محمد بن راشد و«كتاب الإنجاز».. رحلة الفكر القيادي من العقل إلى ميدان العمل

يتجلى الفكر القيادي لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في مؤلفات سموه، الصادرة تحت عناوين: «رؤيتي»، «ومضات من فكر» و«تأملات في السعادة والإيجابية»، بل إن كثيراً من نتاج سموه الشعري وقصائده تحمل الإشارات الوافية إلى المفاهيم وأفكار القيادة، التي يؤمن بها أو توصل إليها بتجربته الخاصة؛ غير أن «كتاب الإنجاز» الذي يزخر بإسهامات سموه في هذا المجال يتمثل بتجربة دبي الفريدة، ومواكبته لتجربة دولة الاتحاد ودوره في تطويرها، وتعزيز أركانها.

من هنا، فإن السمة الأبرز التي يتسم بها فكر سموه، أنه فكر قيادي يتحرك أثناء العمل، ويتفاعل مع الإنجاز، ويأخذ المتغيرات باعتباره، ويرتبط مباشرة بالواقع والممارسة اليومية؛ ومثل هذا الفكر واقعي، يحيا في العمل، ويتطور فيه، ويجد ترجمته المباشرة في خضمه.

ومن جانب آخر، فإن القراءة في «كتاب الإنجاز»، الذي تزخر صفحاته بتفاصيل تجربة صاحب السمو القيادية، تؤشر على سمة أخرى، مهمة، هي اليقظة باتجاهين: رصد التحديات، وتحويلها إلى فرص، من جهة. وترقب الجديد، وتوظيفه في الحياة.

الأصول والجذور

يحدد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم مرجعيته المعرفية، وهوية فكره، ومنظومته القيمية، فيقول: «أنا عربي. من أب عربي وأم عربية. رضعت حب العروبة منذ الطفولة، وانتميت إلى دوحتها».

وفي جانب ثان، يستذكر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم المدرسة التي ابتدأ فيها تجربته، ونشأ في رحابها فكره القيادي، فيقول: «أنا مدين بالجزء الأكبر من كل ما أعرفه للمغفور له الشيخ زايد، ولوالدي الشيخ راشد، رحمهما الله».

ويمثل كل من المغفور لهما الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمهما الله، مدرسة في القيادة، تتميز بانفتاحها على المستجدات، وقدرتها على إعادة صياغة الموارد والإمكانات بطرق جديدة، كما تتميز بالتعامل الأبوي المحفز مع العاملين والمرؤوسين، ما يدفعهم إلى بذل أقصى طاقاتهم، وتقديم أفضل إمكاناتهم.

يتمتع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بصفات قيادية فطرية، وأخرى اكتسبها في حقول المعرفة، وثالثة خبرها في ميدان التجربة؛ فهو يبهر عارفيه بما يتمتع به من قدرات إدارية، وما تتطلبه القيادة من مهارات في التخطيط والتنظيم والتوجيه والرقابة وتشكيل فرق العمل وتقويم الأداء.

وبكلمات أخرى، تبرز في تجربة سموه مهارات إدارية للقيادة، وأخرى إنسانية وثالثة فنية ورابعة ذهنية، إلى جانب مهارة صنع القرار واتخاذه، وامتلاكه الشخصية الكارزمية المحفزة، التي تخلق بيئة وكوادر مناسبة للعمل فريقاً متعاوناً.

روح المبادرة

«المبادرات» جزء أصيل في فكر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم؛ وهي تشكل واحدة من الآليات التي يعتمدها في أسلوبه القيادي الفريد، وذلك نابع من فكره في هذا المجال، إذ يرى سموه أن «الإنسان أمامه خياران: إما أن يكون تابعاً أو مبادراً، ونحن نرغب في أن نكون مبادرين ومتقدمين».

ويبرز الفكر القيادي لسموه، كذلك، في التخطيط المؤسسي بعيد المدى، والقدرة على توحيد الجهود لتحقيق الأهداف، وابتداع حلول للمشكلات التي تعيق الطموحات، واتخاذ القرارات الدقيقة في المواقف العاجلة؛ كما أنه يمثل قدوة لمرؤوسيه في كل ميدان. وهو من هنا يمثل أسلوب قيادة يُشعر فيه القائد مرؤوسيه بأهمية العمل الذي ينيطه بهم، ويتقدمهم في مواجهة الحقائق، ويرى القيادة في إدارة العمل بأفضل طريقة للوصول إلى أفضل نتيجة.

سمات فكرية

واحدة من سمات الفكر القيادي لدى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم هي الانتقال السريع من حقول الأفكار إلى ميدان العمل والإنجاز؛ لذا فإن معظم المشاريع الحديثة في دبي تحمل توقيع سموه، وتجد أصلها في رؤيته وومضات فكره.

وكان من أهم نتائجها، تعزيز موقع دبي، والدولة عموماً، وجهة غير تقليدية قادرة على التعاطي مع الأفكار المستقبلية والجديدة، وترسيخ مصداقيتها من خلال تعزيز قدرتها على تنفيذ ما تعد به، وتأمين القبول لكل ما تقدمه، مع ضمان مناخ آمن وبيئة مشجعة على الاستثمار.

الاستجابة الفورية

الاستجابة والمواكبة الفورية لأهم التطورات والمستجدات في العالم، سمة أخرى يتسم بها الفكر القيادي لصاحب السمو؛ فكانت الدولة من أوائل الدول التي احتضنت الوافد الجديد الذي غير وجه الحياة، وذلك من خلال «مدينة دبي للإنترنت»، التي أضحت عنواناً للعشرات من الشركات العاملة في مجال تكنولوجيا المعلومات.

ولم يغفل الفكر القيادي لصاحب السمو متابعة وتحفيز العاملين، إذ أمر سموه في أواخر التسعينيات بإنشاء برنامج دبي للأداء الحكومي المتميز ووضع جائزة مختصة سميت بـ«جائزة دبي للأداء الحكومي»، وقد قاد هذا النهج القيادي لسموه إلى التحول لمرحلة الحكومة الإلكترونية، التي كانت التجربة المتكاملة الأولى من نوعها في العالم، ولم يطل بها الأمر إلى ان تحولت لـ«حكومة ذكية».

إنجازات

وبتولي سموه منصبه نائباً لرئيس الدولة رئيساً لمجلس الوزراء وحاكماً لدبي، بدأت وتيرة الإنجازات تتسارع على المستويين المحلي والإقليمي. ولم يكن ذلك، بمعزل عن منظومة الفكر القيادي الذي يتبناه سموه؛ فبرزت المبادرات والمؤتمرات والملتقيات والمنتديات والجوائز كأدوات وآليات فعالة للتجسير بين الفكر والواقع؛ وبالتالي، وجدت كل هذه الآليات طريقها سريعاً للتحول إلى مؤسسات قائمة بحد ذاتها، تسهم في أجندة دبي السنوية.

وتغطي هذه المبادرات والمؤتمرات والملتقيات والمنتديات والجوائز مجالات متنوعة من الحياة، ويزيد عددها على ثلاثين مؤسسة عاملة؛ ولعل عنوانها الأبرز هو «مؤسسة مبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية»، التي تهدف في المقام الأول لصنع الأمل وبناء المستقبل.

إعداد القادة

لقد نجحت حكومة الإمارات، بقيادة سموه، في بناء نماذج من قيادات المستقبل الطموحة القادرة على التفكير الاستباقي، ما جعلها رائدة التطوير الحكومي بشهادة التقارير الدولية؛ ولم يأت ذلك صدفة، فقد دأب صاحب السمو على إيجاد الآليات الكفيلة ببناء الإنسان وإعداد الكفاءات والكوادر، انطلاقاً من فكر سموه في القيادة.

فكان برنامج «قيادات حكومة الإمارات»، الذي أطلقه سموه في العام 2008، بهدف بناء القدرات وإعداد كفاءات وقيادات إماراتية استثنائية قادرة على استشراف المستقبل وتتبنى الابتكار وريادة الأعمال، وتتمتع بمنظور عالمي يمكنها من صناعة قرارات مؤثرة والتواصل بفاعلية مع مختلف الثقافات وبناء شبكات تواصل عالمية.

وكان قد تم قبل ذلك بثلاثة أعوام تأسيس «كلية محمد بن راشد للإدارة الحكوميّة» لدعم وتعزيز التميّز الحكومي، وذلك من خلال تطوير نظام عمل وبرامج ومشاريع ومبادرات تعليميّة وتدريبيّة وفقاً لأفضل المعايير العالمية، ومن خلال التعاون مع أبرز المؤسسات الإقليميّة والعالميّة.

وهذه وتلك بعض من كثير من اللحظات التي أغنى فيها الفكر القيادي لسموه الواقع والحياة والتجربة الإنسانية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات