسه مكانة بين الأمم والقوى الناهضة.

ومن جانب آخر، فإن الأمن الشامل، بأفضل مفاهيمه، لا يمكن تحقيقه دون إيلاء المعرفة حقها، فهي بمعيار أساسي واحدة من أثمن السلع التي يمكن أن يحتاجها الإنسان والمجتمعات لبناء نهضة حضارية.

وفي هذا السياق نفسه، فإن الأمم، التي لم تعد تتحدث اليوم عن الأمن مجزأ، وتتعامل مع الأمن الشامل، باتت تتعامل كذلك مع ما يمكن أن ندعوه بالأمن الحضاري، فلا أمن شامل دائم ومستقر دون الأمن الحضاري، الذي يحفظ مكانة الأمم، واستقرار الدول، ويمنحها الاستدامة في موقعها الحضاري.

5 في مضمار ليس أقل إلحاحاً وأهمية، تأتي وظيفة «قصر الوطن»، في تقريب المسافات بين الشعوب، لتذكرنا بأنبل مشاريع الإنسانية وغاياتها، وتعيدنا إلى أطر السياسة العامة لدولة الإمارات، التي تعتمد الاستثمار في الاستقرار والتعايش، وتنبذ أساليب التكسب من زعزعة الاستقرار وبث الفوضى وإشعال الحروب.

التقريب بين الشعوب والثقافات، وتعظيم احترام قيم التعايش والتسامح والعيش المشترك تحت مظلة الحضارة المعاصرة الجامعة، هي من الغايات الأساسية التي تذهب إليها سياسات الدولة، وتعمل على تحقيقها بمختلف الوسائل والأدوات والأساليب، والمعرفة والثقافة من أهم الوسائل والأدوات في ذلك.

وبهذا، فإن «قصر الوطن» هو بمعنى ما بيت للحوار الحضاري، وصرح للتسامح، ومقر للتعايش بين الشعوب والحضارات.

6 في أول إشارة إلى مكونات ومرافق «قصر الوطن»، نصت المبادرة على أن يحتضن «مكتبة» تحتوي على مجموعة واسعة من المصادر المعرفية التي تعنى بدولة الإمارات، وتشمل المراجع المختصة بالجوانب التاريخية والجغرافية، ومراحل تطور البلد في السياقات السياسية والاجتماعية والثقافية.

وفي الواقع، تولي الدولة في الفترات الأخيرة اهتماماً متزايداً بهذا الجانب لأسباب تحتمها التطلعات الحضارية، فالنهضة الشاملة، والمكانة الرائدة، تقتضي بناء وعي حضاري، وهذا لا يكون دون وعي الذات الجمعية عبر تحولاتها في مسيرة التاريخ. وبمعنى آخر، إعادة وعي الذات من منظور تاريخي.

وفي هذا، يأتي «قصر الوطن» ليكون مركز إشعاع، يتيح تكوين نظرة تاريخية شاملة، تبني ذلك «وعي ذات» جديد، يؤطره التاريخ، ويمنحه السياقات الواقعية، ويشد صلاته بالوعي والانتماء الحضاري.

7 في إشارة ثانية على مكونات «قصر الوطن» ومرافقه، تؤكد المبادرة في غاياتها أن يحتضن القصر «بيت المعرفة»، المرفق الذي يلقي الضوء على العصر الذهبي للحضارة العربية وإسهاماتها في مختلف مجالات المعرفة الإنسانية من علوم وفنون وآداب.

وهنا، من الواضح أن الانتماء الحضاري إلى العصر الذهبي للحضارة العربية، هو هاجس رئيس يقيم فارقاً أساسياً ورئيساً بين أصالة الانتماء الذي يقود إلى التشارك مع البشرية في الحضارة الإنسانية في عصرها الراهن، وبين الانتماء الزائف لهويات مضللة ترفع راية الحضارة العربية الإسلامية، ولا علاقة لها بماضي الأمة، ولا دينها السمح، وتحاول أن تعيد العرب والعالم إلى الماضي بدلاً من تعزيز الانتماء إلى العصر.

في جانب آخر، تضمنت المبادرة أن يحتضن «قصر الوطن» تنظيم معارض تفاعلية تتناول جوانب ثقافية وتاريخية متعددة تثري بمجملها الحصيلة الفكرية لزواره، وهذا يضعنا أمام مؤسسة بنشاطات منتظمة ومتواصلة.

8 من الغايات الملفتة التي تتضمنها هذه المبادرة تتمثل بتعيين وظيفة نشر رسالة دولة الإمارات الحضارية حول العالم، وإيكالها إلى «قصر الوطن». وهذا في الواقع، أمر لا غنى عنه، ولا بد منه، فالإسهام الحضاري لا يكون دون رسالة، في حين أن الدولة في الفترات الماضية تولي عناية شديدة لـ«قوة الإمارات الناعمة».

وهذا بكل المعاني، منطلق منطقي، فالدول لم تعد تلجأ إلى الجيوش والسلاح لتأمين موقعها الحضاري، وبالتالي تأمين مصالحها الحيوية في العالم، بل باتت تعتمد بدرجة أساسية على تصدير «النموذج»، وترويج الثقافة الوطنية. ولدى الدولة نموذجها الخاص، الذي يمكن لترويجه أن يسهم على نحو مشروع، دون الإضرار بمصالح وأمن الآخرين، بتأمين نوع من التواؤم واللغة المشتركة بين الدولة والعالم بأقطاره المختلفة، رغم تباين الأحجام والأوزان واختلاف الهويات الثقافية.

9 من اللافت أن من أبرز مهام «قصر الوطن» تربط بين نشر رسالة الإمارات الحضارية والاقتصاد المعرفي، الذي بات في الفترة الأخيرة واحدة من المفردات الأساسية في العقل الاستراتيجي الإماراتي، حيث يعد الاقتصاد المعرفي أحد أهم عناصر رؤية الإمارات 2021 الهادفة إلى أن تكون دولة الإمارات واحدة من أفضل دول العالم من حيث التنمية الاجتماعية والاقتصادية بحلول اليوبيل الذهبي للاتحاد. وهذا أمر يعكس جوهر الاستراتيجيات الوطنية، ورؤية الدولة والقيادة الرشيدة، بما يتعلق بالمستقبل، الذي بات معروفاً أن ضمانه لا يكون دون التحول إلى اقتصاد المعرفة، وتبني نهج الابتكار في العلوم والتكنولوجيا واعتماد الحلول الابتكارية في الاقتصاد والإدارة، وإرساء قيم حديثه تتماشى مع العصر ومقتضياته.

وبهذا، فإن «قصر الوطن» هو شرفة تطل منها الإمارات على المستقبل، وبوابة تمر عبرها إليه، وهو كذلك بيت يستضيف أفضل ما في العالم، ويقدم للعالم أفضل ما لديه.

10 تضمنت المبادرة أن يفتح «قصر الوطن» أبوابه لاستقبال الجمهور، بما يسهم في نشر ونقل المعرفة إلى مختلف فئات المجتمع وأطيافه كافة. وفي هذا، فإن هذا الصرح الجديد، يمثل مبادرة رمزية تعبر عن الانفتاح المعروف الذي تشهده السياسة الإماراتية، حيث لا حواجز بين المستوى السياسي في الدولة وبين أبنائها.

وهذه المبادرة الرمزية تعني، كذلك، التأكيد على الطابع الوطني لمقر الحكم، ومكانته وأهميته الرمزية والعملية لكل مواطن، دون استثناء أو تمييز، كما أنها تبني على إرث الأب المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في الانفتاح على شعبه، وتقريبهم إليه، وتقربهم منه. ومن المؤكد، أن زيارة المبنى الرئيسي لـ«قصر الوطن»، الواقع ضمن مجمع قصر الرئاسة بطابعه المعماري المتميز، ستكون زيارة ملهمة وتجربة لا تنسى وتبعث على التأمل بالنسبة لكل زائر.

اقراء ايضاً

«قصر الوطن» جسر حضاري بين الشعوب

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات