لنشر المعرفة القانونية بين موظفي الحكومة وأفراد المجتمع

وضع أول دليل لإعداد وصياغة التشريعات في دبي

تمتلك إمارة دبي خبرات متراكمة وغنيّة في مجال إعداد وصياغة التشريعات المحلية، ونمت هذه الخبرة وتنامت بشكل ملحوظ خاصة في السنوات القليلة الماضية، وعكفت اللجنة العليا للتشريعات على فحص وتحليل ودراسة التراث التشريعي في الإمارة، واطلعت على العديد من الأدلة التشريعية المعمول بها لدى العديد من الدول، وصولاً إلى وضع أول دليل لإعداد وصياغة التشريعات في إمارة دبي. وإن فكرة الأدلة التشريعية في دبي، تعدّ الحاجة إليها في غاية الأهمية، وذلك لتقنين تجربة الإمارة المتميزة والمتفردة في هذا الخصوص.

دليل للصياغة التشريعية

وقال محمد صلاح العطيوي، مستشار قانوني أول رئيس المكتب الفني في اللجنة العليا للتشريعات: «انطلاقاً من دور اللجنة العليا للتشريعات في نشر المعرفة القانونيّة بين موظفي الجهات الحكومية وأفراد المجتمع، ارتأت العمل على إعداد وإصدار دليل متخصص في صناعة التشريعات، باعتبار أن الصياغة التشريعية تعد من أهم أنواع الصياغات القانونية، التي تحدد الحقوق وتفرض الواجبات والالتزامات، وتخول الصلاحيات والامتيازات، لأنها الأداة التي تستطيع بواسطتها الحكومة من تنفيذ سياساتها العامة والاستجابة للاحتياجات المتغيّرة والمتجددة في المجتمع، لذلك جاء إعداد هذا الدليل ليركز على المبادئ والقواعد الأساسية التي تحكم عمل القائمين على الصناعة التشريعية وتساعدهم على القيام بالمهام الملقاة على عاتقهم في هذا الشأن».

وأضاف: «لأجل ذلك كله، فإن اللجنة العليا للتشريعات وجدت أنه لزاماً عليها أن تضع بين يدي كل المهتمين بالصناعة التشريعية، دليلاً يكون هادياً لهم للنهوض بالعمل التشريعي في الإمارة، وهذا ما عكف عليه المعنيون في الأمانة العامة للجنة العليا للتشريعات، من خلال وضع الإجراءات والقواعد والمنهجيات والنماذج التي تنسجم في مضمونها ومجملها مع المتطلبات التشريعية الحالية والخطط المستقبلية التي تبنتها إمارة دبي في تعزيز مكانتها لتنافس دول العالم، من خلال توفير بنية تشريعية متينة تواكب المتغيرات وتدعم تطبيق التكنولوجيا في مختلف مجالاتها».

مستفيدون

وأشار محمد صلاح العطيوي إلى أن هذا الدليل موجه إلى جميع العاملين في مجال صياغة التشريعات في إمارة دبي، سواء كانوا من القانونيين والمستشارين العاملين لدى الأمانة العامة للجنة العليا للتشريعات أو العاملين لدى الجهات الحكومية المحلية في الإمارة، بهدف توحيد الضوابط السليمة، أو ما يمكن أن يطلق عليه أفضل الممارسات في مجال إعداد وصياغة التشريعات.

كما أن هذا الدليل ذو أهمية كبيرة لمن هم في بدايات عملهم في مجال إعداد وصياغة التشريعات وللباحثين والمهتمين بهذا المجال، إذ يقدم لكل هؤلاء، ولغيرهم من المعنيين ما يسهم إسهاماً كبيراً في إبراز ضوابط العمل في هذا المجال شديد الأهمية، وما يتعين الأخذ به وما يتعين اجتنابه، وصولاً إلى ضمان جودة المنتج التشريعي، وكل هذا يعتبر أمراً جديداً لم يسبق تقديمه على مستوى إمارة دبي من قبل، حيث إن ممارسة العمل التشريعي فيها كان أمراً يعتمد على نقل الخبرة من المستشار الأقدم إلى القانوني الأحدث من غير وجود مرجع أو مادة مدوّنة تصلح أساساً للرجوع إليها والاستفادة منها كلما تطلب الأمر ذلك.

منهجية الإعداد

وتابع: «تتعدد الطرق التي يتم بها إعداد الأدلة التشريعية، وتختلف، بحسب النهج الذي ينتهجه واضعوها، وقد ارتأينا في اللجنة العليا للتشريعات أن ننتهج طريقة تعتمد على الممارسة العملية والتطور الزمني لمراحل إعداد التشريعات في إمارة دبي، وبمعنى آخر فقد فضّلنا أن نعرض ضـــوابط وقـــواعد إعداد وصياغة التشريعات بدءاً من تبيان من له الحق في اقتراح التشريع، وكيفية تفعيل هذا الحق، وكيف تولد فكرة مشروع التشريع، وكيف يتم عرض أسبابه الموجبة، وكل ما يتعــين مراعاته من أمور تفرضها السياسة التشريعية، ثم تطرقنا لضوابط وأسس صياغة مختلف أجزاء وأقسام التشريع، وصولاً إلى اعتماده وإصداره من السلطة المختصة، ونشره في الجريدة الرسمية، وقد ارتأينا أن هذا النهج هو الأسهل بالنسبة للقارئ، إذ يراعي عرض كل جوانب منظومة صناعة التشريعات في إمارة دبي بالطريقة التي يتم بها، وكما أسلفنا القول فقد طعّمنا هذا الدليل، كلما أمكن لنا ذلك، بأمثلة عملية من التشريعات السارية في الإمارة، كما راعينا في كل أجزاء الدليل، الطابع العملي البحت الذي تتسم به الأدلة التشريعية، متجنبين عرض النظريات الفقـــهية أو أوجه الخلاف فـــي الرأي بين مختلف المدارس التشريعــية في العالم، فهذا الدليل راعى تقديم المعلومة الواضحة والدقيقة على نحو يجعلها صالحة للاستخدام والتطبيق مباشرة في الواقع العملي».

محتويات الدليل

وأشار إلى أنه تم تقسيم الدليل لعناوين رئيسة ترتبط بصياغة التشريعات في إمارة دبي، بدءاً من مرحلة بلورة فكرة التشريع، مروراً بإعداده وصياغته، وانتهاءً بإصداره ونشره في الجريدة الرسمية، ومن أهم العناوين الرئيسة التي يتضمنها الدليل: «مراحل تطور العمل التشريعي في إمارة دبي، دور التشريعات في الإمارة في دعم مسيرة التطور والبناء فيها، الاختصاص التشريعي المقرر لإمارة دبي بموجب دستور دولة الإمارات العربية المتحدة، سواءً كانت تشريعات أساسية أم تنفيذية أم تكميلية، تحديد الركائز التي تقوم عليها الصناعة التشريعية، وبيان القواعد الحاكمة لصناعة التشريعات، واستعراض اختصاصات اللجنة العليا للتشريعات في مجال التشريعات المحلية، واستعراض المتطلبات العامة والخاصة لإعداد التشريعات، الأجندة التشريعية السنوية، الأصول الفنية الواجب مراعاتها عند صياغة التشريعات المحلية، صور الصياغة التشريعية، العلاقة بين اللغة العربية والتشريع، مشكلات الصياغة التشريعية، الشروط الواجب اتباعها عند القيام بالصياغة التشريعية، سمات الصائغ الجيد والتشريع الجيد، بناء النص التشريعي، التدرج الهرمي للتشريعات، الأدوات التشريعيّة المعتمدة في الإمارة والسلطة المختصة باعتمادها، معايير تحديد الأدوات التشريعية «قوانين ــ مراسيم ــ أوامر ــ أنظمة ــ قرارات»، الهيكل التشريعي، والأمثلة والتطبيقات العملية على هذا الهيكل، ضوابط صياغة التشريعات الفرعية والتشريعات المعدّلة، والتشريعات الجزائية، والتعبير اللغوي في الصياغة التشريعية، وإعداد المذكرة الإيضاحية».

جودة التشريعات

وبين محمد صلاح العطيوي أنه لم يعد بمقدور أي دولة، في ظل التنوع اللامتناهي في جوانب السلوك الإنساني، وتشعب مناحي الحياة في العديد من المجالات شديدة التعقيد والتقدم، أن تضمن جودة ما يصدر عنها من تشريعات، من غير أن تقوم بإرساء نظام واضح يعتمد آلية علمية على درجة عالية من الدقة، من شأنها أن تؤدي إلى جودة تشريعاتها، وتحقيقها للأهداف والغايات المرجوّة منها، فالتحديات التي تواجه العاملين في مجال إعداد مشروعات التشريعات وصياغتها، أضحت كبيرة ومتنامية يوماً بعد يوم، كأثر مترتب لما أصبحت تتسم به الأنشطة البشرية من تنوع واسع، وتخصص دقيق في كل المجالات.

حقائق

وأضاف: «لقد انتبهت العديد من الدول إلى هذه الحقيقة، فأدركت أن مهمة من يعمل في هذا المجال أضحى عمله أكبر تعقيداً وأكثر صعوبة، من أن يترك هذا العمل لمجرد مهاراته وخبراته الشخصية، مهما تميزت هذه المهارات وتنوعت تلك الخبرات، لأجل ذلك قامت تلك الدول بإصدار ما يسمى «الدليل التشريعي»، باعتباره مرشداً لكل من يحترف العمل في مجال إعداد وصياغة التشريعات، وقد أقدمت تلك الدول على هذه الخطوة، إيماناً منها بأن العمل في هذا المجال الدقيق فائق الأهمية، وأنه لا بد أن يتسم بالمؤسسية، والمنهجية العلمية، الذي يقوم على اعتماد آليات محكمة، وواضحة، ومحددة المراحل والخطوات، وذلك لتضمن جودة التشريعات التي تصدرها، وتتدارك السلبيات التي يمكن أن تنجم عنها».

متطلبات

وأشار إلى أن هناك متطلبات أساسية لا بد من توفرها لصياغة التشريع، ولعل من أهمها:«وجود جهة مركزية متخصصة في صياغة التشريعات، تعنى ببناء القواعد القانونية وصياغتها، وذلك لضمان سلامة العملية التشريعية من حيث الضبط والصياغة، وهذه الجهة موجودة في إمارة دبي، ممثلة في اللجنة العليا للتشريعات المنشأة بموجب المرسوم رقم «23» لسنة 2014 الصادر عن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء، رعاه الله، بصفته حاكماً لإمارة دبي.

ثم توفر كادر بشري مؤهل قادر على النهوض بالعملية التشريعية على الوجه الذي يضمن الإسهام في بناء النظام القانوني بصورته المرغوبة، ويحقق الاستقرار في الخدمات المقدمة بفعالية وتميز، والكادر المطلوب لهذه الغاية هو الذي يمتلك التأهيل العلمي والاحتراف المهني القائم على تجربة طويلة، ومعرفة واعية بفقه التشريع وأصوله، ومصادر التشريع والثقافة القانونية السائدة في البيئة المحيطة، ويمتلك فنون التحليل والكتابة، وهذا الكادر متوفر في دبي من خلال المستشارين القانونيين الذين تزخر بهم الجهات الحكومية في الإمارة، بمن فيهم مستشارو الأمانة العامة للجنة العليا للتشريعات».

وكذلك وجود دراسة دقيقة للموضوع الذي سيتناوله التشريع، وتحديد واضح لأسبابه الموجبة، ومادة فنيّة تشكّل الهيكل الأولي له، فضلاً عن وجود أصول ومنهجيات تحكم عملية الصناعة التشريعية، تضمن جودة العمل التشريعي، وتحقيق التشريع للأهداف والغايات المرجوّة منه، فصياغة التشريع تتطلب مراعاة العديد من الاعتبارات، أهمها، تحديد ماهية التشريع وأغراضه وبيان الأهداف المراد تحقيقها منه، وتحديد العلاقة بين التشريع المقترح والتشريعات السارية، وذلك لضمان أن تكون نصوصه منسجمة مع النصوص ذات الصلة في تلك التشريعات، وكذلك تحديد الأداة التشريعية المراد إعدادها، إضافة إلى وضع مسودة تشريع ذات بُنية منطقية ومفهومة، وملبية للأغراض المرجوّة، وضبط محتوى النص من حيث الدقة والوضوح، كما تتضمن هذه الاعتبارات بناء المواضيع التي سيتم معالجتها في التشريع المقترح بطريقة يراعى فيها الترابط بين التشريعات السارية والتشريع المقترح، بهدف تلافي أي تداخل أو تعارض معها، إلى جانب المحافظة على أسلوب ولغة واحدة للتشريع المقترح، فأسلوب الصياغة له أهمية كبيرة في تحويل مواد التشريع إلى مجموعة متماسكة من القواعد المنسجمة غير المتعارضة التي يسهل استخلاص الأحكام القانونية منها على الوجه الذي ينسجم مع أغراض التشريع، كما يجب أن تكون لغة التشريع سليمة وواضحة وصياغته بسيطة وموجزة، وأن تكون عباراته ذات دلالة قاطعة على المعنى المقصود منها بعيدة عن الغموض والإبهام، ويجب تجنب استخدام عبارات أو مصطلحات غير مفهومة أو غامضة أو متعارضة، علاوة على ضبط التعريفات وذلك بتخصيص المعاني الدقيقة التي يرمي التشريع إلى فهم دلالة الكلمة أو العبارة منها.

تنظيم المجتمع

وأوضح: «أن التشريع يسمح للمجتمع أن يختار مستقبله، فهو مصنوع دائماً في الماضي من أجل تطبيقه في الحاضر حتى يأخذ المجتمع شكلاً ما في المستقبل، ويُنظر إلى التشريع على أنه أداة فاعلة في تنظيم المجتمع، ووسيلة هامة لتحقيق الرفاهية والنمو والاستقرار له، وذلك من خلال ضبطه لسلوك الأفراد وحماية حقوقهم، وتنظيم القطاعات الحيوية، وإنشاء المرافق العامة القائمة على إدارة تلك القطاعات وحمايتها وضمان ديمومتها واستمرارها، وكذلك تنظيم حصول الأفراد على الخدمات التي تقدمها تلك المرافق بعدالة ومساواة. فالتشريع وفقاً لهذه النظرة يعتبر بحق المرآة التي تظهر مدى التطور الذي يشهده المجتمع، ويعكس الأهداف والخطط الاستراتيجية للدول وبرامجها الاقتصادية والاجتماعية.

ولكي يحقق التشريع هذه الغايات، فإن صياغته يجب أن ينظر إليها على أنها فن لا بد لتمام معرفته من دراسة مستفيضة وتجربة طويلة، فمن يمارس هذا العمل يجب أن تكون لديه مقدرة كبيرة من العلم والمعرفة في علم القانون وأصوله، عارفاً بتاريخ القانون وتطوره، مدركاً ظروف الزمان والمكان والبيئة التي نشأت فيها القواعد القانونية السابقة، قادراً على التفرع منها إلى الأصول التي هو راغب أو مكلّف بوضع حلول لها على شكل قاعدة قانونية من صفاتها العموم والتجريد والإلزام».

 

دبلوم مهني للصياغة التشريعية في دبي قريباً

قال المستشار محمد صلاح العطيوي: «إن الدليل بما يتضمنه من محاور وتطبيقات عملية، يعكس بحق مدى تقدم الصناعة التشريعية في إمارة دبي، ويظهر مدى الدور الذي تقوم به اللجنة العليا للتشريعات في هذه الصناعة، وحتى يكون هذا الدليل مواكباً على الدوام لتطلعات قيادتنا الرشيدة، فإنه سيتم مراجعته بشكل دوري للتحسين والتطوير والتحديث عليه، وحتى لا يكون هذا الدليل حبيس السطور، وحتى يتم تفعيل ما ورد فيه وتحقيق الاستفادة القصوى منه، فإنه سيكون بما يتضمنه من أصول وإجراءات وقواعد، نواة لبرنامج تدريبي مهني سوف تتبناه اللجنة العليا للتشريعات في القريب العاجل، بمسمى «الدبلوم المهني للصياغة التشريعية في إمارة دبي»، سيتم تنفيذه مع إحدى المؤسسات الأكاديمية والتدريبية في إمارة دبي، ليجمع ما بين الإطار النظري والإطار العملي للصناعة التشريعية في إمارة دبي».

مساهمة فاعلة

وأضاف: «إن الأمل كبير بأن يكون لهذا الدليل أثر كبير ومساهمة فاعلة في تحقيق المزيد من الإنجازات النوعية على صعيد الارتقاء بالمنظومة التشريعية والقانونية لإمارة دبي، وعاكس لرؤية اللجنة العليا للتشريعات في «صناعة تشريعات تواكب العصر وتحاكي المستقبل»، والتي تتوافق مع المحاور الرئيسة التي ترتكز إليها الأهداف الاستراتيجية لإمارة دبي، المتمثّلة في توفير تشريعات مستدامة ومتوازنة، وضمان التطبيق الأمثل للتشريعات السارية، وتعزيز الثقافة التشريعية، وخلق بيئة مؤسسية متميزة، مدعومةً بمشاريع نوعية لتطوير التشريعات ذات الصلة بمختلف المجالات المؤثرة في مسيرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بما فيها الطيران والفضاء والمدن الذكية والابتكار وإدارة الموارد الحكومية المالية والمادية والتقنية والبشرية، وبناء حكومة المستقبل، وبما يحقق السعادة للمواطنين والمقيمين، من خلال أدوات ومشاريع ونظم مبتكرة، تحقق الاستدامة، وتقوم على التسامح، وإطلاق الطاقات الكامنة للشباب».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات