تناغم قدرة شعرية ورسائل أدبية بليغة

يهوى الشعراء النبطيون التعبير في كثير من مناسباتهم بالشعر، حيث العبارة رسالة أدبية بليغة الصياغة والمعنى، تعبر عن نظرة الشاعر وتنقل أحاسيسه ومشاعره.

وهي لا شك أعلى درجة وأبلغ في إيصال المضمون والمعنى من مجرد الرسائل النثرية، لأن الشعر قمة التعبير ووجدان القول وغاية البلاغة لدى العربي، فالمتعاطون بلسان الشعر في المجتمعات قلة بالنسبة إلى جموع الناثرين، ودائرة الشعراء في الحياة تضيق بحيث يكون عدد الشعراء أقل من غيرهم من الناثرين، ولأن العربي يولي الشعر بالغ اهتماماته وتفاعله الوجداني، وذلك ما لا يتسع له كثير من التعبير النثري، لما للشعر من أهمية ودور كبير في حياته، خاصة الإنسان البدوي الذي يتفاعل مع الشعر بفطرته وسليقته البدوية، إذ يحوز الشعر اهتمامه وتفاعله الكبيرين.

صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي رعاه الله، شاعر نبطي مفطور على قول الشعر سليقة، ونتاج سموه غزير في كثير من أغراضه ومضامينه، وعادة ما يُسخِّر سموه شعره لخدمة كثير من مناسباته وقضايا أمته..

وهذه إحدى المناسبات المهمة، إذ دعا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ملك المملكة العربية السعودية، سموه إلى حضور سباق القدرة للخيول بالسعودية، فلبّى الدعوة شاكراً، وكان من نتيجتها وأثرها هذه القصيدة الجميلة المتميزة التي نحن بصدد دراستها..

يبدأ الشاعر قصيدته بهذا البيت:

طـابـتْ لأغـاني وابـتدىَ عـزفْ الألـحانْ

وتـبـسِّـمَتْ حــلـوَهْ سـحـرنـي هـدَبـهـاَ

بمعنى أنه طابت لذوق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الحفلة المقامة بهذه المناسبة المشتملة على الأغاني الجميلة ونغم الألحان الرائع، بحيث تراءت لسموه من خلال هذه الغلالة غادة جميلة تبسمت له وسحرته أهداب عيونها، وتلك الصورة التي افتتح بها سموه رائعته الشعرية، إما أن تكون حقيقة واقعة نقل صورة مشهدها للقارئ فقال: (وتبسمت حلوه).

لأن البسمة من أسباب جمال الفتاة، ونسب هذه البسمة إلى وصف الفتاة بها وليس إلى ذاتها، فلم يقل تبسمت فتاة حلوة، لأنه عندما قال تبسمت حلوة علم من ذلك بالضرورة أنها فتاة، وأغنى الوصف عن ذكر الموصوف (سحرني هدبها)، وهذا وصف ثالث لهذه الفتاة، الأول البسمة، والثاني كونها حلوة، والثالث سحر أهدابها، لأن من مسببات السحر جمال الأهداب التي سحرته بها، فالبسمة تأتي هنا لجمال الوجه أو الأسنان.

والحلاوة لذات الفتاة، حيث لم يقصر سموه الجمال في هذه المفردة على جزء معين منها، وإنما أطلقه عليها كلها وذكره إجمالاً كما وصفها بقوله: (وسحرني هدبها) أي لما في هذه الأهداب من الجمال الذي يصل إلى درجة السحر..

الأمر الثاني أنه ربما يكون هذا البيت مجرد صورة خيالية في ذهن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، أراد أن يوظفها في مشهد افتتاح قصيدته ليس إلا، لينطلق سموه بعدها إلى أغراضه في هذه القصيدة، وكلا الأمرين وارد هنا، يعلم ذلك من حضر هذه المناسبة أو من سأل عن ذلك صاحب السمو الشيخ محمد..

طـابـتْ لأغـاني

يفهم من ذلك أن الحفلة لم تكن قصيرة، بحيث عبّر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عنها بصيغة الجمع، وما يستغرقه ذلك من وقت ليس بالقصير، ويقف المتمعن في ذلك على راحة سموه وانسجامه مع ما يراه ويسمعه من هذا الطرب المتأتي له في هذه الحفلة.

حيث يفهم ذلك من قول سموه (وابتدى عزف الالحان)، أي أنه رغم طول الوقت لهذه الأغاني، فإنها لدى سموه كأنها بداية هذه الألحان المعزوفة الجميلة.. (وتبسمت حلوه) أي أن هذا الجميلة كانت متبسمة وقت أن رآها، ونقل صورتها على هذا النحو من التبسم.

ولم يذكر تفصيلاً لذلك، فهل كانت متبسمة له أو لغيره أو لسبب آخر.. ويبيّن سموه في وصف الشاعر أن الفتاة كانت على درجة من جمال الأهداب التي عادة ما يعبر بها عن جمال العيون؛ لأن وصف الهدب ليس مقصوداً لذاته، وقد أوصل الشاعر الأهداب إلى درجة أن بها جمالاً سحر لبَّه، وذلك ما لم يمكن أن يكون للأهداب وحدها.

إنْ صـاغـوْا الـفـضَّهْ هَـلْ الـشِّعْرْ بـأوزانْ

فــانــا أصـــوغْ مـــنْ الـمـعـاني ذَهَـبْـهـا

وهنا دخل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم إلى موضوع غرضه في القصيدة، إذ يقارن ويقيس بين شعره وشعر غيره، فيقول: إذا صاغ الشعراء أوزانهم أي قصائدهم، وعادة ما يعبر بالأوزان عن القصائد، صاغوها من فضة وهو معدن نفيس ولم يقصد سموه بهم الشعراء العاديين، ولكنه وصفهم بأنهم أهل الشعر وهم متقنوه ومجودوه، فإنه يتفوق عليهم بأن يصوغ قصائده من الذهب الخالص.

وهو لا شك أنفس من الفضة وأغلى منها، بحيث تأتي الفضة في درجة أقل بكثير، فيقول سموه (فانا أصوغ من المعنى ذهبها) أي من دقة المعاني ونفاستها وجمالها، وعبر عن النظم وكتابة القصائد بالصياغة، فالصياغة تشتمل النظم والكتابة كما تناسب الفضة والذهب، لأن تعدينهما يكون عن طريق صياغتهما أيضاً، لذلك استعمل سموه هذه المفردة لتغطي وتخدم المعنيين معاً، وذلك راجع إلى شيء من قدرة الشاعر وتمكنه اللغوي.

وآزيِّـــــنْ الــمـعـنـىَ ولا أبــنـيـهْ بــنـيـانْ

وآبـــلِّـــغ الــغــايِــهْ لــعــالـي سِــحِـبْـهـا

وإنْ كانْ قالوا الشِّعرْ منْ نَفثْ شيطانْ

فـــأنــا شــيـاطـيـنْ الــقـصـيـدْ آغَــلِـبـهـا

وذكر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم المعاني في البيت السابق مجردة من أي نسبة إليها أو وصف لها، وحتى لا يتوهم القارئ بأنها معان عادية وغير متميزة، فقال سموه هنا في هذا البيت: (أزين المعنى) أي آتي بالمعاني الجميلة المزينة لتلفت نظر القارئ (ولا أبنيه بنيان)، بحيث يضع حجراً على حجر دون أن ينقشه ويزخرفه، فهذا ما يناسب إطلاقه وصف بنيان عليه.

. ويضفي على شعره وصفاً مميزاً يعلي من جانب هذا الشعر، أي أن سموه يجعله بهذه الصياغة يصل إلى أبعد غاية، بحيث يصل إلى أعالي السحب، وذلك لبيان تميزه وتفرّده بالوصول إلى قمّة لا يصل إليها غيره من الشعراء..

وعادة ما ينسب العرب قول الشعر لدى الشعراء إلى شيطان الشعر لدى كل شاعر، بحيث يكون لدى كل شاعر شيطان خاص به يوحي له بهذا الشعر، لإعطائه شيئاً من التميز والجودة بحيث يجعلون الشعر من نظم الشيطان الذي يقدر على الإتيان بأشياء لا يقدر عليها الإنسي..

وهنا ينفي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد عن نفسه هذه المقولة، بحيث ينسب الشعر إليه وحده دون أي شيطان متوهم من تلك الشياطين التي يقولون إنها تنفث في روع الشعراء، فهو لديه من القوة والتمكن ما يصرع ويغلب تلك الشياطين، بحيث تخلو الساحة لسموه وحده في قول شعره دون تأثير أي شيطان مزعوم.

ولم يشأ أن ينفي ذلك فقط عن نفسه، وإنما أحاط نفسه بدرجة من القوة بأن سموه يغلب هذه الشياطين المزعومة، ولم يشر هنا إلى جميع الشياطين، وإنما ذكر منهم شياطين الشعر فقط، لأن سموه يتحدث عن مقولة إن الشياطين توحي بالشعر للشاعر، لذلك ذكر هنا هؤلاء الشياطين المختصين بهذا الشأن فقط.

حـــاشــا وكـــــلاَّ مــالـهـا عــنــدي آذانْ

وتـقـرانيْ أهــلْ الـكِـتْبْ مـا أقـرا كِـتِبْها

ويشدد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نفي ذلك عنه بثلاث مفردات، وذلك للإمعان في هذا النفي ورفض هذه المقولة (حاشا وكلا ومالها) أي أنه لا يُصغي إلى شيء من ذلك ولا يعطي سمعه لمثل هذا الذي يقوله الناس عن الشياطين.

ويتميز الشاعر في فنه وثقافته الشعراء بحيث جعل أهل الكتب أي مؤلفيها وكاتبيها أو قارئيها يقرؤون له ويستفيدون منه، لكنه ظل مستغنياً عنهم له من واسع ثقافته وعلمه وفنه ما لا يدعوه إلى قراءة كتب غيره، أي أنه يريد أن يقول إنه أوسع ثقافة منهم فلا يحتاج إليهم في شيء، فهذا من باب الثقة بالنفس والاعتداد بمستواها..

(وتقراني اهل الكتب) أي ليس الناس العاديين وإنما أهل الفن والاختصاص من المثقفين، وهذا أبلغ في الاعتداد بالنفس وثقافتها.. (ما اقرا كتبها) أي أنه نفى عن نفسه نفياً مطلقاً أن يكون قد قرأ لهؤلاء؛ لأنه أعلى درجة منهم.. وهنا انتهى سموه من ذكر الأوصاف التي أضفاها على نفسه من ناحية تمكنه من فنه الشعري ومن ثقافته الواسعة والتفت بشيء كبير من الثقة إلى الحديث عن خبرته، وذلك ما عبر عنه في هذا البيت:

رزتْ الــزِّمَـنْ وأدري تـصـاريـفْ الأزمـــانْ

وآعـــــرفْ دقَّـــــاتْ الــقـلـوبْ وعِـجَـبْـهـا

ويذكر سموه هنا أنه صاحب خبرة كبيرة ومتمكنة في أغراضها وفنونها، بحيث أجاد كل ذلك إجادة أعطته هذه الخبرة العميقة (ورزت الزمان) أي خبرته وفهمت أسراره، كمن يحمل شيئاً ليعرف وزنه وثقله..

(وادري تصاريف الأزمان) استعمل سموه هنا مفردة أدري وهي أبلغ في معنى المعرفة، فالدراية هي الإحاطة بتفاصيل الشيء بحيث يعرف عنه كثيراً من التفاصيل تجعله خبيراً فيه.. (وادري تصاريف الأزمان) أي أعرف معرفة كاملة ودقيقة وشاملة عن حوادث الأزمان، ولم يشأ سموه أن يجعله زمناً واحداً وإنما أزماناً حسب مراحل العمر.. فكل مرحلة تعبِّر عن زمن ما من هذه الأزمان (تصاريف) .

ولم يقل سموه تصريف، وإنما جمعها لتشمل هذا الكم الكثير من التصاريف أي الحوادث والخطوب والتجارب، حتى إنه يعلم بتلك الخبرة تفاصيل دقات القلوب وعادة ما تكون هذه النبضات مخفية لا يطلع عليها غير أصحابها، لكن الشاعر لطول خبرته في أمور الحياة جعل نفسه صاحب خبرة في نبضات القلوب وأسرارها.

حب الخيل

وبعد أن انتهى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم من وصف نفسه بتلك الأوصاف التي مرت بنا في ثقافته وفي خبرته، يذكر في هذا البيت حبه للخيل وغلاها عنده فيقول:

ولـلخيلْ عـندي شـوقْ يـجري بشريانْ

الــلّٰــهْ غــلاهـا فـــي ضـمـيـري وهَـبْـهـا

أي أن سموه يحب الخيل، وله فيها شوق عتي بلغ به أن يسري دفق في شرايينه، كما قال، بمعنى أنه تغلغل في داخله وسيطر على دمه، ويجعل سموه ذلك الحب للخيل هدية له من الله تعالى الذي خلق فيه هذا الحب الدفاق لها، فهو لا يد له في هذا الذي يشعر به في أعماقه من حب سموه للخيل، لأنه من الله تعالى، وليس له دخل فيه، وهنا يقف القول حين يجعل هذا الحب منحة من الله وهبة منه.

وسـاعَـةْ دعـانا حـاكمْ الـوَقتْ سـلمانْ

ودايـــــــمْ تـــرانـــا دعْـــوتِـــهْ نــرتـقِـبْـهـا

(حاكم الوقت سلمان) أي حاكم العصر، أي أنه لا يحكم بلداً فقط وإنما هو حاكم زمانه كله، أي المتفرد بين ملوك الأرض وحكامها بحيث يجعله وحيداً بينهم، إذ نسب إليه بأنه حاكم الوقت.. يقول سموه حين دعانا حاكم الوقت سلمان إلى هذا السباق لبَّينا دعوته مسرعين؛ لأننا دائماً ما نلبي دعواته وليس مجرد تلبية الدعوة فقط، وإنما كان يترقبها دائماً فإذا أتت لبَّاها عن طيب خاطر ومودة.

دعـوَةْ مـلِكْ لـهْ في سما العزْ سلطانْ

قـــلــوبــنــا بـــغـــالــي ودادِهْ نَــهَــبْــهــا

هي دعوة موجهة إلى سموه ليس من إنسان عادي يكون للشاعر الخيار في الاعتذار عنها أو قبولها، وإنما هي دعوة ملك مقدرة ومحترمة، هذا الملك الذي يصفه سموه بأنه (في سما العز سلطان)، أي ذو أمر ونهي وسلطة واقتدار، أي ملك له خصائص واسعة من الملك.

ولم يشأ سموه أن يقول (له سلطان فقط)، ولكن نسبه إلى سماء العز أي الرفعة والمكانة العالية التي تصل به إلى السماء وأي سماء إنها سماء الكرامة والعز.. ويصفه سموه بأنه أسر قلبه وقلوب غيره، حيث جمعها معاً فقال: (قلوبنا بغالي وداده نهبها) أي أسرها بوده الغالي وحبه المستفيض بحيث صور ذلك بأنه نهب للقلوب.

شـيخْ الـشيوخْ الـلِّي شبيهِهْ فما كانْ

مــاتـغـلِـبِـهْ حـــاجِــهْ إذا هـــــوُ رَغَــبْــهـا

ويستمر سموه في إضفاء الأوصاف على الملك سلمان، وهنا يصفه بأنه ليس شيخاً وإنما شيخ الشيوخ جميعاً، أي زعيم كل الشيوخ والملوك الذي ليس له من شبيه يشبهه ويقاربه في خصاله.

ويفهم من هذه الخصال أنها خصال البر والخير والعطف واللين والرفق، لأنه قابلها في الشطر الثاني في قوله (ما تغلبه حاجه إذا هوه رغبها) أي أنه قوي عزيز الجانب إذا أراد حاجة، فليس بمقدور أحد أن يمنعه من الوصول إليها إذا كانت له رغبة فيها، إذ إنها تسهل عليه مهما كان جانبها.

لـــهْ عـنـدنا مـقـدارْ عـالـي ولــه شــان

وجــيــنـا نــلـبـي دعــوتــه وإنـحـسـبـها

إلى هنا انتهى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم من ذكر وصف الملك سلمان، وبدأ في الحديث عن السباق الذي حضره وخصص هذه القصيدة له.. ويذكر الشاعر أن للملك سلمان عنده مقاماً كبيراً ومنزلة عالية وشأناً متميزاً، ولا شك في ذلك فسموه ممن يجلُّون الملك سلمان ويعرف له فضله وقدره، وينزله منزلته التي يصفها بأنها عالية (مقدار عالي).

لذلك فإن الشاعر جاء مسرعاً لتلبية هذه الدعوة الكريمة من أخيه الملك، ليس أنه لبَّاها فقط، وإنما كان يترقبها ويحسب وقت قدومها ليلبيها، وهذا أبلغ في معنى الاستجابة السريعة للدعوة (نلبي دعوته)، أي الموافقة عليها، ولكن سموه استعمل مفردة تلبية، وهي أبلغ في الوصف وتصوير الموافقة والاستجابة؛ لأنها تعطي معنى شعورياً ووجدانياً إضافياً على مجرد الموافقة.

ســـبــاق لــلـقـدره لــخـيـل وفــرســان

وريــس الـعـلا فـرصـه لـمـن هــو لـعبها

ويبين سموه في هذا البيت سبب الدعوة بأنها لحضور سباق الخيل بالسعودية (سباق القدرة) أي يتسابق فيه الفرسان على ظهر الخيول في ميدان هذا السباق.. ووصف الشاعر هذا السباق بـ«الريس»، وهي كلمة دارجة في الخليج إلى وقت قريب، فكأن الشاعر أراد إحياء هذه المفردة هنا ليعطي لها صك استعمال لغوي خاص بها.

ووصف هذا «الريس» بالعلا أي العالي الرفيع (وريس العلا) تقديراً منه لهذا السباق القوي الذي يرى سموه أنه فرصة مواتية للاعبين فيه أي المتسابقين الذين يطمحون إلى الفوز بالمراكز الأولى.

وتـجـمـعـت لــخـيـار مــــن ذات لــعـنـان

تـــجــري بــنـامـوس ولا حــــد ضــربـهـا

يصف سموه مشهد تجمع الخيول ويطلق عليها لقب (ذات العنان) أي الذي يشكم به جموحها، لكن يُرخى لها هذا العنان في السباق لتنطلق بسرعة فائقة (تجري بناموس ولا حد ضربها)، أي أنها تركض برغبة وحب وتفاعل، وهو ما يعبر عنه بالناموس أي بمزاج جميل، ولا تحتاج إلى ضرب بعصا؛ لأنها تنساب بحب وتركض بشوق فلا داعي لضربها.

ســبــاق قــــدره لـــه لـهـايـب ودخـــان

فـي نـفوس من ساس الخيول وركبها

ويضفي على هذا السباق وصف لهايب ودخان، وسموه هنا ينقل صورة لهذا السباق بأن حوافر الخيل تؤدي إلى تطاير الغبار والأتربة من تحت أرجلها الراكضة، فكأن هذا الغبار والتراب المتطاير في صورته كاللهب والدخان، وهي صورة أخاذة وجميلة، ومعبرة عن ذلك المشهد وقت تنافس الخيول، ويعرف مدى مصداقية هذا الوصف أهل الخيول المتمرسين فيها من ملاك ومدربين ومعتنين ومتسابقين؛ لأن هؤلاء هم أهل الخبرة في الخيول.

فوز

ولــنــا تــبــدى الــفــوز ظــاهـر بـعـنـوان

ومــاكــل مــــن راد الـمـعـالي كـسـبـها

صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، حين ينظر إلى السباق، فإنه يرى من خبرته الطويلة في الخيل وسباقاتها دلائل الفوز لبعض المتسابقين يقول سموه: (ولنا تبدى الفوز ظاهر بعنوان)، أي واضح لديه وضوح الشمس في رابعة النهار، لخبرته وطول ممارسته لسباق الخيول، فلا مجال إلا أن يعرف من سيكون الفائز أو الفائزين قبل فترة من نهاية السباق.

ويذكر سموه أنه ليس كل من دخل السباق قادراً على أن يفوز فيه، ويعبّر عن ذلك تعبيراً جميلاً (وما كل من راد المعاني كسبها)، أي ليس كل من أراد البطولات والمعاني الطيبة كسبها، وحصل عليها، لأنه لا بد من إعداد وتدريب وعمل متواصل حتى يستحق ذلك، ويعبّر سموه في البيت التالي عن ذلك بشيء من التفصيل، لما أورده من إجمال في هذا البيت السابق فيقول:

إلا بــصــبـر وعـــــزم وإصـــــرار وإيــمــان

ونــفــوس تــتـحـدى صــعـايـب صـعـبـها

حين يطمح المتسابق إلى الحصول على مركز متقدم في السباق، لا بد أن يتحلى بالصبر والإصرار والإيمان بتحقيق الهدف، أي العزيمة الثابتة.

ويذكر سموه في الشطر الثاني أنه لا بد من أن تكون نفوس الطامحين للفوز بها على شيء كبير من قبول التحدي ومقارعة الصعاب مهما كانت لا تلين عزيمتهم، ولا يهدأ بالهم، وهذه من مقومات ومسببات الفوز في يقين الشاعر الخبير في هذا المجال الذي يعد سموه من أهم صانعيه وعارفيه ومن أكبر ملاك الخيول فيه.

نــلـنـا الــشــرف وآقـــدر بــكـل عــرفـان

أخــــويـــه مــحــمــد ونــــــاس نــدبــهــا

يقول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم: نلنا الشرف بهذه الدعوة وحضور هذا السباق المهم والمشاركة فيه.

ويقدر سموه بكل عرفان أخاه سمو الأمير محمد بن سلمان، والناس الذين ندبهم لمرافقة وخدمة سموه في حضوره هذا السباق، فهو بقدر ما يثني على سمو الأمير ويقر له بكل عرفان بهذا الجميل، فإنه لا ينسى أيضاً أن يذكر معه الناس الذين قدموا له خدمة ورافقوا سموه واعتنوا بمشاركته، وهذا من طيب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، وحسن أخلاقه ورقي معاملته.

بـــــه الـسـعـوديـة لــهــا زاد حــسـبـان

وفـــوق الــصـداره تـقـدمت فــي رتـبـها

هذا السباق مهم جداً في نظر سموه، وتحققت للسعودية فيه زيادة حساب لها بين الشعوب والدول، وفوق أنها مملكة متصدرة للدول من حولها لإمكانياتها ووضعها الديني والمعنوي، فإنها تقدمت في هذا السباق الكبير برتبتها فيه.

مـاقـصـروا فـــي شـــي ربـــع وإخـــوان

وديــــرة هــــل الـعـوجـا أهـلـنـا عـربـهـا

ويثني سموه على ربعه وإخوانه من السعودية، ويذكر أنهم لم يقصروا معه في شيء أبداً، لأن أهل «العوجا» كما يذكر سموه، أهله دون أدنى مراء في ذلك، و«أهل العوجا» هو اللقب الذي يطلق على أهل السعودية ويرتاحون له.

قصيدة جميلة ذات خصائص ومميزات في الصياغة والمعنى والمضمون، أبانت عن مكانة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ودفق لغته الشعرية المتميزة التي ظهرت بجلاء في هذه القصيدة التي يبين فيها الود والمحبة للسعوديه وشعبها وقيادتها ولا شك فإن لحمة البلدين بلغت ذروتها في الوقت الحاضر بحيث يرى الرائي مدى التقارب بينهما.

والتنسيق الإيجابي في كثير من مجالات الحياة لمصلحة وخير الشعبين.. ولا شك أن سموه بقدرته الشعرية ومكانته الأدبية متخصص في أن ينتج مثل هذه الدرر الأدبية الكريمة، وإن كانت المناسبة في هذه القصيدة رياضية بحتة.

زيارة

وزرنــــا مــدايــن صــالـح الــلـي بقرآن

الله ذكـــــر ســبـحـانـه أنـــــه عــطـبـهـا

ولا ينسى سموه أن يذكر في قصيدته زيارته لمدائن صالح، هذه الديار التي نزل بها ذكر في القرآن العظيم، وبيَّنت آياته أن الله تعالى أعطبها وخربها جزاء كفر أهلها، وذلك ما يبين عن ثقافة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد الإيمانية، بحيث ذكر ذلك عن مدائن صالح، وأشار إلى أن ذكرهم ورد في آيات القرآن.

تــاريــخ حــافــل مـــا بـحـاجـة لـبـرهـان

مــــن الـلـيـالـي عــبـرت عـــن عـجـبـها

ويذكر سموه أن تاريخ هذه المدائن حافل وليس بحاجة إلى برهان، حيث يكفي هذه الآثار العظيمة التي تدل على هذا التاريخ الضارب في القدم، والذي توالت عليه الليالي وهو لا يزال قائماً يطاول الأيام وكر السنين والحقب.

الله يــديــم الــــود ويــديــم الإحــســان

وتــحـيـا الـسـعـوديـة ويــحـيـا شـعـبـهـا

ويختتمها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم رائعته الشعرية بالدعاء بأن يديم الله تعالى الود والإحسان على شعب وقيادة المملكة والإمارات، ويحيي السعودية وشعبها في خاتمة جميلة لهذه الأيقونة الشعرية المتميزة.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات