2000 عام من حضارة الحجرين

«حتا».. ملتقى التاريخ والجغرافيا

صورة

من المناطق التاريخية في الدولة، منطقة حتا التي تعتبر من المدن العريقة نظرا لتاريخها القديم، فبحسب الباحث والمؤرخ حمد سلطان محمد حمدان المايدي البدواوي، فان تاريخ المنطقة يعود للفترة من 2000 الى 3000 عام، وكانت تسمى بالحجرين سابقا، واشتهرت بمعالمها التاريخية والزراعية والتجارية..

كما جاء ذكرها في كتب التاريخ العربي القديم مثل كتاب(معجم البلدان ) لياقوت الحموي، وذكرها ابو علاء المعري في كتبه، وعن تاريخ المنطقة وعادات وتقاليد سكانها، تطرق الباحث الى مختلف القضايا التي تهم حتا في الجانب التراثي والحضاري.

الموقع الجغرافي

يقول حمد سلطان البدواوي: المتابع للتاريخ يجد أن ( المنطقة) ذات موقع استراتيجي مهم، كونها منطقة حدودية ومعبرا للقوافل في القديم، واحدى الطرق التجارية، وموقعها الجغرافي بمعالمه الجبلية والسهلية، منحها مكانة زراعية كبيرة..

وأضاف، لها عنصري الأمان والاستقرار، وسكانها هم من البدوات والذين عرفوا بالبدواوي وفروعها، الموايد، الصوالح، الولاي، السواعد، المطاوعة، وأولاد علي بن سيف، الهواشم، وأولاد بن غريب الصبيحات، الرعيتات، العميرات، الرواشد، الشراعنه، الشماسات، السويفات، الخوالد، العيالين، الحوامد، والشحيميين..

ومن معالم المنطقة الأبراج التي سميت بأسماء لأفراد او لمواقع، مثل برج حتا الجنوبي، وبرج حتا الشمالي، وهما من اشهر الابراج في المنطقة، وما زالت قائمة حتى اليوم، ومن الحصون فهناك حصنان رئيسيان، وهما حصن الجبل، وحصن الحاره، والاخير هو الأقدم، أما حصن الجبل فقد بناه محمد بن احمد بن خلفان المايدي البدواوي، وتسمى الأفلاج في المنطقة بالافلاج الداوودية نسبة إلى النبي داوود عليه السلام..

وعددها تقريبا سبعة أفلاج هي عبارة عن قنوات مائية ضخمة تحت الأرض، بنيت لغرض تنظيم اتجاه سير الأفلاج الفرعية وهي مازالت موجودة الى الان، ومن المساجد القديمة ثلاثة التي اشتهرت بها منطقة حتا، مسجد الحيل، ومسجد الولاي.

ومسجد الشريعة وهو أشهرها والذي يعود تاريخ بنائه لأكثر من 200 سنة، وحتا ذات موقع جغرافي مميز، تحيط بها جبال شاهقة من جميع الاتجاهات، وتتخللها أودية من أشهرها وادي الحتاوي، ووادي المجرة، ووادي جيما، ووادي حتا، وسبق ذكرها في معجم البلدان لياقوت الحموي، واليوم توجد في المنطقة سدود لحفظ مياه الامطار واشهرها سد حتا.

العادات والتقاليد

الأسر في حتا أسرعريقة متمسكة بالعادات والتقاليد العربية الأصيلة، التي تأصلت في تربيتهم لأبنائهم ونشأتهم معتزين بعروبتهم، ويسعى الانسان في المنطقة لإثبات ذاته بالعلم أولا والتمسك بالعادات والتقاليد المتجذرة في مجتمعة، وتتجلى هذه العادات في احتفالات الزواج التي كانت تستمر لمدة ثلاث أيام بلياليها، فأول يوم يسمى يوم الزهبة، ويبدأ من بعد صلاة العصر..

فيذهب أهل العريس الى بيت العروس، في قافلة محملة باحتياجات العروس وأهلها، من ذهب وملابس ومواد غذائية وغيرها ، ويستمر العرس لمدة ثلاثة ايام تتضمن (الرزفة) وهي من الرقصات الشعبية، والأهازيج ويتخللها رمي البندقية او ما يعرف بعرض اليوله، ومن تقاليد المنطقة استقبال المواليد الجدد بعادات مميزة وقديمة كالأذان في اذن المولود، والتحنيك (العقيقة)..

وبعد الأربعين يحلق شعر الطفل ويدفن شعره تحت فسيلة نخلة تملكها الاسرة، تيمنا بان يكون من ذوي الأملاك في كبره، وتسمى النخلة باسمه، كذلك في استقبال الحجاج ومن عادات الاسرة ان ترفع علما على بيت الحاج في اشارة الى انه هناك من قام بالحج، ويتناوب أهل الفريج في اعداد الوجبات له، وزيارته لتهنئته بزيارة بيت الله الحرام، واستقبال الضيف والحفاوة به تستمر لمدة ثلاثة أيام، ويتنقل خلالها الحاج من بيت الى آخر..

وتتجلى العادات والتقاليد في واجب العزاء حيث يجتمع جميع أهل البلد، للوقوف مع أسرة المتوفى في محنتهم، ويتولى اهل الفريج اعداد الطعام لأهل الميت وللمعزين الذين يكونون قد قدموا من المناطق البعيدة، وبالنسبة للتقاليد فان الاسر تلزم الأطفال بلباس الزي التراثي..

وتعصيمهم منذ الصغر يلبسونهم الغترة، ويعودونهم على كيفية استقبال الضيف والترحيب به، ومن الطقوس ايضا أن يقدم الولد القهوة للضيوف ويبدأ بكبيرهم، وبالفطنة يستطيع أن يميزه دون أن يعلمه احد، وحتى الجلوس في مجلس الرجال له قواعد وأصول، كما اشتهر أهالي حتا بالعمل في الزراعة، وكانت أشهر المزروعات هي زراعة الغليون، والعمل بالنخيل، وتربية المواشي والتجارة بها، والتبادل التجاري في السلع..

حيث كانوا يتبادلون أصواف الخرفان، وكانوا يتاجرون أيضا بالتمر والعسل، وأغلب الرجال امتهنوا مهنة البناء، وتتضح في أبنيتهم حرفية البناء بالطين وبالحس الهندسي البسيط ، في تحديد البيوت الشتوية والصيفية، وبرعوا كذلك في الصناعات الحرفية المنزلية مثل أدوات المائدة.

حتا الحديثة

 لعب آل مكتوم دورا عظيما في المنطقة، حيث تم بناء حتا الجديدة على يد المغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، الذي كان على علاقة ودية مع كافة ابناء المنطقة، وكان يزورهم بشكل متواصل، كما كان يبني المساكن لأهالي المنطقة، وحفر الآبار، وايصال التيار الكهربائي، ورصف الشوارع ، وبناء المستشفى، وبنى له قصرا في المنطقة مازال قائما حتى اليوم ويعد معلما حضاريا للمنطقة..

وتابع خطواته المغفور له الشيخ مكتوم، واستمرت عملية التطوير للمنطقة، وصولا لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، حفظه الله، الذي جعل من حتا منطقة متطورة، فيها العديد من المؤسسات الحكومية والخدمية ، وتشهد المنطقة تطورا جديدا يوما بعد يوم، ويواكب تطويرها جنبا الى جنب بما يحدث في دبي المدينة المتميزة عالميا في جميع نواحيها.

قرية التراث.. سجل تاريخ عريق

أنشئ على تلة في منطقة حتا، قرية أطلق عليها قرية حتا التراثية، وهي أحد المشاريع الحيوية التي تُمثّل حقبة تراثية مضيئة في تاريخ دبي، لتعريف الأجيال والزائرين على الشكل الذي كانت عليه منذ مئات السنين، وتُشكّل القرية حالة من التفاعل بين العمارة الجبلية، والسهول والسواحل والصحارى، وتقع مدينة حتا التراثية في قلب مدينة حتا،..

وفي واحة زراعية كبيرة، فهي تتوسط منطقة جبلية وعرة، وتبرز فيها الأبراج والحصون الدفاعية، كذلك توجد بها العديد من قنوات الري المنتشرة في كل اتجاه، وأعيد ترميم مباني القرية التراثية بالكامل، وأصبحت من المراكز السياحية والتراثية التي تستقطب الزوار من داخل البلاد وخارجها..

حيث كانت تقام في الماضي نشاطات القرية التقليدية الاقتصادية والاجتماعية، مثل إنتاج العسل من التمور، والحرف اليدوية المختلفة، مثل الخزف وأعمال السعف وأنواع البضائع كالأقمشة والمنسوجات، وتبدو قرية التراث كما كانت عليه في الزمن الماضي، بعد الترميم وحافظت على خصوصيتها السابقة، وخاصة في أسلوب البناء، فمواد البناء كانت تستخدم لبناء البيوت الجبلية ..

كما كان تستخدم الأحجار الجبلية والصاروج، والطين لطلاء الجدران، وجذوع النخيل والطين للأسقف، بينما الأبواب والشبابيك تعد من خشب التيك الذي يصنع من هياكل ألواح أشجار النخيل، وجذوعها لإنشاء الأسقف وتغطيتها بطبقة من التراب والرمل، ومعروف أن البيوت القديمة في المنطقة تنوعت واختلفت أشكالها، فهناك البيوت الكبيرة العالية، وأخرى صغيرة وهي عبارة عن أكواخ من الطين والقش..

وفي الأعلى يقف البرج ليحقق حالة من الاحتضان والأمن للقرية، ومن الناحية الجمالية فإن القرية تبدو في أبهى حللها، حيث تقع في قلب الجبال المحيطة بها وتحيطها الخضرة بحزام كثيف من الأشجار، وهي في موقع بعيد عن مظاهر العصر من ضوضاء وتلوث، وعند دخولها يشعر المرء وكأنه عاد إلى الماضي الجميل بكل بساطته وجماله، فيها تمثل الماضي بعراقته وتاريخه.

 نشر ثقافة «تراثي سر أصالتي» بين الفتيات

تسعى سندية خلفان البدواوي، مديرة مدرسة خديجة بنت خويلد للتعليم الأساسي في مدينة حتا، الى نشر ثقافة تراث المنطقة بين أوساط الطالبات، متخذة من مقولة المغفور له بإذنه تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، "لا بد من الحفاظ على تراثنا القديم لأنه الأصل والجذور وعلينا أن نتمسك بأصولنا وجذورنا العميقة"..

وقالت إنه ضمن مشاريع فريق "جودة التعليم والتعلم" في المدرسة، استطاع ان يقدم برنامجا متكاملا، بعنوان "تراثي سر أصالتي"، والذي يقتصر على تراث دولة الإمارات، وبما أن دول الخليج تربط بينها عادات وتقاليد ولغة واحدة، أرادت أسرة المدرسة أن تجمع بين أبناء دول الخليج في هذا العام تحت شعار تراثنا واحد..

وحظيت المدرسة بقبول إيجابي من سلطنة عمان والكويت والبحرين والسعودية، بالإضافة إلى المؤسسات والدوائر الحكومية في الدولة، وشاركت في فقرات الحفل كل من مدرسة مسافي للتعليم الأساسي، من منطقة الفجيرة التعليمية ومدرسة حتا، ومدرسة راشد بن سعيد، من منطقة دبي التعليمية...

ومدرسة حفصة بنت سيرين بمحافظة البريمي من سلطنة عمان، وحضرها من المدعوين، الدكتور صالح السحيباني مدير الملحقية الثقافية السعودية، ونائبه الدكتور صالح الدوسري، ومدير عام المديرية العامة للتربية والتعليم بمحافظة البريمي، موسى بن علي بن محمد الهنائي وغيرهم من ممثلي الملحقيات الثقافيات لدول مجلس التعاون، ومديري المدارس في حتا والمؤسسات والدوائر الحكومية فيها.

تعريف التراث

وتضيف سندية البدواوي قائلة: البرنامج تضمن التعريف بالتراث الإماراتي، وخاصة تراث منطقة حتا، جولة في القرية التراثية لتعريف الضيوف وطلبة وطالبات المدارس بالتراث القديم من خلال هذه القرية التي تجسد معالم حتا، كذلك تضمن البرنامج غرس عروض اليولة بين أوساط الأطفال، كما تسعى طالبات المدرسة الى تعريف العرس التراثي والعادات والتقاليد التي تصاحبه..

كما كان لفريق "جودة التعليم والتعلم" جهودا كبيرة في تقديم العديد من الفقرات والبرامج للتعريف بالتراث لضيوف المدرسة، وفي الوقت نفسه أتقدم بكل الشكر والعرفان لمدير منطقة دبي التعليمية، لدعمه المادي والمعنوي لهذا المشروع، والشكر لكل من ساهم مع المدرسة في إعداد المعرض التراثي، بالأدوات والأزياء التراثية والأكلات الشعبية والحرف القديمة، وأخيرا أتمنى من الجميع ان يهتم بتاريخه وتراثه الذي هو تراث الآباء والأجداد...

وواجب علينا الحفاظ عليه وكذلك تعريف الجيل الجديد، بما نملكه من أصالة وحضارة ومن تنمية للإنسان الذي يعد هو الأساس في بناء الحضارة، ونحن في منطقة حتا نملك تراثا راسخا من مئات السنين، ولنا عادات وتقاليد وموروث شعبي يزخر بالكثير من التميز، كما يوجد في المنطقة جمعية حتا للثقافة والتراث والفنون، وهي تعنى بكل ما هو موروث شعبي، وتعمل جاهدة للحفاظ عليه، كما أنها تقوم بإعداد البرامج التراثية على مدار العام.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات