صاحب «أرض الخوف» مستمر في إطلاق الفراشات والموسيقى في فضاءات المدن المعتلة

داوود عبدالسيد يرسل من البحر نداء الحياة المستعصية

صورة

لا يمكن لكل هذه البراءة إلا أن يتم اغتيالها. لا يمكن لكل ذلك الشغف، إلا أن تتم مصادرته. وليس بمقدور الخيارات الحرة، أن تفلت من عنق زجاجة، ضيق إلى حد الوجع، إلى حد الصدأ. هذه عناوين من واقعنا. واقع شارع في مصر، ولكن أيضاً في لبنان والجزائر والسودان وسوريا.. حيث عواطفنا المجيّشة، بفعل سطوة القمع والتجهيل والإفقار، تجعلنا نتخبط في جدران العزلة والعدائية ورهاب التواصل. وحيث شذرات أفكارنا المتبلّدة، العصية على التشكل، تجعلنا غير قادرين على إيجاد المعيار النقدي، الأخلاقي بالدرجة الأولى، الذي يسمح لنا بإطلاق الأحكام وتقييم التجارب، تجاربنا أولاً وما يعتمل في دواخلنا، ثم حوارنا مع الخارج، مع الأمكنة وناسها وأحداثها.

نعيش اليوم إمكانية مصادرة ذلك كله، بسهولة مفزعة، من أي كان: أي موظف حكومي في جهاز رقابة لا يفقه شيئاً عن سينما بلاده، ولا يعرف أسماء مبدعي وطنه.. أي شرطي مكبوت يتلهف ليصطاد ضحيته على قارعة الطريق.. أي مفصوم أو منفصل، مدّع وكذّاب، أرعن وجاهل، يعطي لنفسه الحق بأن يصادر فرحك ويهين اختياراتك ويطحن فرديتك باسم «الجماعة».. ولكن، وسط كل هذا الخراب، هل نكتئب؟ هل نتوقف عن الإبداع؟ عن إطلاق الفراشات في الشوارع الرمادية، وسيمفونيات شوبان في فضاءات المدينة الصاخبة والمعتلة.. هل نتوقف عن دعوات التمسك بالبراءة وسط كمائن الشر المنتشرة؟

كآبة المبدع: لعل داوود عبدالسيد، العائد إلى السينما بعد أكثر من سبع سنوات، استسلم خلالها لكآبة المبدع، الذي حين يفقد البوصلة يختار العزلة، لم يجد غير البحر ملاذاً أخيراً، لكي يرسل لنا رسائل الحياة منه. في «رسائل البحر»، فيلمه، الذي يعرض منذ أيام في صالات مصر، وعرض أول أمس في «مهرجان برلين السينمائي الدولي»، ضمن العروض الخاصة للمشتغلين في الصناعة.. يكمل صاحب «الصعاليك» و«الكيت كات» و«سارق الفرح» و«أرض الخوف» رواية النوستالجيا إلى المفقود. الحنين الموجع إلى الجميل الذي بهت لونه. إلى الحنو البشري، البدائي الكامل في دواخل كل واحد منا، والذي تراكمت طبقات من الغبار الاجتماعي فوقه، حتى كاد يذوب.

مونولوج مستمر وذكي، لأحد رواد سينما المؤلف في عالمنا (لا نبالغ حين نقول العالم)، لا يتوقف عبدالسيد عن إدارته مع نفسه، على لسان شخوص قصصه. هذا الرجل، المشغول بقضايا الناس، مهموم بالدرجة الأولى بمأزقه الوجودي، وتواصله مع الخارج. أليس هو القائل يوماً، في معرض حديثه عن الأسباب التي دفعته لكي يترك وظيفته الأولى كمساعد مخرج، ويتحول إلى إخراج السينما التسجيلية: «أنا لا أستطيع أن أركز في مشروعات لا تتعلق بي. أفقد طاقتي تماماً، وشغفي، حين لا يمسني، شخصياً ما أعمل عليه». هكذا، ففي نورا (بسمة) ويحيي (آسر ياسين) وقابيل (محمد لطفي) وكارلا (سامية أسعد) يكمن داوود نفسه، أو لعلهم يقبعون فيه.

تأملات ذاتية

في تأملات ذاتية، متفردة، ونادراً ما نصادفها في سينما العرب، يجري شخوص داوود حوارات مع أنفسهم، ومع الجمهور. يتحدثون، بعبارات صاحب «أرض الأحلام» و«مواطن ومخبر وحرامي»، عن قوانين الغواية والرغبة (للمصادفة عرض برلين فيلماً سابقاً للإسباني بيدرو المودوفار يحمل الاسم ذاته في صالة مجاورة)، عن ذلك الألم الذي يعصر قلب امرأة تعيش في مؤسسة الزواج حالة «مومس»، عن تلك الطيبة الدافقة التي تخرج من عينيّ قابيل، الذي حكم عليه المجتمع بصورة «الفتوة»، القاسي، لكونه فقط، ضخم الجثة.

قابيل، الطفل الضخم، سيجري عملية لنزع ورم قرب الدماغ، قد تفقده الذاكرة تماماً، لذلك يجلس مع حبيبته بيسة (مي كساب) ليسرد عليها كل تفاصيل حياته، لكي تعيد بدورها سردها عليه، في ما لو فقد الذاكرة. مشهد عفوي يعكس عبقرية مخرج - كاتب، في مقاربة القضايا الكبرى المأزومة. حين تفقد الشعوب ذاكرتها، ماذا يبقى؟ من يروي الحكاية؟ من يتذكر حيواتنا الهانئة والطيبة؟ كلنا قابيل، اليوم، وكل منا عليه أن يختار «بيسته» لكي يروي الحكاية قبل أن تندثر. فقط، لو بقيت الحكاية، يبقى التمرد، وربما، يتغير شيء ما.

ثم هناك يحيى، مفاجأة على صعيدين: درامية فيها من القوة والصدق في رسم شخصية متماسكة، قادرة على جذب المشاهد منذ اللحظة الأولى، لشاب طبيب لديه عيب خلقي في النطق، يجد صعوبة في التواصل مع الآخر، فيختار الوحدة لكي تحرره، قبل أن تغير حادثة استماعه لمعزوفة موسيقية، (كما في أفلام عبدالسيد السابقة تلعب الموسيقى دوراً رئيساً في تشكيل مسرح الأحداث وتلاقي الشخصيات)، بالصدفة حياته، فتتماهى البراءة التي تكونه مع ضعف نورا، ويجتمعان معاً. يضعنا يحيى، منذ البداية، في مأزق المواجهة مع أنفسنا.

ربما يشعر المشاهد بداية بضيق واستفزاز غير مفهومين إزاء يحيى. شعور يتبدل سريعاً إلى توهان وخوف. قبل أن يحل الاستسلام والتماهي. فيحيى هو الطيب الذي يعيش فينا ونرفضه، أو نخاف من إعلانه. هو الطفل الذي فقدناه، يوم فقدنا البراءة. هو التواصل الذي عز علينا، بعد أن هدمنا بيوت الجيرة وبنينا مكانها مراكز تجارية ورحّلنا أصدقاءنا «المختلفين» على أقرب سفينة. وهو، قبل ذلك كله، قوة الحياة، والتمسك بالأمل، والنضال من أجل المعشوق حتى النهاية.

من هنا، يتبدى أداء آسر ياسين، الذي نجح في إيصال كل تلك الأفكار لعقولنا وقلوبنا، إلى درجة الشغف وربما التأثر (كان بوسعنا سماع نشيج بكاء في الصالة)، متمكناً وأصيلاً وعالي الجودة، كما مجمل أداء الشخصيات (نبيهة لطفي مؤثرة ومدعاة للاحتفاء والتقدير، ومي كساب، عفوية وجريئة). ياسين ربما يكون أحد الخيارات المطروحة لشفاء غليلنا الذي لم يهدأ منذ رحيل العبقري أحمد زكي (فتحي عبدالوهاب أيضاً).

برلين ـ إبراهيم توتونجي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات