ترحيبة من القلب الصافي

حين يخرج الكلام من القلب لا يعرف طريقه إلا إلى القلب، وهذه القصيدةُ العذبة هي أشبهُ شيءٍ بمرجٍ أخضر تتماوج سنابله انتعاشاً بنسيم الربيع، ولو أنّ الحروف تنطق لكان كل حرف في هذه القصيدة تحية حبٍّ وصفاء نابعة من قلب صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، حفظه الله، تعبيراً عن الحب الصادق والمودة الأكيدة التي تحتفظ بها جوانحه لأخيه وعضيده صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان وليّ عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلّحة، حفظه الله؛ الرجل الذي يتحمّل أصعب المهامّ في الحفاظ على أمن الوطن، وصيانة مقدّراته، والسير على خطى والده شيخ العربِ وحكيم الجزيرة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيّان، طيّب الله ثراه، ذلكم النجم الوهّاج الذي لا يزداد على مرور الأيام إلا توهّجاً، وذلكم الباني الرائد الذي تربّع على عرش القلوب في الإمارات وشعبها الطيب النبيل.

فاتحة العام

وهذه القصيدة هي فاتحة العام من شعر صاحب السموّ، وهي باقة ورد معطّرة بفَوْح الخُزامى يستقبل بها ضيفه الكبير بهذا الحب الرائع الذي يتكلم عن نفسه ويكاد يستعصي على الشرح والتفسير.

في أوّلِ العامْ والفرحه تِعايدْنا

تمّ الفرحْ يومْ زار وشرّف القايد

شُوفك لنا عيد بو خالدْ يا قايدنا

في عام زايد هلا يا مِشْبِهٍ زايدْ

وثيقة تاريخية

هذه القصيدة وثيقة تاريخية تحتفي بالزمن و بالإنسان، فمع إطلالة العام الجديد تستعد الإمارات للتعبير عن الحفاوة المميزة بقدوم السنة الجديدة، ولكن الفرحة اكتملت بهذا اللقاء الفريد بين فارِسَي الإمارات: المحمدان: محمد بن راشد وضيفه الكبير محمد بن زايد، وإذا كانت تقاليد الحفاوة تقتضي القيام بأرفع واجبات الضيافة، فإن صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد باعتباره شاعراً مجيداً لا يرضى إلا بنوعين اثنين من الحفاوة: حفاوة الضيافة، وحفاوة الشعر الذي هو مفخرة العرب، وعنوان خلودها، فكلّ شيءٍ يفنى ويبيد إلا هذه اللآلئ الخالدة من حُرّ القصيد، وبديع الشعر والكلام.

لقد أشرقت شمس الفرحة بقدوم العام الجديد، لكنها لم تكتمل إلا بإشراقة صاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد «أبو خالد» الفارس الذي يسكن في نقطة عميقة من قلب صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد، يشهد على ذلك الكثير من القصائد التي قالها في حق هذه الصداقة والأخوّة الفريدة، فكلا الرجلين تلميذٌ وفيٌّ ومخلصٌ لتعاليم مدرسة الشيخ زايد رحمه الله، الشيخ الجليل الذي بذر الحبَّ في أرض الإمارات، وسقاه وأنضجه وأورثه لجميع أحبابه الذين يهتدون بسيرته الطيبة العطرة، وكم يتشرف الإنسان الإماراتي بهذا القائد الخالد.

فكيف إذا كان مقتدياً بسيرته وشبيهاً له في كريم أخلاقه، فلا مدح أحلى من التشبه بأخلاق الكرام، ومن لا يفتخر بأن يكون تلميذاً نجيباً في مدرسة الشيخ زايد رحمه الله، الذي كان نبع خير وبركة وحكمة وقيادة على شعبه وبلاده بحيث يكون التشبه به من أعظم مناقب الفرسان، وهو ما عبّر عنه صاحب السموّ أبدع تعبير في قوله:

في عام زايد هلا يا مِشْبِهٍ زايد

الأخوّة الصافية

وتعبيراً عن الحب العميق في القلب يؤكد صاحب السموّ أنّ شُوفة سموّه هي العيد بحدّ ذاته، وتزداد نبرة الأخوّة الصافية وضوحاً حين يخاطبه بكنيته المُحبّبة «بو خالد» تعبيراً عن أعمق مشاعر الإخاء التي تجمع بين هذين القلبين الصافيين.

ويتجاوز الفرح المشاعر الإنسانية الخاصّة بالإنسان إلى جميع مظاهر الحياة حتى الدار تفرح بقدوم راعيها، وهذا تعبير بديع يتمّ فيه تشخيص الجمادات وإسباغ الصفات الإنسانية عليها، فالدار تفرح، والقصائد تبادل الراعي الحبّ والمودّة وهي أعلى من الحب ولا تصدر إلا عن صفاء القلب، ولأن ذلك كذلك فإن الجموع قد رضيت بالسير خلف صاحب السموّ باعتباره قائداً رائداً، وإنّ الرائد لا يكذب أهله:

بك تِفْرح الدار وتودّك قصايدنا

سِرْ للعُلا دومْ وانته للعلا رايد

والرائد في شعر العرب هو فارس الطليعة الذي يتقدّم قومه، ويختبر لهم الأمكنة ولا يكون إلا من أشجعهم قلباً، وأكثرهم حكمة وحنكة وخبرة بالحياة، فشتّان بين الشجاع الباسل وبين الشجاع الرائد، فالريادة تعني القيادة والتقدّم أمامَ الجميع ورفع اللواء ولا يقوى على ذلك إلا قويّ القلب، عزيز الشكيمة، مَهيب الجانب.

ودائماً تقترن الشجاعة بالكرم، بل لا قيمة للشجاعة إن لم تقترن بالجود والعطاء والسماحة والطيب، وهو ما جاء التعبير عنه بتشبيه صاحب السمو بالغيمة الماطرة التي يحيا بخيرها البلاد والعباد، وهي صورة في غاية الجمال والروعة والتعبير عن صدق الإحساس، فالشيخ محمد بن زايد هو غيمة الوطن التي تمطر بالخير ويستحيل اللحاق بمكارمه تجاه شعبه، بحيث يتعب الحاسد وهو يحاول اللحاق بهذا الكرم العربي الأصيل:

يا كَنّك الغيم وتجدّد جدايدنا

يِحيا بخيرك وطَنْكْ ويتعب الحاسد

حفاوة متوهجة

وتزداد الحفاوة توهّجاً وإجلالاً من خلال التنويه بمناقب صاحب السموّ التي تتجلى في أروع تجلياتها من خلال شجاعته في صدّ الأعداء الذين يتربّصون بالإمارات وشعبها الطيب الذي يثق بقائده الشجاع، صقر السماء الإماراتية، وقائد جيشها الباسل، والذي يذود عن وطنه بالمهجة والروح، وتعود الصوايد الباغية خاسئة حسيرة قد تلطّخت وجوهها بالدم حين صدّها هذا القائد الشجاع الذي لا يُساومُ على شرف بلاده وكرامتها مهما كانت التضحيات:

مِنْ صدِّيتك دومْ مِدماية صوايدنا

يا حِرْ ما ينلقى عن صيدته حايِدْ

والقصيد حين يكون نابعاً من القلب تتدفّق فيه المعاني البديعة مثل عقد اللؤلؤ الجميل، وتصبح الألفاظ رقيقة ناعمة مثل أزهار الربيع ووروده، وانظر معي إلى هذا البيت الجميل الساحر الذي يكاد يحتفي كل حرف منه بقدوم الشيخ، ويتغنى بمناقبه الإنسانية المُتوارثة عن أجداده الرجال:

بنيت دارك وعاشت بك بلايدنا

وحميت جارك وكنت الصادق المايد

لغة الحب

ألفاظ البيت على الرغم من بساطتها إلا أنها مشحونة بالحب والقيم الأخلاقية النبيلة، فأعظم إنجازات الحاكم الشجاع هي بناء وطنه وليس نهبه وتخريبه، ونشر الأمان وقيم العيش الكريم بحيث يكون للعيش في الوطن قيمة، وهو ما تمّ التعبير عنه بهذا البيت السابق، ولا سيّما كلمة «بلايدنا» فهذا جمع نادر لكلمة بلد،.

وهو من جموع الشعر النبطي لكنه عميق الدلالة على عمق الالتحام بين الشاعر ووطنه حين يعبّر عنه بهذه الصيغة الحميمة حتى تتخيّل أنه يكاد يحتضن وطنه بين حنايا ضلوعه العامر بالحب للوطن وقائده، هذا القائد الذي يعتزّ بأنبل قيم العروبة: حماية الجار والصدق في القول والفعل، والاهتزاز للكرم مثل الغصن الميّاس بالزهر والعطاء.

وهذه القصيدة مكتوبة بلغة الحب لا غير، ويكاد كل بيت من أبياتها أن يكون شهادةً على ذلك، ولذلك جاء البيت التالي شهادة نابعة من أعماق القلب بأن صاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد هو الرجل المتفرد بين رجالات الوطن بعمق نظرته وحنكته الإدارية وقيادته العسكرية، وأنه فوق كيد الكائدين الذين يريدون للإمارات كل شرّ وسوء:

نِشهدْ بأنك وحيدٍ في شهايدنا

ما حدْ مثلك أبد ما كادك الكايد

ثم يأتي الدليلُ على هذه الشهادة في حق صاحب السمو في البيت التالي:

لك في السياسة افتكار لمن يعاندنا

وفي العسكرية خصومك حيلهم بايد

وريث زايد

ولا يختلف اثنان على أن الشخصية القيادية لا تقوم إلا على دعامتين اثنتين: البصيرة النافذة في السياسة، والقوة العسكرية في التخطيط والمبادرة، بحيث تجتمع قوة العقل وقوة القلب في شخصية القائد، فإن لم تجتمعا وقع الخلل ولا بُدّ.

والافتكار مرحلة تالية لمرحلة التفكير فهي أكثر عمقاً وأصالة وتحليلاً واختباراً للمواقف، ولا يصبر عليها إلا من ورث الحكمة وبُعْدَ النظر وحسن السياسة للأمور، وهذا مما لا شكّ في وجوده في وريث الشيخ زايد، ذلك الفارس الشجاع الذي كان يدير البلاد بالحب والحكمة والحزم والعطاء.

هذا في السياسة، وأما في العسكرية وأمور الحرب، فإنّ عزيمة الخصوم و(حِيلْهُم) بائدة لا طاقة لها بمواجهة الشيخ محمّد بن زايد، فهو العين الساهرة على أمن الوطن، وهو الصقر المحلّق في الأعالي لرصد أي مظهر من مظاهر التحرش بسماء الإمارات التي لا تعرف إلا الغيم المعطاء والخير العميم.

أما خاتمة القصيدة فهي أكثر من بديعة، وإذا كان لكل عِقْدٍ جوهرة، فإنّ البيت الأخير هو جوهرة القصيدة، حيث يفوح عِطر الإخاء والوفاء، لا بل إنّ صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد قد بلغ مبلغاً من السموّ الأخلاقي في هذا البيت لا يمكن تفسيره إلا في إطار فكرة الحب الصادق النابع من أعماق القلب، وإلا كيف كانت هذه الخاتمة المدهشة لهذه القصيدة التي تشبه ترويدة بدوية يغنيها الراعي الطربان على أنغام الناي الشجي، وكأنّ كل الكلام السابق لم يشفِ غليل الشيخ محمد بن راشد فكان البيت الأخير تجسيداً للأخوة العميقة بين قلبين متآلفين يجمع بينهما حبُّ الإمارات والوفاء لشعبها الطيب المعطاء:

إنتهْ وأنا مول ما نبدّل عوايدنا

عَ دَرْبْ واحد نِسير وقَلبِنا واحد

وكأني بصاحِبَي السموّ قد شبكا أيديهما وسارا معاً وهما يردّدان هذا البيت الرائع الجليل:

عَ درب واحد نسير وقلبنا واحد

عَ درب واحد نسير وقلبنا واحد

ترويدةٌ أكثر من رائعة، ولسوف تنتهي السنة الجديدة لكن هذا النشيد الساحر سيظل مثل رنين الربابة يرنّ في زوايا القلب، وستظل هذه الزيارة خالدة عصيّة على الذبول والنسيان.

 

تعليقات

تعليقات