العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    رائعة محمد بن راشد في ثلاثية الإنجاز والإبداع والمجد

    مضى عام وها نحن ذا على عتباتِ عامٍ جديدٍ فاز فيه من عمل وجدّ واجتهد وأعلى البناء وطاول عنان سماء المجد، وخسر فيه من أهمل وركن إلى الدعة واطمأن إلى الكسل وآثر أن يبقى على حاله، بدون أن يدخل في سباق التميز وينافس المتنافسين على قصبات الفضل والتقدم والإنجازات العظيمة، كما فعلت قيادتنا الرشيدة التي بلغت منجزاتها مشارق الأرض ومغاربها وأشادت بها الدول العظمى وأبهرت الناس باختلاف لغاتهم وجنسياتهم في عقود أربع لا تعد في عمر الدهور، لكنه توفيق الله عز وجل ثم جهود رجال عظماء تتابعوا وتعاهدوا على الوفاء بالعهد ومتابعة المسيرة من أجل إسعاد شعبهم ثم الوقوف مع قضايا الحق في كل مكان، هذه القيادة المتمثلة بصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، وأخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وأخيهما صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وإخوانهم أعضاء المجلس الأعلى حكام دولة الإمارات العربية المتحدة، الذين ندعو لهم ليل نهار بالتوفيق والسداد وطول العمر، لأننا نحبهم ولأنهم يحبوننا وجعلونا من أسعد شعوب الأرض.

    شاعر عالمي

    لا شك أنّ الشاعر لسان حال أهله وأرضه ودولته وأمته فكيف إن كان شاعراً عالمياً يتابع أقواله وأفعاله أهل العقد والفصل في الدنيا وحاكماً عادلاً فاق الناس في إنجازاته واستشرافه للمستقبل الذي يراه قبل وقوعه، فيقع كما رأى وهو كما قال الشاعر:

    الألمعي الذي يظنّ بك الظنّ

                              كأنْ قد رأى وقد سمعا

    هذا هو صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، الشاعر الحكيم الفارس الذي إذا قال قولاً فإنّ الحكماء يدرسونه ويتداولونه ويشرحونه للناس كي يستفيدوا من علومه وتجاربه ونظراته التي لا تخيب في الحياة وفي دورانها وتقلباتها وفي أخبار الرجال وأنواعهم، فهو كما يقول في مطلع قصيدته العصماء:

    الــزِّمَــنْ رَحَّــــالْ والــدِّنـيـا تــــدورْ

                           غــيــرْ أنَّــــا مــــا يـغـيّـرنا الــزِّمـانْ

    الزمن رحّال وهي عادته لا يتغير ولا يُغيّر سنته، فهو كثير الارتحال لا يملّ ولا يكلّ، ولم يقل الشاعر يرحل أو ينتقل أو أي مفردة أخرى مشابه لأنها لن تدلّ إلى المعنى العميق الذي يريده الشاعر، بل اختار مفردة على صيغة التكثير وهي فعّال «رحّال» للدلالة على ما يدور في خلده ومتابعته لمجريات الأمور وخباياها منذ طفولته، وهو الذي حمل أعباء كثيرة وعرف الزمان بجميع أطيافه وقرأ التاريخ وفهم عبره ومواعظه فلم تكن هناك مفردة هنا أدق من «رحّال» لتهيئ المجال للسامع أن تسبح أفكاره في فضاء هذه القصيدة الرائعة، ولتتكون صورة الزمان في أذهاننا وكأنه رجل كثير السفر لا يكاد يستقر في بلد إلا ويرحل عنها، وذلك لأنّ الدنيا تدور ولا تبقى على حال ولا يستطيع أحد أن يوقفها أو يغير مسارها؛ فهي ثابتة في طبيعتها متغيرة بمن فيها، فهي التي تغيّر الناس وتبدّل أحوالهم إيجاباً أو سلباً، فهل يصح أن نقبل بتغيّر الناس إن كان هذا حال الزمن ودوران الدنيا السريع؟ يأتي الجواب سريعاً من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، بأننا لا نتغيّر، باقون على ما ورثناه من أجدادنا محافظون على عاداتنا وعهودنا ووعودنا كما هي عادة الفرسان وطبيعة الحكّام العادلين النبلاء الذين لا يتغيرون ولا يُغيَّرون فهم كما قال الأول:

    «نبني كما كانت أوائلنا

                         تبني ونفعلُ فوق ما فعلوا»

    فرسان كرام

    كــــلْ عـــامْ إيــمـرْ تِـتْـبَـدَّل إمـــورْ

                        ومـا إنـتبدَّلْ خـذْ عـلىَ هـذا ضمانْ

    نـحـنْ لــي وافـيـنْ لـلفَزعِهْ حـضورْ

                           ونـحـنْ لـي كـافينْ حَـزَّةْ الإمـتحانْ

    ونحنْ لي شافينْ منْ عوقْ الصِّدورْ

                           ونـحنْ لـي عـافينْ مـعطينْ الأمـانْ

    وإذا كان الزمن كثير الارتحال عن الناس والدنيا تدور بهم فإنّ أي عام عندما ينصرم تتبدل أيامه وشهوره بأيام وشهور أخرى جديدة وهذا يحدث كل سنة بدون توقف ومع تبدله تتبدل الأحداث بأحداث والأمور بأمور، وهي شنشنة الحياة ولكنها ليست شنشنة الكرام الفرسان من أمثال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد؛ فلا تتبدل طبيعتهم، فهم هم بل يزدادون كرماً ووفاء ثابتين على مبادئهم وإن تبدلت الأعوام ولبس الناس لباساً غير لباسهم خوفاً أو طمعاً، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، رعاه الله، ما قاله نعرفه فيه وفي أجداده وتاريخهم شاهد، وآل نهيان الكرام، وشعب الإمارات الأصيل؛ لأنهم إذا أتاهم من يريد الفزعة (النجدة) لا يسألون من هو وما يريد؟ بل ينجدونه سريعاً كما قال الأول:

    لا يسألونَ أخاهم حين يندبهمْ

                              في النائباتِ على ما قال برهانا

    يكفون من يحتاجهم

    وهم أيضاً يكفون في حزة (وقت) الامتحان لا يرجعون ولا يفشلون، فهم يكفون من يحتاجهم ويزيدون، مجربون ومدربون على ذلك طيلة القرون الماضية، وهم أيضاً شفاء لمن هو يتميّز غيظاً على من أخذ حقه وسلبه أو اعتدى عليه بنصره ورد الحق له ولو كان من كان، وهناك شواهد كثيرة في عصرنا وفي الماضي وما سيأتي من الزمان فهم واثقون بالله، متدرعون بالعدل والحق يدافعون عن المظلوم ويردون الحقوق إلى أهلها، وما اليمن وما حدث لأهلنا فيها ببعيد منا، فقد نصروا الشرعية وأعادوا الأمن إلى معظم اليمن وسيتحقق النصر قريباً بإذن الله.

    ثم يحدثنا الشاعر عن أمر يعرفه كل من قرأ التاريخ بأن في أوقات الحروب والأخذ بالثأر عادة لا يرحم الغالب المنتصر المغلوب ولكن تأبى أخلاق الفرسان الكرماء إلا أن تقدم العفو لمن طلبه بل تعطيه الأمان وإن كان عدواً محارباً لنا، وهي عادة عربية أصيلة حث عليها الإسلام، قال تعالى:

    «وإن جنحوا للسلم فاجنح لها»، وقال: «وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم» وغيرها من الآيات والأحاديث، التي تحث الناس على العفو والصفح وتأمين من طلب الأمان وهي من أخلاق قبل الإسلام فأحرى أن تكون من أخلاق المسلمين.

    شيم وأصالة

    لــي نـخـاطِرْ سـاعَةْ الـمخطِرْ يـثورْ

                            ولــي نـشَمِّر سـاعَةْ إيـبورْ الـجبانْ

    عَـــنْ حـمـانا حَــزَّةْ الـحَـزِّهْ حِـضـورْ

                              ومـنْ لـقانا يـخافْ فـرسانْ الـطِّعانْ

    بـالـمـواضي والـلِّـواضـي لـلـشِّـرورْ

                           مـا نـصَـوَّبْ فــي الـظـهورْ ولا نـهـانْ

    يؤكد في هذه الأبيات سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد على العادات المتوارثة عند أهل الإمارات حكاماً وشعباً، بأنهم يخاطرون في وقت الشدائد حمايةً لدولتهم وحفظاً لحقوق من في جوارهم ومن يستنجد بهم، فهم يشمرون عن ساعد الشجاعة والنخوة ولا يتراجعون كما يفعل أهل الجبن والذلة، فهم يذودون عن حياض عزتهم بالسيوف الماضية والنيران الحارقة وينازلون الفرسان في وجوههم ولا يصوبون في ظهورهم إذا فروا وكعوا عن مقابلتهم كما يفعل أهل الغدر والخيانة بتصويب نيرانهم في ظهور الغافلين أو الفارين، ومن عادة العرب في الجاهلية التي أثبتها الإسلام، ألا يتبعوا فاراً ولن تجد أيضاً فارساً نبيلاً يفر يوم الزحف.

    وفي ذلك يقول حسان بن ثابت رضي الله عنه، يمدح شجاعتهم وعدم فرارهم في الحرب:

    فلسنا على الأعقابِ تدمى كلومنا

                              ولكن على أقدامنا تقطر الدما

    جندنا الشجعان

    ومــــا عـلـيـنا يـــومْ جــبَّـارٍ يــجـورْ

                            ولــي يـعـادينا بـوقـتْ الـكـونْ حـانْ

    جـنـدنا الـشِّـجعانْ وافـيـنْ الـشِّبورْ

                                الأسـودْ الـلِّي بـهمْ كَـسبْ الرِّهانْ

    حـافـظـينْ الـعَـهـدْ مـوفـينْ الـنِّـذورْ

                            يـــومْ جَـــوْ الـمـعـركَهْ نــارْ ودِخــانْ

    والـصِّوارمْ فـي الـصِّدورْ وفي النِّحورْ

                              والــمــنـايـا حـــاضـــراتٍ لــلـعـيـانْ

    أهل الإمارات أمجادهم كالشمس لا تخفى على أحد ولا يهمهم جور الجبارين لأنّ من يعاديهم سوف يحين ويهلك في نهار الكون (الحرب)، لأن جند الدولة أمجادهم مسطرة ظاهرة لا نقص فيها فهم كل يوم يضربون أروع الأمثلة ويذهلون قادة الجيوش في الدول الكبرى المتقدمة مع قلة عددهم، فهم أسود لا يهابون ويكسبون أي رهان يدخلون فيه، وقد بان تميزهم وتقدمهم في كثير من الدول التي شاركوا فيها، فلم يعد هناك شك في نجاحاتهم في الجو والبر والبحر، ثم يصور لنا إحدى بطولاتهم عندما قدموا إلى معركة الكرامة وكلها نيران تحرق الأخضر واليابس والسيوف (الصورام) تخالج الصدور والموت في كل مكان يراه الناس عياناً، ومع ذلك ورغم المخاطر المحدقة فهم حفظوا العهد ولم يتخلوا عنه وأوفوا النذر، لا كما فعل غيرهم من المتخاذلين الذين خانوا أهلهم وجيرانهم وتعاهدوا مع الأعداء من أجل مطامع لا أخلاقية وقد نالوا جزاءهم.

    صقور الجو

    وهُــمْ لـهـا عـنـدْ الـمـلاقاهْ الـصِّقورْ

                             والـمـعادي الـصِّـيدْ مـا حَـصَّلْ أمــانْ

    لــوُ تـلايَـوْا مـثـلْ ضـبَّـانْ إفْ جـحورْ

                               نظهِرْ اللِّي في السَّرَبْ يبغي مكانْ

    عـزمنا مـشهورْ فـي سـنينْ ودهورْ

                                كــمْ رووهـا الـنَّاسْ فـي كـنَّا وكـانْ

    يتابع الشاعر العظيم في وصف جنوده الأشاوس، فيصفهم بأنهم صقور الجو المسيطرون على سماء العدو فلن يجد له منهم أماناً ولا دخل الظالم المعتدي في جحر (سرَب) ضبٍّ فسيخرجونه منه وينتقمون منه أشد انتقام، جزاء على عدوانه وظلمه، وهذا الأمر ليس غريباً على أهل الإمارات فإنّ لعزمهم ماضياً مروياً مسجلاً في التاريخ لا يمكن طمسه ولا نسيانه على مر الأزمان، ويقول في ذلك المؤرخ الشاعر أحمد بن سليم، رحمه الله:

    كم هرّقت واروت ترابه

                              فيها بني ياس من دموم

    كما طامعٍ عيّت ركابه

                              ردوه عنها قهر محروم

    سيرة الأمجاد

    وسـيرَةْ الأمـجادْ تـنوِرْ فـي السِّطورْ

                            عَــنْ قـيـودْ الأرضْ مـروينْ الـسِّنانْ

    وعَـــنْ زعــيـمٍ زادْ نــورٍ فــوقْ نــورْ

                              ولـلـوطَنْ والـشَّـعبْ بـالـتَّدبيرْ صـانْ

    ذاكْ بــوخـالـدْ بــــهْ إتِّــــمْ الأمـــورْ

                            اللهْ لِــهْ عَ الـخـيرْ والـمـعروفْ عــانْ

    نـعـمْ بـمـحمَّدْ لـهـذي الــدَّارْ سـورْ

                                   ونـعـمْ بـإخـوانِهْ لـهُمْ مـنِّي إمـتنانْ

    يتابع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد رائعته العصماء، وينتقل إلى ذكر سيرة الأمجاد، التي عندما تذكر تنير السطور والكتابة والكتاب، وأظنُّ في هذا البيت إشارة إلى قصيدة قديمة لسموه يمدح فيها والدنا المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بعنوان «سيرة المجد» بمناسبة اختياره الشخصية الإسلامية، التي يقول فيها:

    يا سيرة المجد ما تبغين عنواني

                              يكفيك زايد عن كبار العناويني.

    فالمغفور لهما الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، وأجدادهما ومؤسسو الاتحاد وجنودهم الأوفياء، هم قيود الأرض المسيطرون عليها والذين يروون أسنتهم (رماحهم) من دماء أعدائهم، ولم يتخاذلوا يوماً عن حماية أرضهم ولن يتخاذل خلفهم ومن يأتي من بعدهم، فهي سلسلة متواصلة من العزائم والإنجازات لا تتوقف إلى ما شاء الله. ومن الزعيم العظيم يخرج زعيم جديد وعظيم فهو يزيد النور نوراً، وهو من صان الدولة وشعبها وحماها من الشرور هذا هو صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان: بو خالد، فبه تتم الأمور وتكتمل بعون الله ونصره بالخير والمعروف، فأنعم وأكرم بسور الإمارات وحصنها الحصين صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد وأنعم أيضاً بإخوانه الكرام وكلمة ونعم لا يقولها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد إلا لمن يستحقها، لأنها ثمينة جداً جداً عنده وعند العرب في الجاهلية والإسلام.

    دعاء

    إنـتـهـىَ عـــامْ وبــدىَ عــامٍ يــزورْ

                                  وإسـتِـلَمْ الأوَّلْ مـنْ الـثَّاني الـعنانْ

    اللهْ يـجـعَـلْ عـامـنـا كــلِّـهْ ســـرورْ

                             والـوطَـنْ فــي خـيرْ وأفـراحْ وجـنانْ

    ثم ينهي الشاعر الكبير قصيدته بدعاء له ولجميع شعبه، فهذا عام 2017 انتهى وأتى عام 2018 وقد أقبل علينا واستلم عنان (لجام) القيادة منه، وندعو الله أن يجعله عاماً كله مسرات علينا وعلى وطننا بالخير والأفراح والجنان.. اللهم آمين.

    طباعة Email