العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    دَمْعَةٌ مِنْ عَيْنِ القَلْب

    بين الحين والآخر أتساءل بيني وبين نفسي حين أقرأ شعر صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد أل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي (رعاه الله) فأقول: كيف يجمع هذا الشيخُ الجليل بين جَسارة القلب وذكاء العقل وروح الإقدام والمبادرة في إدارة الدولة وبين هذا القلب الرهيف الرقيق الذي يكاد يذوب رقّةً وحنيناً حين يقف في محراب الحبيبة، ويخشع بين يديها مُتخفّفاً من أعباء الحياة الرسمية ومقتضيات بناء الدولة التي لا تترك في القلب أدنى مساحة للحب والشعر والحنين؟!

    ولا أجدُ جواباً لذلك إلا حين أتذكر شاعر الأندلس ووزيرها الكبير أبا الوليد ابن زيدون رحمه الله (ت463هـ)، ذلك السياسي الذي بلغ أعلى مناصب الدولة، لكنه بلغ أيضاً أعلى مراتب الشعر، بما ترك من بدائع القصائد الشاهدة على لوعات قلبه وعذابات روحه وهو يستعطف أميرة قلبه وسيدة فؤاده الشهيرة ولّادة بنت المستكفي، فلا تستمع لنداء روحه، وتَتيهُ عليه دلالاً وتمنُّعاً وتستنزف قلبه بأجمل القصائد وأعذب الألحان، ولو لم يكن له إلا قصيدته النونية الشهيرة لكفاه، حيث يصوّر أبدع تصوير شدة حنين القلب والرضا بأقلّ القليل من الحبيبة الجافية:

    أضحى التنائي بديلاً من تدانينا

    وناب عن طيب لقيانا تجافينا

    ولن يكون صادقاً أبداً منْ يقرأُ هذه القصيدةَ الشجية «ليالي السعد»، ثم لا يغمره الحزن والتعاطف مع لوعات قلب هذا الشيخ الجليل، وهو يرى هذه الحروف التي تكاد تنزف شوقاً وحنيناً إلى هذه الحبيبة الظبية الجفول التي لا تزداد على شدة الوجد إلا دلالاً وصدوداً تاركة في أعماق القلب غُصّةً، وفي جفون العين دمعةً ساخنة، وفي الضلوع وقيداً لا ينطفئ جمره، لنتذكر جميعاً تلك الأبيات الشعبية التي قالها رجل صادق المحبة في حق حبيبته التي فارقته إلى غير رجعة:

    آه من حالٍ يشادي كما حال العليل

    كل ما جا له طبيبٍ تِعسّر في دواه

    آه مِنْ دمعٍ تحدَّرْ على جيبي هميل

    لو تِحدّرله على منهل زروعٍ سقاه

    آه من دابٍ فِجعْني على ظبي السليل

    ليتْ منهو حاضره كان يقتله بعصاه

    براعة فنية

    على الرغم من البراعة الفنية التي تأسست عليها هذه القصيدة، ولا سيما نظام الرباعيات، حيث أبدع صاحب السموّ في صياغتها، فإن محتواها العاطفي هو الذي يسحر اللبّ، ولا يدعُ مجالاً للقارئ للتفكير في القضايا الفنية والشكلية، وهي قصيدة تتراوح بين الغموض والوضوح، وحين يصل الإنسان إلى نهايتها يشعر بحجم الألم الذي سيطر على قلب الشاعر حين كان جزاؤه النكران من هذه الحبيبة التي أسبغ عليها جميع صفات الجمال والكمال، ولكنها اختارت الفراق والابتعاد عن فارسٍ نذر قلبه لحبها، وتعمّدتْ تعذيبَ هذا القلب الذي ما عرف سواها حبيبةً، ولن يخون عهدها مهما كان موقفها الجارح القاسي، لتكون خاتمة القصيدة هي المفتاحَ السرّي الذي في ضوئه يمكن فَهْمُ القصيدة واستيعاب جموح القلب وحنينه وخذلانه:

    عافني وإبتعَدْ

    ولعذابي تقَصَّدْ

    وأنا روحي فداً لهْ

    وما لحبِّه بديلْ

    مطلع القصيدة مثل لؤلؤة لامعة تكاد حروفه تنطق بالسعادة، ولذلك يشعر القارئ بالدهشة حين يصل إلى النهاية المؤلمة، فليس متوقعاً أبداً أن تكون هذه النهاية لقصيدة يفوح مطلعها بالعطر والحب والتغني بجمال الحبيب:

    يا ليالي السَّعَدْ

    طايرْ الشُّوقْ غرَّدْ

    والهوىَ الحلوْ كلِّه

    عندْ ظبيْ السِّليلْ

    وللظبية في شعر صاحب السموّ حضور عجيب يستحقّ وقفة خاصة؛ فهي تهيمن على معظم الصور الجمالية في شعره، وهي صورة ملازمة للشعر العربي الصادر من قلوب الفرسان العشاق، حيث تتجسد فيها ثنائية الجمال والنفور، ولا يستحقها إلا الفارس الشجاع الجسور، ومستحيل أن تكون الظبية إلا نموذجاً في الجمال، وهو ما عبّر عنه صاحب السموّ في الأبيات التالية، حيث جاءت لوحة الوصف على هذا النحو البديع الدالّ على دقة الوصف ومدى لوعة القلب وعذاباته من هذه الظبية التي تعرف كم هي جميلة، وتمارس سلطتها على أمير الرجال دونما أدنى رحمة أو تعاطف:

    طَعمْ ريقَهْ شهَدْ

    منْ آذوقَه آتشَهَّدْ

    بهْ شِفا ألفْ علِّهْ

    وأنا منهْ العِليلْ

    ريقُ الحبيبة له طعم العسل (الشهد)، وحين يذوقه العاشق ينطق بالشهادتين تعبيراً عن شدة الإعجاب وروعة المذاق، باعتبار أنّ كل الأشياء الباهرة فيها دلالة على بديع صُنع الله، وإذا كان الله تعالى قد جعل في العسل شفاءً من كثير من العلل، فإنّ ريق الحبيبة هو سبب علة الشاعر، فهو المحروم من وصلها، وهو التوّاقُ لرشفةٍ من ثناياها العِذاب. ولا تكتفي الحبيبة بأن تكون سبباً لعلة القلب، بل هي كالسيف المجرّد يجرح الروح ويسيل الدم، وهو طيّب النفس بهذا العذاب الذي يتركه في قلب الحبيب الصادق:

    مَعْهْ روحْ وجِسَدْ

    لوُ جِرَحْنا مجَرَّدْ

    ما درَىَ منْ يسِلِّهْ

    أيْ دمٍّ يسيلْ

    في البيت التالي تزداد الصورة وضوحاً، فإذا هذه الظبية أشدُّ بطشاً وفتكاً من الأسد، فالأسد يجرح الجسد، لكن الظبية تجرح القلب حين تبتعد متعمّدة، وتذبح روح العاشق بسكّين الدلال، وتتوحش في هجرها، ولا يملك الفارس المغلوب على قلبه إلا أن يعترف بجمال الوجه برغم وحشية القلب وقسوة الهجر:

    ظَبي بَطْشِهْ أَسَدْ

    في بعادِهْ تِعَمَّدْ

    ذابحنِّي بدلِّهْ

    وحشْ وجههْ جميلْ

    بعد ذلك، تبدأ قصة الاعتراف والثناء على جمال المحبوب والثبات على العهد، وكأن الشاعر يريد أن يقول لنفسه ولقارئه: إنّ هذه الحبيبة يحقّ لها هذا الدلال، فهي ساكنة في حنايا القلب بحيث يستحيل نسيانها، وهي منفردة بالجمال بحيث لا بديل لها، ولا لوم عليها حين تتيه حباً ودلالاً على فارسها الذي تمكنّت من قلبه وتصرّفت فيه تصرّفَ المالك بملكه، ولا أظنّ أنّ هناك شعوراً أكثر بهجة لقلب المرأة من الشعور بالتمكن من قلب الحبيب والسيطرة عليه حتى لو كان سيّد العالم، فالمرأةُ لها قانونها الخاصُّ بها ولا تعترف إلا بقانون قلبها وتعاليمه الصارمة في الحب والدلال، وهل يجهل أحد كيف كان عظماء الخلفاء يستعطفون الحبيبات المُعرضات، ويتخلّون عن عظمة الملك وأُبّهة السلطنة في سبيل الظفر بقلب الحبيبة:

    ما سليتِهْ أبَدْ

    عَ غرامَهْ معوَّدْ

    في فوادي محَلِّهْ

    بين صبحْ ومقيلْ

    فهذه الظبية الفاتنة قد استولت على هذا القلب، واحتلّته احتلالاً عن طيب خاطر من صاحبه، فهو لا ينساها لا صباحاً ولا مساء، والسبب في ذلك هو انفراده بالجمال الذي لا مثيل له بين الغواني الجميلات، وهو ما صرّح به في البيت التالي:

    بالجمال إنفرَدْ

    كَنْ زينهْ مخَلَّدْ

    في دلالهْ ودِلِّهْ

    ما لمثلهْ مثيلْ

    فَردْ يسوىَ بَلَدْ

    منْ أشُوفَهْ آتبَلَّدْ

    مُورَدْ القلبْ لأجْلِهْ

    كوثَرْ وسلسبيلْ

    وصف الجمال

    وإمعاناً من صاحب السموّ في الهيام بهذه الظبية الشاردة، تأتي شريحة طويلة من القصيدة في وصف جمالها الذي لا نظير له، كي يلتمس لنفسه العذر في الوفاء لهذه الحبيبة التي تَسْوى في عينه بلداً بكاملها، بحيث إذا رآها شعر بالرهبة والتبلّد، بمعنى عدم القدرة على الحركة لرهبة الحبيب، كما قال الشاعر القديم:

    وإني لتعروني لذكراك هزّة

    لها بين جسمي والعظام دبيبُ

    وما هو إلا أن أراها فجاءةً

    فأبهت حتى ما أكادُ أجيبُ

    وفي قول الشاعر «فردْ يسْوىَ بَلَد» إشارة إلى بيتين شعريين من تراث البداوة هما:

    الوقت غُربهْ وآخر الدرب عنوان

    والعمر رحلة والتِّجارب رِحايل

    مرّات ربّك يِرْزِقك محبة انسان

    واحدٍ يسوى في عيونك قِبايل

    ومع كل هذه العذابات، فإن الشاعر مصرٌّ على أن حبيبه هو طبيبه، فهو الدواء من كل علة، ولا غرابة في ذلك، فالعاشق الصادق لا يرى داءه ودواءه إلا في يد الحبيب، وإن نظرة من طرف العين هي الشافية من جميع الأوجاع، وما أصدق ما قاله الشاعر الجاهلي تعبيراً عن هذا المعنى الفريد حيث يقول:

    يسألُ الناسُ: أحُمّى داؤه؟

    أمْ به كانَ سُلالٌ مستسرّْ

    قلتُ دائي ودوائي عندها

    مَطَلَتْهُ فهو مَلْويٌّ عَسِرْ

    وها هنا يؤكد صاحب السموّ برغم جراحات قلبه من إعراض الحبيبة وصدودها، أنّ هذه الحبيبة هي الشفاء لكل علّة من علل القلب والروح، وهذا هو منطق العشق الذي يرى سيئات الحبيب حسنات:

    بِهْ دوىَ للرِّمَدْ

    ريقَهْ في طَرْفْ مِرْوَدْ

    الشِّفا لمنْ حصَلْ لهْ

    كِلِّ علَّهْ يِزيلْ

    لكن نبرة خيبة القلب لا تلبث أن تُغطي على مشهد الجمال، فقد كان المظنون أن يكون هذا الحبيب سنداً تستند إليه الروح، ويتغطى به القلب من صقيع الهجر، لكنه الحبيب البخيل الذي يتفنّن في تعذيب القلب، ويترك العاشق ساهر الطرف، لا يرقد ناظره متفكراً في جفاء الحبيبة وصدودها الذي ينشّف ماء القلب ويُسهر العين حزناً وألماً:

    كنتْ أظنِّهْ سَنَدْ

    لي عليهْ آتسَنَّدْ

    وثَرهْ ما يسدِّ خلِّهْ

    بالمواصَلْ بخيلْ

    ناظري ما رقَدْ

    ولي بشوكٍ موَسَّدْ

    والمنامْ إستِخَلِّهْ

    ذاكْ ليلهْ طِويلْ

    عاشق صادق

    وحين تكون الحبيبة مستغرقة في نومها الطويل، يكون العاشق الصادق ساهراً لحراسة طرفها الكحيل ووجهها الجميل من عيون الحساد، فهي المزيونة التي تنفذ فيها عين الحاسد، فلا تراها عينٌ إلا نظرت إليها إجلالاً وإعجاباً:

    أحرسِهْ مِ الحسدْ

    مثلِ ها الزِّينْ يِحْسَدْ

    مِنْ يشوفَهْ يِجلِّهْ

    وصفْ زينهْ جليل

    ولكيلا يبقى هذا الجمال الساحر مجهولاً، جاء البيت التالي وصفاً لأروع مظاهر الجمال في وجه الحبيبة، فالثنايا لامعةٌ مثل البَرَد، والشفاه متوقّدة مثل المرجان الأحمر، والرموش مثل السيوف المسلولة التي تصرع العشاق بلا رحمة:

    الثنايا بَرَدْ

    والشِّفايا توقّدْ

    وبالرَّموشْ المطلِّهْ

    كمْ صريعْ وقتيلْ

    لكنّ الموقف الأساسي في القصيدة هو تمنّع الحبيبة، ومهما حاول الشاعر أن يتخلّص من هذا الشعور، فهو جوهر القصيدة، ليعود لتأكيد مماطلة الحبيبة وعدم نيله للوصال، برغم إلحاحه بالطلب مثل الطفل الصغير، لكن كل نداءات القلب ذهبت مع صدى الريح:

    طالبنِّهْ ورَدْ

    بالمعاتبْ وجَدَّدْ

    جيتْ شافي لَعَلِّهْ

    بالمواصَلْ ينيلْ

    مثل طلبَة ولدْ

    لوُ إنعطا شَيِّ عَوَّدْ

    والطّلبْ ما يمَلِّهْ

    لوُ عطوهْ الجزيلْ

    ثم كانت الخاتمة الموجعة التي هي روح الروح من القصيدة، والتي تلخّص أعمق جراح القلب، حيث ينزف الشاعر في لحظة الوداع، ويعترف الشيخ الجليل بخيبة القلب من هذا الظبي النفور الذي ما وفى بالعهد، وغادر تاركاً في القلب جمرة لا تنطفئ، ولوعة لا تخفّف من جمرها الأيام، فكانت هذه الخاتمة الحزينة التي تحرق القلب، وتجعل القارئ شديد التعاطف مع عذابات هذا الفارس النبيل الذي ذهبت صرخةُ قلبه في أودية الجحود والنكران:

    ما وفا بالعَهَدْ

    قالْ لي يا محمدْ

    لكْ أنا العمرِ كلِّهْ

    المُوِدِّ الخليلْ

    عافني وإبتعَدْ

    ولعذابي تقَصَّدْ

    وأنا روحي فداً لهْ

    وما لحبِّهْ بديلْ

    ربما تكون هذه القصيدة من أعذب قصائد صاحب السموّ، وأكثرها دلالة على فروسية قلبه، ودندنات روحه في خلواته، فهذا الرجل محظوظ في فنون الشعر، لكنّ حظه الأوفى إنما يتجلى في موضوعين اثنين من الشعر، هما: صلواته في محراب الجلال الإلهي، حيث يذرف الدمع على سجادة الخضوع، وصلواته في محراب الحبيبة، حيث تذرف عين قلبه دمع الحنين والوفاء، فجميع الجراح تبرأُ إلا جرح القلب، فهو الأخضر الطري الذي لا ينشف حتى لو اشتعل الرأس شيباً، وانحنى عود العمر، وتوكأ الفارس على العصا.

     

    طباعة Email