محمد البواردي في لقاء مع «درع الوطن »:

الإمارات تجابه تهديدات المستقبل باستراتيجية ممنهجة

أكد معالي محمد بن أحمد البواردي وزير دولة لشؤون الدفاع، أن دول وجيوش العالم تواجه تحديات كثيرة متنوعة في القرن الـ 21، الذي يحمل بين ثناياه أنماطاً وتهديدات لامتماثلة.

لا سيما أن التنظيمات والميليشيات والحروب بالوكالة باتت تمثل أحد أخطر أنماط الحرب اللامتماثلة أو غير التقليدية بين الجيوش، إذ باتت تمتلك أسلحة وأدوات عسكرية قادرة على خوض المجابهات الشرسة مع الجيوش.

وقال إن دولة الإمارات العربية المتحدة لعبت دوراً مشهوداً في التصدي لتلك التحديات المستقبلية، ووضعت استراتيجية ممنهجة لمواكبة المتغيرات الحديثة والتطورات التي تشهدها المجالات العسكرية.

جاءت تصريحات معالي محمد بن أحمد البواردي في حوار لمجلة درع الوطن، بمناسبة انعقاد المؤتمر الثاني لوزارة الدفاع بعنوان «القادة لحروب القرن الـ 21»، الذي ينطلق برعاية كريمة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، الأحد المقبل، إذ تناول الحوار الذي أجراه المقدم ركن يوسف جمعة الحداد رئيس التحرير في مضمونه أهمية وأهداف هذا الحدث الكبير.

لاسيما أنه سيضيف تراكماً إلى المخزون المعرفي لدى القادة والمؤسسات المعنية بالأمن الوطني في الدولة، فضلاً عن المتغيرات والتطورات التي يشهدها القرن في المجالات العسكرية بمختلف مساراتها، وتالياً نص الحوار:

ما هي أبرز أهداف المؤتمر والمخرجات التي تتوقعونها منه؟

لا شك أن انعقاد مثل هذه المؤتمرات ضرورة حيوية بالغة الأهمية لإعداد قادة المستقبل، وتوفير المعرفة اللازمة لهم من خلال الاطلاع على إحدى أهم النظريات المعرفية في المجال العسكري، والاحتكاك العملي مع القادة والخبراء والمتخصصين في دول أخرى، لاسيما في ظل الطبيعة بالغة التغير والتعقيد لمصادر التهديد الاستراتيجي القائمة والناشئة والمحتملة.

وكذلك التحديات المتحولة والمتجددة في عالمنا، وبما يمكن من تعزيز الوعي الاستراتيجي للقادة، وينعكس بالتالي على مخزون الخبرات لدى قادة وأفراد قواتنا المسلحة، ومن ثم الإسهام في بلورة مصادر التهديد المحتملة وإعداد خطط الاستجابة المناسبة.

تفاعل

ويسعى المؤتمر إلى جانب ما سبق إلى تحقيق أهداف استراتيجية أخرى مثل تعزيز التفاعل بين المؤسسات المعنية بالأمن الوطني في الدولة وبناء فهم مشترك لمصادر التهديد المحتملة ودراسة تأثيراتها وسبل التعاطي معها. والمؤكد أن هذا المؤتمر سيضيف تراكماً إلى المخزون المعرفي لدى القادة والمؤسسات المعنية بالأمن الوطني في الدولة.

لاسيما على صعيد فهم البيئة الاستراتيجية للصراعات الإقليمية والدولية، ورصد تأثيراتها المحتملة على المصالح الاستراتيجية للدولة وبقية دول مجلس التعاون، والأمن القومي العربي في الإطار الأوسع والأشمل، باعتبار أن الأمن الوطني لدولة الإمارات جزء لا يتجزأ من الأمن الوطني لدول مجلس التعاون والأمن القومي العربي.

ما هي أبرز التحديات التي تواجه كلاً من الدول والجيوش في هذا القرن؟

التحديات في القرن الـ 21 بشكل عام تتسم بقدر هائل من التشابك والتداخل والتعقيد، وذلك كانعكاس لمستوى تعقد العلاقات الدولية وشبكات المصالح الثنائية والمتعددة بين الدول والتكتلات الأمنية والسياسية وغير ذلك. وفي مجال عملنا الاستراتيجي وشقه الأمني والعسكري، هناك تحديات تواجه الجيوش في مختلف الدول.

وفي مقدمتها التحولات التي طرأت على أنماط التهديدات ببروز التهديدات اللامتماثلة، حيث يمكن القول إن التنظيمات والميليشيات والحروب بالوكالة باتت تمثل أحد أخطر أنماط الحرب اللامتماثلة أو غير التقليدية بين الجيوش وتنظيمات باتت تمتلك أسلحة وأدوات عسكرية قادرة على خوض المجابهات الشرسة مع الجيوش.

فلم يعد ينقص هذه الميليشيات سوى أنظمة القتال الجوي كي تضاهي الجيوش النظامية في قدراتها القتالية وخططها العملياتية، وهذا الأمر يمثل تحدياً بالغ الخطورة على الأمن والاستقرار العالمي، ويجب العمل على مجابهته والتصدي له.

وهناك أنماط أخرى من التهديدات غير التقليدية مثل حروب الجيل الخامس، التي تعد الحروب غير النظامية أحد مظاهرها وليست كلها، فهناك أدوات أخرى للأجيال الجديدة من الحروب على الصعيد الإعلامي والدعائي والاقتصادي، لاسيما ما يتعلق بالحروب السيبرانية، التي أصبحت أحد أخطر مظاهر التهديد الاستراتيجي المحتمل للأمن الوطني للدول في القرن الـ 21.

استقرار

وهناك أيضاً أنماط جديدة من التهديدات التي تواجه الأمن والاستقرار الدوليين مثل ظاهرة التغير المناخي التي تفرز بدورها تحديات قد تقود مستقبلاً إلى صراعات وحروب ونزاعات عسكرية حول مصادر المياه وغير ذلك.

وفي المجمل فإن لدينا في القرن الـ 21 ثلاثة تحديات أساسية وهي الصراعات غير التقليدية أو اللامتماثلة وتتجسد أساساً في الإرهاب الدولي والحروب السيبرانية وحروب الجيل الخامس، وهناك الطموحات التوسعية لبعض القوى الإقليمية التي تحاول استغلال الاضطرابات السائدة في بعض الدول من أجل توسيع نفوذها والتدخل الفج في شؤون الدول الأخرى.

وهناك تصاعد خطر انتشار السلاح النووي والتجارب الصاروخية، حيث يعجز نظام منع الانتشار النووي حتى الآن عن إيقاف السعي للحصول على السلاح النووي، فضلاً عن عدم وجود آليات دولية فاعلة لحظر التجارب الصواريخ الباليستية متعددة المديات، التي باتت تنذر بنشوب حرب عالمية ثالثة في أي وقت من الأوقات.

إلى أي مدى تؤثر الحروب اللامتماثلة أو غير التقليدية على الأمن الوطني؟

نعيش منذ تسعينات القرن الماضي وربما قبلها بسنوات في قرية كونية صغيرة بسبب ما أحدثته ثورة المعلومات والاتصالات من تغيرات هائلة في بنية النظام الدولي والعلاقات الدولية، ولم يعد من السهل فصل أنماط التهديد الاستراتيجي وحصرها في نطاقات جغرافية دون الأخرى، عدا الصراعات البينية بين دول تتقاسم الحدود الجغرافية وغير ذلك.

فالتحديات والتهديدات في القرن الـ 21 باتت ذات طابع معولم، ولم يعد من السهل على دولة ادعاء بقائها في معزل عن تلك التهديدات، فالظاهرة الإرهابية بحد ذاتها ليس لها نطاق جغرافي محدد، فهي تتسم بالسيولة والهلامية وتعمل ضمن نطاقات أيديولوجية وليست جغرافية فقط، فالإرهاب أفرز ظاهرة «الذئاب المنفردة» التي باتت تمثل مصدر خطر بعد عملياتها ضد المدنيين في دول غربية وعربية عدة.

الحرب السيبرانية

والأمر نفسه ينطبق على تهديدات مثل الحرب السيبرانية وتهديداتها التي تطال البنى التحتية والاقتصادية والاستراتيجية، وهي مسألة لها أهمية بالغة بالنسبة لدولة منخرطة تماماً في الهياكل المالية والمؤسسة للاقتصاد العالمي مثل دولة الإمارات العربية المتحدة.

وهكذا يصعب القول بأننا نعيش في جزيرة منعزلة عما يحيط بنا من مصادر التهديد، وهو ما يفسر عملنا الدؤوب على استشراف مصادر التهديد المحتملة ودراستها بدقة لتحديد خطط الاستجابة والمواجهة والتعامل معها في إطار صيغ التعاون مع الشركاء الإقليميين والدوليين من الدول الحليفة والصديقة، أو في إطار فردي.

كيف تنظرون إلى دور القادة العسكريين في ظل التحديات والتهديدات الاستراتيجية؟

إذا كنا نتحدث عن تحولات نوعية كبيرة على صعيد أدوات القتال، ودخول الأفراد الآليين ميادين المعارك خلال السنوات والعقود المقبلة، وإذا كان النقاش يحتدم حول دور القوات البرية والجوية في حسم المعارك، فضلاً عن طبيعة الصراع ذاته وتغيره من النمط التقليدي إلى الأنماط اللامتماثلة، إلى جانب التغيرات الجذرية التي تطرأ تدريجياً على تأهيل الفرد المقاتل والتدريبات التي يتلقاها بما يتماشى مع طبيعة التهديدات الجديدة والمتجددة،.

فإن علينا أن نتوقع بالتبعية تغيرات هيكلية في أدوار القادة، في ضوء التحولات التي تطرأ على طبيعة العدو ومن ثم ميادين القتال ومسارح العمليات والخطط القتالية، بما يعني أن هناك تحولات بنسبة 180 درجة في أدوار القادة في هذا القرن مقارنة بنظرائهم في بدايات القرن الـ 20 على سبيل المثال.

والعامل الأساسي في هذا التغير هو مستوى التغير والتعقيد والتطور والتشابك الذي طرأ على التهديدات الجديدة، فلم يعد القائد العسكري بحاجة فقط إلى تلقي العلوم العسكرية المتطورة، بل بات لزاماً عليه الإلمام بالعلوم الاستراتيجية في أبعادها كافة الاقتصادية والسياسية والإعلامية والثقافية والعسكرية، وحتى الإلمام بالثقافات والحضارات،.

وذلك نظراً لمشاركة القوات المسلحة للدول في كثير من الأحيان في مسارح عمليات بدول أخرى تتطلب وعياً بثقافة المجتمعات وعاداتها وتقاليدها، حيث يكون التعاون مع عناصر البيئة المحيطة أحد العوامل المرجحة لفاعلية الأداء القتالي والعملياتي وحتى الإنساني والإغاثي للقوات المسلحة في العصر الحديث.

دعم إنساني

أوضح معالي محمد البواردي أنه من الضروري الإشارة إلى أن قواتنا المسلحة كان لديها السبق في بناء مخزون خبراتي ومعرفي في مجال الدعم الإنساني والإغاثي، وهي تعتبر من الجيوش الحديثة المتطورة في مجال العمل على هذا الصعيد الحيوي.

وفي ظل الصراعات والتدخلات الدولية لأغراض إنسانية والمهام التي تضطلع بها الجيوش في بعض الأزمات، اتسعت مهام القوات المسلحة لتشمل إلى جانب مهامها التقليدية المتعارف عليها، أدواراً أخرى حديثة مثل حفظ الأمن والاستقرار وبناء السلام وإعادة الإعمار وتقديم المساعدات الإنسانية والإغاثية والصحية.

وتقديم الدعم أثناء الكوارث والأزمات الطبيعية، وأتوقع اتساع نطاق عمل ومهام القوات المسلحة في ظل تفاقم التهديدات غير التقليدية، لاسيما ما يتعلق بالتغير المناخي وإفرازات الاحتباس الحراري وغير ذلك من تغيرات نتج عنها في السنوات الأخيرة حدوث كثير من الكوارث الطبيعية التي تتطلب تدخلات فاعلة من مؤسسات لها قدرة على التعامل في مثل هذه الظروف بالغة الصعوبة.

وتابعنا جميعاً الدور المشرف لقواتنا المسلحة في مختلف مهامها ضمن قوات حفظ السلام، فضلاً عن أدوارها الإنسانية والإغاثية في اليمن وأفغانستان وغيرها، حيث تضطلع بدور حيوي في تقديم الدعم الإنساني وتوظيف خبراتها الكبيرة في تيسير سبل الحياة للسكان.

مسؤولية

أوضح معالي محمد بن أحمد البواردي وزير دولة لشؤون الدفاع أن التخطيط الاستراتيجي في جوانبه كافة لا يتجزأ، فالأمن الوطني لم يعد مسؤولية القوات المسلحة فقط، بل بات مسؤولية متكاملة وشاملة لها أبعادها وأطرافها بحجم تفرع وتشعب وتعقد وتداخل مصادر التهديد القائمة والمحتملة، واعتقد أن مستويات هذا التعقيد ستتفاقم خلال السنوات والعقود المقبلة.

فكلما ازدادت تطلعاتك وطموحاتك فإن عليك أن تتوقع تلقائياً المزيد من المسؤوليات والمهام للحفاظ على الأمن الوطني وصون المكتسبات، والنجاح يولد بالتبعية مسؤوليات الحفاظ عليه ضد الحاقدين والمتآمرين وغير ذلك، لذا فنحن نعمل على بناء قاعدة معرفية قوية تسهم في التخطيط للمستقبل، من خلال استشراف التحديات وما تفرضه من مهام ومسؤوليات لمؤسسات الأمن الوطني كافة.

وفي مقدمتها القوات المسلحة. والمؤكد أن عقد المؤتمرات والندوات البحثية والعلمية والاعتماد على التفكير العلمي في التخطيط والنقاشات وتحديد المهام والمسؤوليات بات نهجاً أصيلاً في دولتنا ككل، وهو أيضاً جزء لا يتجزأ من مهام عملنا في وزارة الدفاع.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات