الأفق الجديد لدبيّ.. قراءة في وثيقة الخمسين

هذه هي المدوّنةُ الثانية التي تلطّف صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبيّ، رعاه الله، بكتابتها خلال هذين اليومين بمناسبة احتفاء البلاد بالسنة الخمسين لتوليه أولى مسؤولياته في خدمة الوطن.

حيث كتب سموه تدوينة (المبادئ الثمانية لدبي) التي جاءت ترسيخاً لمفهوم المدينة الحديثة التي تنهض فيها الحياة على مجموعة واضحة من المبادئ والمعايير التي تضمن الحقوق وتتكفل بإنجاز نظرية التقدم، وتضع الحدود الفاصلة بين المسؤوليات، وتؤكد أنّ دبيّ ماضية في طريق التحديث والإنجاز ضمن رؤية عصرية تليق بالإنسان النشيط المبدع، وتستخرج أفضل ما فيه من المواهب والإمكانيات.

وجاءت (وثيقة الخمسين) لتشكل نموذجاً من تكامل الرؤية الحضارية لصاحب السمو الشيخ محمّد بن راشد والذي مضى على تمرّسه بالحكم وفنون الإدارة وإبداع المنجزات خمسون عاماً هي ثمرة عمره السعيد المديد الذي منحه بكل الحب والامتنان لبلاده التي أحبته وافتخرت به أميراً، وشاعراً، وفارساً وقائداً مُلهِماً يتحدى الصعاب.

ويشتق رؤيته الخاصة للتقدم والتحديث من وحي خبرته العميقة وبصيرته المستنيرة وفريقه الموهوب الذي اختاره واختبره، وأنجز معه أروع إنجازات دبيّ التي تنظر إلى أفق بعيد يذكرنا بتلك المدن العالمية الكبرى في التاريخ القديم حين كانوا يشيرون إلى أهميتها الحضارية الكبرى بكونها طريقاً للحرير، ذلكم الطريق الأسطوري الذي كان يربط الشرق بالغرب من أقصى الصين إلى أنطاكية وشمال أفريقيا، ويمرّ بالحواضر الزاهرة مثل سمرقند وبُخارى وجُدّة والبندقية وغيرها من المدائن التي احتضنت النشاط الاقتصادي في التاريخ القديم، وظلت ملامحها خالدة عصيّة على التلاشي والنسيان.

تُحدّد وثيقة الخمسين منذ البداية الأهداف الكبرى التي تسعى إلى إنجازها من خلال ثلاثية متكاملة: تحسين جَودة الحياة، وتطوير مجتمع دبيّ، وضمان مستقبل الأجيال القادمة، لتذكرنا هذه الرؤية المتبصرة بوثيقة المبادئ الثمانية التي كانت مفتوحة على أفق الزمن لكي تضمن قيام عملية التحديث لمصلحة جميع الأجيال الحاضرة والمستقبلة.

وزيادة لتأكيد فاعلية الوثيقة يؤكد صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد على كونها وثيقة سنوية يتم تجديد مضمونها والتأكد من تحقيق أهدافها في الرابع من يناير من كل عام كي تظل الكوادر القائمة على تنفيذها متيقظة على ضرورة تحقيق جميع الأهداف المرسومة، فهي ليست وثيقة استعراضية تبجيلية احتفاء بمناسبة وطنية عزيزة بل هي وثيقة يترتب عليها الكثير من العمل والإبداع لأنّ هذا هو أجمل ما نقدمه لدبي إذا أردنا تكريمها ومواصلة تألقها وبريقها، بريق اللؤلؤة الثمينة التي يتعب الغوّاص في سبيل الوصول إليها.

وصولاً إلى الهدف البعيد الثمين الذي يطمح إليه سموه، وهو تحقيق المدينة الفاضلة التي ظلّت أُمنية الفلاسفة ولم تتحقق على الأرض، مع التأكيد على أنّ هذه الوثيقة لا تُغني عن الخطط الاستراتيجية التي تقدمها الحكومة في سعيها الحثيث للارتقاء بدبيّ التي فاجأت العالم بهذا الإيقاع السريع المتقن في التقدم والتحديث.

وقد تمّ تقسيم الوثيقة إلى تسعة بنود على النحو التالي:

البند الأول:

خطّ دُبيّ للحرير

وحين تنظر دبيّ إلى هذا الهدف العالمي فهي بذلك تنافس العواصم الكبرى التي تسعى إلى إحياء طريق الحرير القديم كالصين وروسيا، ودبي بحكم موقعها المتوسط بين الشرق والغرب والشمال والجنوب أصبحت قَدَراً يصعب تجاوزه بحسب نظرة صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ففيها أكبر مطار في العالم.

وتستقبل مليار إنسان كل عشر سنوات، وتدير 80 ميناءً حول العالم، فأصبح من حقها إنجاز طريق الحرير الخاص بها بالتعاون مع الأشقاء والأصدقاء مع التركيز على ضرورة بناء منظومة دعم دولية لتحقيق هذا الهدف الحضاري الفريد.

البند الثاني:

رسم خارطة اقتصادية جغرافية لدبيّ

ويهدف هذا البند إلى إذكاء روح التنافس الاقتصادي داخل مدينة دبيّ من خلال تقسيمها إلى مناطق اقتصادية متخصصة ومتكاملة على نحوٍ لا مركزي بحيث يكون لكل قطاعٍ جغرافي إدارته الخاصة المسؤولة عن تسويقه والمنافسة به في المناطق المشابهة له على المستوى العالمي، مع تصميم مجموعة من الأهداف المختصة بكل قطاع جغرافي على حِدَة فضلاً عن المتابعة الدقيقة لتنفيذ الخطة وتحقيق الأهداف.

البند الثالث:

إنشاء أوّل منطقة تجارية افتراضية

حيث ستقوم دبيّ بإنشاء منطقة تجارية تشتمل على فتح حسابات بنكية ومنح إقامات إلكترونية دون الحاجة إلى اشتراط الإقامة ولكن وفق أعلى الضوابط القانونية الدولية بحيث تكون البيئة الاستثمارية آمنة ومصونة الحقوق، وتتوقع وثيقة دبي استهداف مئة ألف شركة في المنطقة الافتراضية بحيث يتم تذليل جميع العقبات التي تعترض الشركات الراغبة في الاستثمار الآمن في دبيّ

البند الرابع:

تطوير ملفّ مركزي تعليمي لكل مواطن

والغايةُ من هذا البند هي وضع نظامٍ تعليمي يكتشف المواهب والقدرات الإبداعية لدى كل مواطن، وذلك بعمل ملفّ تعليمي إلكتروني يتابع رصد جميع الشهادات التي حصل عليها المواطن، والدورات التي تلقّاها، والمؤتمرات التي حضرها، منذ ولادته ثم التحاقه بالمدارس والمعاهد والجامعات، ويستمر طوالَ حياته .

وذلك لوضع خطط تعليمية تتناسب وحالة المواطن الصحية والجسدية ومهاراته الشخصية وطبيعة الوظيفة المستهدفة كي يتمكن المواطن من تطوير قدراته ومواكبة حجم التغيرات المتسارعة من حوله.

البند الخامس:

طبيب لكل مواطن

وذلك من خلال توفير الاستشارات الطبية للمواطنين على مدار الساعة وطيلة أيام الأسبوع وذلك بانخراط مئات آلاف الأطباء والأخصائيين والمستشارين من جميع بلدان العالم من خلال شركة متخصصة عبر تطبيقات الحكومة الذكية وذلك بهدف تغيير المنظومة الطبية، وتقريب الخدمة الطبية والارتقاء بالحالة الصحية للإنسان في وطنه.

البند السادس:

تحويل الجامعات لمناطق اقتصادية وإبداعية حرّة

والهدف من هذا البند تغيير الوظيفة الروتينية للجامعات حيث يتخرج الطلاب دون امتلاك أدنى الخبرات في إدارة الحياة، ويقتصر دور الجامعة على الصقل الأكاديمي للطالب دون تحرير طاقاته الإبداعية الأخرى.

فجاءت وثيقة دبي للارتقاء بالطالب الجامعي نحو أفق جديد يهدف إلى تطوير قدراته وصقل مهاراته مثلَ كثيرٍ من دول العالم المتحضر التي تُنفذ كثيراً من المشاريع الكبيرة من خلال استثمار طاقات الطلاب وهم على مقاعد الجامعة، فجاءت هذه الفكرة لتنمية الحس الإبداعي العملي لدى الطالب الجامعي من خلال تكوين مناطق اقتصادية وإبداعية متكاملة تحيط بالجامعات وتقدم دعماً مالياً وتعليمياً وبحثياً لطلاب الجامعة لتحقيق الأهداف المنشودة.

البند السابع:

اكتفاء ذاتي من الماء والغذاء والطاقة في عُشر بيوت مواطنينا

ويهدف هذا البند إلى تغيير نمط الحياة الاستهلاكي والحفاظ على البيئة حيث ستعمل الحكومة بالتعاون مع المواطنين الراغبين بالاكتفاء الذاتي على تجهيز أنظمة متكاملة لتحقيق الاكتفاء الذاتي لمدة شهر على الأقل بما نسبته عشرة بالمئة من مجموع المواطنين في تجربة فريدة تطمح إلى تجديد نمط العيش وإحياء التقاليد القديمة التي كان فيها الإنسان الإماراتي قريباً من الطبيعة بالاعتماد على النفس، وتدبير شؤون الحياة ضمن تصوّر معقول للنفقات.

البند الثامن:

إنشاء شركات تعاونية للمواطنين في مجالات الصحة والتعليم

والغذاء وغيرها

وواضح أنّ حكومة دبيّ بصدد إعادة تأهيل شاملة لمفهوم الاعتماد على النفس، وإحياء القيم الحضارية التقليدية التي تؤدي إلى زيادة دخل المواطنين وتُشيع روح التعاون بينهم، وتحسين جودة بعض الخدمات عن طريق تخصيص بعض الخدمات العامة وإنشاء شركات تعاونية يمتلكها المواطنون، وتُسهم في تنمية القطاعات الحيوية وتطوير الخدمات الأساسية.

البند التاسع:

تحقيق نموّ سنويّ في الأعمال الإنسانية يعادل ويواكب نموّنا الاقتصادي

وهذا بندٌ أخلاقيّ بامتياز يعكس طبيعة الروح الإماراتية المعطاءة، فدبيّ وعلى الرغم من أولوياتها الاقتصادية إلا أنها لا تتخلى عن مسؤولياتها الإنسانية، فهي الممدودة اليد بالخير لكل محتاج، ومفتوحة الأفق على الإنسانية، وتشعر أنّ عمل الخير يجلب لها مزيداً من الخير، وهذه ثقافة أخلاقية تتميز بها الإمارات منذ عهد النشأة إلى اليوم، فالمال مطلوب لكنه ليس هدفاً بحد ذاته.

بل هو وسيلة للارتقاء الاقتصادي والعلمي والأخلاقي، ومن هنا تتعهد حكومة دبي ومن خلال هذه الوثيقة الاستثنائية بزيادة أعمال الخير سنوياً بما يُعادل في الأقل نسبة النمو الاقتصادي لهذه المدينة المتحضرة: علمياً واقتصادياً وإنسانياً وثقافياً.

ثم يختم صاحب السموّ الشيخ محمّد بن راشد آل مكتوم، رعاه الله، هذه الوثيقة بالتأكيد على أنها وثيقة محددة بمجموعة من البرامج العملية التي يمكن تنفيذها وقياسها بحيث تنعكس بشكل مباشر على الرخاء الاقتصادي للمواطنين، وتحسين مستوى العيش لهم، وتطوير البنية الاجتماعية كأهداف كبرى تمّ تحديدها في مطلع الوثيقة، والتأكيد عليها في جميع بنودها الثمينة.

سيّدي صاحب السموّ: حفظك الله ذخراً وأطال في عمرك وبارك لك في صحتك وعافيتك وذريتك وشعبك، وسخّر لك عباده الصالحين لتحقيق ما تصبو إليه من أهدافٍ سامية وغاياتٍ نبيلة في سبيل توفير الحياة الكريمة والعيش الرغيد لأبناء هذا الوطن المبارك ومن يعيش على ثراها.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات