المخيمات الصيفية.. فسحة إبداع لتأهيل الطلبة في مسيرة التنمية

تحقق المخيمات الصيفية للطلبة الكثير من الأهداف الترفيهية والتعليمية، حينما يتم تنظيمها بشكلها التقليدي، لكن تطوير هذه المخيمات لبرامجها من خلال مواكبة رؤية الدولة في تعزيز قيم الولاء والانتماء للوطن والارتقاء في القدرات لخدمة المجتمع والتأثير الإيجابي، يسهم في صياغة مستقبل واعد، ويطلق الطاقات للمشاركة الفاعلة في مسيرة التنمية والتطور في الدولة.

كما أن تسخير التكنولوجيا في تنمية مهارات الطلبة يشكل نقلة نوعية في العصر الرقمي، فالمنافسة في ابتكار البرمجيات الرقمية وإنتاج للتكنولوجيا الذكية، أثر على مناحي الحياة، وهذا التحول مرتبط في إعادة صياغة مستقبل المخيمات الصيفية، وقد حفل هذا العام بالعديد من المخيمات الصيفية المتخصصة بالذكاء الاصطناعي، والفضاء، والتكنولوجيا، التي توسع مدارك المشاركين، وتصقل مهاراتهم وتجهيزهم للدخول إلى سوق العمل.

دولة الإمارات بدورها تسعى لبلورة تصورات مهنية واقعية، إضافة إلى توجيه المسارات الإبداعية على تنوعها كي تتحول من مواهب وأدوات فردية إلى مشاريع جماعية بنّاءة، وتأتي هذه الإضافة النوعية لمخيمات أجهزتها الحكومية والمحلية الصيفية الحديثة في حرصٍ على تزويد كل المشاريع بأرضية مشتركة، تلتقي من خلالها مختلف التخصصات والمشاريع، وتركز على مفاهيم الوعي الذاتي، وريادة الأعمال والقيادة وتنمية المواهب والقدرات.

وتعتبر هذا النقلة الحديثة تماشياً مع «رؤية الإمارات 2021» المتمحورة حول بناء جيل قادر على قيادة مسيرة التحول إلى مجتمع متكامل قائم على المعرفة.

نجاح
وتكيفت المخيمات التي اجتازت القرن مع الزمن المتغير، وكما وصفها قادة ورواد صناعة التخييم في الدولة، فإن الكثير من نجاحها يعزى إلى تحسين المرافق وتوسيع البرامج وتخصيصها وتنوعها.

توازن
منى إسماعيل الرئيسي، باحثة قانونية، تتحدث عن أن معسكرات الأمس بعيدة كل البعد عن معسكرات القرن الحديث من ناحية المرافق والبرمجة وتدريب الموظفين، التي تعد أفضل من أي وقت مضى.

لكن جوهر ما جعل المعسكر شائعاً دائماً، ما زال قائماً، وهو لا يزال مكاناً يمكن للأطفال أن يهربوا إليه أثناء العطلة الصيفية لاكتشاف صداقات جديدة وثقة جديدة ومشاعر جديدة في بيئة مريحة ومناسبة.

مشيرة إلى أن التغيير أمر لا مفر منه في كل شيء، وينطبق الشيء نفسه على المخيمات الصيفية.

ورغم ذلك، بعض أنشطة المخيم أو بالأحرى روح المخيم التي تحظى بالتقدير بقيت قائمة منذ عقود مضت، مثل: كيفية المشاركة وممارسة الألعاب الجماعية والفكرية، في حين تغير الكثير أيضاً.

فمع الدخول إلى مرحلة جديدة وروح مستقبلية، يتمثل التحدي الذي يواجه المعنيين بالمخيمات في الحفاظ على التوازن بين تجربة المخيمات التقليدية واحتضان التقنيات والاتجاهات الجديدة.

لافتة إلى أن التغيير ضروري، خاصة أن الآباء أصبحوا أكثر وعياً بمتطلبات الحياة، إلى جانب أن حمايتهم لأطفالهم أكثر من الأجيال السابقة.

كما أكدت في السياق ذاته أن الميزات المستفادة من المخيمات تقليدية كانت أم حديثة، تكفل فرصاً أكبر في مراحل الحياة اللاحقة من خلال توسيع مدارك المشاركين، وصقل مهاراتهم من أجل تجهيزهم للدخول إلى سوق العمل، إضافة إلى تعزيز كفاءاتهم التي تعد ركيزة أساسية للحياة المعاصرة.

منصة
من جانبها، أوضحت شيخة المسماري، المتطوعة الإماراتية، وهي واحدة من الأمهات المواطنات اللواتي نشاهدهن دائماً يقدمن أبناءهن للتطوع والالتحاق بالمخيمات الصيفية، أن المخيم أصبح يشكل لبنة أساسية في تنمية العنصر البشري ومكوناً رئيساً في تنشئة الأطفال والشباب، ووظيفته غير قابلة للاختزال في الترفيه فقط، وإنما تعدت هذه الوظيفة لتصبح منبعاً للمعرفة والبحث والمبادرة والعلاقات الإنسانية، ووسيلة تجعل الممارسة التربوية واقعية.

وأشارت إلى أنه مؤخراً تغيرت المخيمات الصيفية حتى أصبحت توجه نشاطاتها بروح جيل اليوم من خلال العمل على دمج التقنية الحديثة بالحياة اليومية، وذلك في ظل الوصول المباشر والسهل إلى المواقع الإلكترونية دون أية قيود واتساع نطاق استخدام الأجهزة الذكية من قبل الأطفال والشباب، وتتمحور المخيمات الحديثة حول مجموعة من القضايا المؤثرة مثل الإعلام الاجتماعي والأمن الرقمي، إضافة إلى التوعية كونها الخطوة الأولى لحماية أولادنا من قضايا العصر الافتراضي.وبينت أن المخيمات تحظى بأهمية اجتماعية بوصفها منصة مثالية للشباب للاستفادة من أوقات الفراغ خلال العطلة الصيفية لاكتساب المهارات الأساسية والعملية والمواكبة الفاعلة لتحديات المستقبل، وضبط النفس، ما يسهم في بناء وصياغة المستقبل المشرق، تماشياً مع التطور الاقتصادي، إلى جانب الابتعاد عن الظواهر السلبية.

إبداع
وفي إطار مختلف، أوضحت مريم عبدالله الشحي، رئيسة مفوضية مرشدات رأس الخيمة، أنه كلما تغيّرت الأشياء، بقيت على حالها، وهذه المقولة الشهيرة تعرّف تجربة المخيم الصيفي، بحسب وصفها.

واستعرضت من خلال هذه الكلمات أهمية المخيمات الصيفية أو بالأحرى الكشفية التي تترأس أحد مجالس إدارته، مبينة تأثير التكنولوجيا والتطورات الحديثة على الحياة في المخيمات من حيث الشكل والتنفيذ، إلا أنه لا تزال تمارس الحياة الطبيعية في حياة المخيمات الصيفية التي تنظمها المفوضية.

وقالت الشحي: «نشجع المنتسبات على الانفصال عن وسائل التواصل الاجتماعي والترابط لوقتهن في المخيم، فلقد وجدت دائماً أنها جزء مفيد في معرفة من هن كأشخاص، وما يردن أن يكن عليه».

كما أشارت إلى أكبر نقاط التميز في صناعة المخيمات، وهي سياسة عدم وجود هواتف أو تقنيات حديثة، ما يجعل فرصة الانتساب إلى المعسكر الصيفي فرصة استثنائية، في حين أن مهارات التعايش الجماعي والقدرة على المشاركة واحترام الآخرين تعد أبرز ما يميزها.

مضيفة أن تكوين صداقات هي عناصر أساسية في تجربة المخيم، وبينما يتغير العالم ونتخذ من أدواته الجديدة وسائل للتعليم والتثقف لابد من الاحتفاظ بالقيم الأساسية لتجربة التخييم أو المعسكرات الصيفية كونها وحدها تستطيع تحويل قدرات أبنائنا إلى محركات دافعة للإبداع.

مواكبة
من جانبها، أكدت منى المطروشي، مدير عام جمعية عجمان للتنمية الاجتماعية والثقافية، أن المخيمات الصيفية في الإمارات تحديداً باتت في مجملها مواكبة للتطورات، حيث خرجت من فخ النمطية والتكرار، بل أصبحت بقناعة المختصين مشاركة في صياغة ورسم صورة المستقبل، لافتة إلى أنها أصبحت تبني الطفل وتسهم في تهيئته وإعداده للمستقبل ليكون قادراً ومتمكناً وشريكاً فاعلاً فيه، وقالت المطروشي: المخيمات خرجت عن إطار الطفل يرسم بالألوان في ملتقى صيفي، وباتت «حمد يصمم روبوتاً، وسلطان ينجز مجسم سيارة» ولفتت إلى نقطة في غاية الأهمية، هي أن المخيمات الصيفية باتت تحظى بدعم من المؤسسات الحكومية والخاصة إيماناً من هذه الجهات بجدواها ودورها ومسؤوليتها الوطنية في هذا الإطار الواسع.

أنشطة
وترى الدكتورة مريم الشناصي، مؤسس دار الياسمين للنشر والتوزيع، أن المخيمات الصيفية إذا اعتمدت على الأنشطة الرياضية والفكرية والذهنية بعيداً عن استخدامات الإنترنت حتى لو كانت نمطية فإن محتواها سيسد نقصاً موجوداً، لأن المدارس والمجتمع بشكل عام بات الاعتماد فيه على الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي أساسياً، ما قلل الاهتمام بالأنشطة المختلفة، البيئية والبحرية والثقافية والرياضية وغيرها، مضيفة أن احتياجات كل فرد تتفاوت حسب الفئة العمرية وما اكتسبه من معارف في بيئته فيحاول الالتحاق بمخيمات تتلاءم مع احتياجاته، مضيفة أن التنوع في أفكار المخيمات يمنحها قوة ونجاحاً تحقق الأهداف بعيداً عن الهدر وإضاعة الوقت.

احتياجات
يعقوب الحمادي، مرشد أكاديمي ومهني في وزارة التربية والتعليم، ينظر إلى المخيمات الصيفية بشكل إيجابي بعد أن أصبحت تلامس احتياجات الطلبة وتواكب ما يحدث في العالم من تطورات وتغيرات، وذكر أن الطلبة يشاركون حالياً في مخيمات، مثل مخيم الابتكار لهيئة تنظيم الاتصالات، أو مخيم الابتكار وريادة الأعمال لطلبة المدارس الذي نظمته وزارة التربية والتعليم في خطوة نوعية مهمة، لمواكبة العالم الذي لا يمكن المنافسة فيه وولوجه إلا بالتسلح بالعلم كونه سلاح هذا الزمن.

وأردف: المسؤولون والقائمون على المخيمات هم من الفئات الناضجة والواعية فكرياً، لكن المهم الوصول إلى نتائج وتطبيق النتائج وما بين الخطط والتطبيق، لابد أن يكون هناك تقييم للعمل بهدف التطوير والمواكبة، مؤكداً أهمية العصف الذهني وصولاً إلى نتائج وأفكار غير مطروقة أو مستهلكة.

نقلة نوعية
تطورت المخيمات الصيفية في الإمارات وشكلت نقلة نوعية في برامجها وخططها مقارنة بالسابق، في ظل التحديات الكبيرة التي يواجهها المجتمع، حيث انفتاح المجتمعات وثورة المعلومات.


برامج تدريبية تصقل المواهب بالابتكار
شكلت المراكز الصيفية أهمية كبيرة للطلبة المنتسبين لها، من خلال البرامج والخطط الابتكارية المواكبة للتطور الذي تشهده الدولة، فتشكلت المخيمات المتخصصة في مجالات الثقافة والفنون والرياضة والترفيه، والبحث، وتقنية المعلومات والاجتماعية وغيرها، لكن مع ازدياد شعبية المخيمات، تعثر التزامهم بالحياة الطبيعية، وتم إدخال برامج تقنية وتكنولوجية على البرامج المقدمة، ومع مرور السنوات تطورت تلك المخيمات الصيفية لتشكل جزءاً كبيراً من استراتيجية الدولة، وأصبحت تلعب دوراً مهماً في تحقيق أهدافها الرامية إلى صناعة قادة المستقبل.

وأوضحت آمنة حمد الشامسي عضو مجلس إدارة جمعية عجمان للتنمية الاجتماعية والثقافية رئيسة اللجنة الثقافية والإعلامية، أنه من الضروري أن يحتوي المخيم على برامج تدريبية ممتعة تركز على لغة العصر؛ وهي تكنولوجيا الاتصالات وتقنية المعلومات والابتكار، بهدف بناء مهارات أساسية تساعد الطالب في تطوير نفسه تقنياً وتغرس فيه فكر حسن استغلال الموارد وصقل موهبته ومهاراته حيال تأسيس فكر ريادة الأعمال وتحديداً في العالم الرقمي، وكذلك إلى تعزيز ونشر ثقافة الابتكار بين جيل الشباب الإماراتي في مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وغرس بذور المعرفة، وتشجيعهم على التميز والإبداع، في إطار الجهود الرامية إلى بناء وإعداد الكفاءات والمواهب الإماراتية الشابة.

من جهتها، تحدثت تغريد زهدي من واقع خبرتها ومعايشتها لمئات المخيمات الصيفية والبرامج والأنشطة كونها ناشطة في المجال التطوعي، جازمة بأن هناك نقلة نوعية في شكل المخيمات جعلتها تخرج من الحالة الروتينية التي كانت تقام عليها سواء كان ذلك بالأفكار المطروحة أو بطريقة التنفيذ، وما يعكس استجابتها لميول الطلبة ورغباتهم وتطلعاتهم الجديدة أنها باتت تحظى بإقبال كبير.

تعليقات

تعليقات