أخصائيون يحذّرون من اقتحام الأجهزة الذكية لبيوتنا

إدمان «العوالم الافتراضية» يستنزف مستقبل أطفالنا

في عالم تتسارع فيه الخطى على حدود الشاشات الذكية، تشهد البشرية توسعاً كبيراً للعولمة الافتراضية، فمن الدهشة الأولى لاقتحام هذه الأجهزة عوالمنا حتى الانخراط في فلك افتراضي سلط الضوء على العديد من المشكلات النفسية التي قد تصيب النشء وتؤثر في محيطهم الاجتماعي وتواصلهم مع الآخرين وأدائهم الدراسي وانفعالهم العاطفي، ومن هذا المنطلق نقف متسائلين ليس عن فحوى هذه البرامج أو أنواعها أو الأجهزة الإلكترونية المختلفة، فمما لا شك فيه أن استخدام التكنولوجيا وسيلةً تفاعليةً للتعليم -على سبيل المثال- بات محط اهتمام عالمي لنواتجها الإيجابية، وفي الإمارات قد جنت هذه التقنيات ثمارها الطيبة على مستوى المدارس والجامعات، لكن الاستخدام المفرط لهذه الصيحات التكنولوجية في ظل عدم رقابة الأهل أو عدم تقنين ساعات الاستخدام، أدى إلى مشكلات جمة نفسية وتربوية، كما أن لها أبعاداً صحية كتأخر النطق والسمنة ومشكلات العيون وآلام الرقبة.

تحدّث إلى «البيان» الدكتور ثاقب لطيف، استشاري طب الأطفال والمراهقين، عن العديد من الدراسات النفسية التي تشير إلى أن الاستخدام المفرط للأجهزة الإلكترونية مثل الأجهزة اللوحية له تأثير سلبي في المهارات الاجتماعية ومهارات الاتصال، وهي إحدى العلامات المميزة لطيف التوحد، وبالتالي يمكن القول إن استخدام الأجهزة اللوحية يمكن أن يؤدي إلى سمات مشابهة لمرض التوحد، ولكن لا يمكن القول إنه يسبب التوحد.

وذكر أن إحدى الدراسات الألمانية الحديثة أثبتت أن 1.5٪ - 3.5٪ من المراهقين الألمان تُظهر عليهم علامات إدمان الإنترنت، ومن بين هؤلاء المراهقين من يرتبط إدمان الاستخدام المفرط للأجهزة اللوحية لديهم بارتفاع معدلات الاكتئاب والقلق وانخفاض مستوى التحصيل الدراسي.

وفي دراسة صينية، كان المراهقون المصنّفون بأنهم مدمنون على الأجهزة اللوحية أكثر عرضة لإيذاء أنفسهم أو الانتحار. وفي دراسة بحثية أخرى، أظهر المراهقون الذين يلعبون أكثر من ساعة واحدة بألعاب الفيديو على الإنترنت أعراضاً مختلفة، مثل اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة، مقارنة بالمراهقين الذين يلعبون أقل من ساعة.

وعن تأثير الاستخدام المفرط لهذه الأجهزة الذكية في انفعالات الأطفال وقدرتهم على التعبير عن مشاعرهم ومخزونهم اللغوي، قال لطيف إن استخدام الأجهزة الإلكترونية في سن مبكرة -أي أقل من 4 سنوات- يؤثر سلباً في تطور اللغة، فالآباء الذين يتركون أطفالهم الصغار مع الأجهزة الإلكترونية يلحقون الأذى الكبير بهم لغوياً.

سيطرة سلوكية

وأكد الدكتور أحمد عبد العزيز النجار، أستاذ علم النفس بجامعة الإمارات، أن مما لا شك فيه أن استخدام الأجهزة الذكية يُكسب الطفل العديد من المهارات الجديدة إذا تم استخدامها بإشراف الأبوين بشكل مدروس ووقت محدد، إلا أنها بخلاف ذلك تُضعف مهارات التواصل والتفاعل مع المحيط.

وأكد أن علاج حلات الاستخدام المفرط للأجهزة الذكية يتم بكسر التركيز الذهني على الألعاب، وهذا هو دور المعالج النفسي، ولكن العلاج الأساسي يكون في البيت من خلال السيطرة السلوكية على الطفل وتحديد وقت اللعب بهذه الأجهزة، هذا إضافة إلى تقليل استخدامها من خلال تنويع النشاطات التي تحفز الطفل إلى اللعب مع أقرانه واندماجه في محيطه الاجتماعي.

توجيه ومتابعة

من ناحيته، أكد الدكتور عمار البنا، رئيس مركز التميز للصحة النفسية للأطفال واليافعين بمستشفى الجليلة، أن استخدام الأجهزة الذكية تحت عمر السنة يجب أن يكون معدوماً، وبعد عمر السنتين يكون الاستخدام محدوداً، وفي نطاق معيّن يفيد الطفل من خلال تعلم مهارات جديدة وتحت إشراف الأبويين، بحيث تتم محادثة الطفل وتوجيهه أثناء استخدامه هذه الأجهزة، لأنه كلما زادت عدد الساعات زاد تأثير هذه الأجهزة في الطفل صحياً ونفسياً ولغوياً، حيث إن الأطفال الذين يعانون مشكلات تأخر النطق ويستخدمون هذه الأجهزة لمدة قد تصل إلى خمس ساعات، ينعكس ذلك عليهم بشكل سلبي، ولا تتطور لديهم القدرات اللغوية، وهذا يزيد الأمر سوءاً، وأضاف أنه في حالة طلب الوالدين استشارة طبية عن سلوكيات معينة يعانيها أطفالهم كالعدوانية والانطواء واضطراب النطق بعد الاستخدام المفرط للأجهزة الذكية، فإنه يتم الطلب من الوالدين أن يوقفوا استخدام هذه الأجهزة فترةً قبل التشخيص، وعليه فلقد لاحظ الآباء تحسناً في سلوك أبنائهم وتفاعلهم.

اضطراب في النوم

وأضاف البنا: «لا بد أن نشير إلى نقطة مهمة، وهي أن إدمان استخدام الأجهزة اللوحية كالآيباد مثلاً ساعات طويلة، لا يمتد ليصل تأثيره إلى الإصابة بطيف التوحد كما هو رائج، إلا أن تأثيراته تتطلب تدخلاً مبكراً، لا سيما أنه يؤثر في قدرات التواصل الاجتماعي والنطق، كما أن الضوء الأزرق المنبعث من هذه الأجهزة يؤثر في إفراز مادة الميلاتونين التي تساعد على النوم، وبذلك فإن الأطفال الذي يستخدمون الأجهزة اللوحية بعد الساعة السادسة مساءً قد يحدث لديهم اضطرابات في النوم، وحين تم إيقاف استخدام هذه الأجهزة فترةً أصبح النوم منتظماً عند الأطفال».

استخدام مدروس

وأضاف الدكتور عمار أن تغيير نمط الحياة في المنزل يعتبر خطوة أولى لعلاج هذا الهوس عند الأطفال، فعندما يبدأ الوالدان تقليل استخدام الهواتف النقالة والأجهزة اللوحية، وتقليص استخدامها في البيت، سيبدأ الطفل محاكاة هذا السلوك، ويتجه إلى أنشطة أخرى كالقراءة أو اللعب خارجاً مثلاً، وهذا علاج مثالي وفقاً لدراسات حديثة، إذ إن الأسرة وأنماط الحياة التي تتبعها تعود بالإيجاب أو السلب على سلوكيات الأطفال، لأن الطفل يحب التقليد، فتعزيز الاستخدام المدروس لهذه الأجهزة يساعد الطفل على العيش ببيئة صحية.

تعليقات

تعليقات