فيلمه تعرض للمحرقة «كما يجب لمخرج أوروبي أن يفعل دوماً»

سكورسيزي يرد على تارنتينو: النازيون لا يستحقون «التعاطف»

صورة

في الوقت الذي كانت صيحات الفتيات تتعالى مساء أمس عند مدخل «قصر المهرجان» في برلين، وتنادي بتلهف العاشقين على اسم النجم الأميركي ليوناردو ديكابريو، بطل فيلم مارتن سكورسيزي «ذا شاتيل آيلند»، كانت أصوات متظاهرين من نوع آخر ترتفع في مدينة ديردسن، شرق ألمانيا، في وجه الشرطة وقوى البلدية والسكان.

الشباب، في برلين، كانوا يحتفلون بحضور النجم الهوليودي، الذي يلعب في «شاتر ايلند» دور جندي أميركي سابق، في جيش الحلفاء الذي حرر برلين من النازيين في عام 1945، وكان جزءاً من عمليات قتل الجنود الألمان النازيين، الأمر الذي يجعله يعيش «عقدة ذنب».

هذا في الفيلم، لكن في الواقع، في ديرسدن، يعيش المتظاهرون ممن يطلق عليهم اسم «النازيون الجدد» عقدة ذنب من نوع آخر، تجاه الضحايا من المدنيين الذين سقطوا في المدينة، أثناء قصف الحلفاء لها في مثل هذه الأيام من فبراير العام 1945، الأمر الذي أدى إلى قتل 25 ألف ضحية في ثلاثة أيام فقط. وعلى مدى السنوات الماضية، تمكن اليمين المتطرف من تنظيم أكبر تظاهرات «النازيين الجدد» في أوروبا، إلا أن الأمور اختلفت هذا العام، إذ أن جمعيات تحمل لافتات «من أجل ديردسن خالية من النازية»، إضافة إلى تجييش رئيس البلدية السكان من أجل تكوين حزام بشري في مواجهة المتظاهرين، ناهيك عن تدخل الشرطة، كل ذلك أدى إلى إفشال التظاهرة لأول مرة منذ ما يزيد على 60 سنة.

الآن، ما هو منطق التشابه بين الواقعتين: مارتن سكورسيزي، ينجز فيلما عن رجل يشعر بعقدة ذنب كونه قتل الجنود الألمان، من أجل إنقاذ اليهود من المحارق هذا ما نتوهمه خلال المشاهدة، للفيلم الذي تتجاوز مدته الساعتين، لنكتشف في الختام أن هذا الرجل ما هو إلا مجنون يحتاج إلى علاج. هل هذا هو فعلا ما أراد قوله المخرج الهوليودي المخضرم، في مقام «الحساسية البرلينية» تجاه كل صوت جديد يقترب من «الهولوكست» بمقاربة مختلفة، هل أراد أن يوصل إلينا أن كل من يعتقد أن عمليات القتل التي نالت من النازيين، قد تولد شعوراً بالذنب، في لحظات المراجعة التاريخية، ما هو إلا مريض مجنون ومتوهم، يحتاج إلى العلاج والى مواجهة ذاتية مع النفس.

إذا صح لنا هذه القراءة في ربط أحداث فيلم التشويق الهوليودي الذي تدور أحداثه في جزيرة مرضى نفسيين، فهذا يعني أن سكورسيزي، في دورة أفلام المهرجان الستين، جاء بالرد البليغ على فيلم جدلي آخر، يتعرض للقماشة ذاتها، هو «انجلوريوس باستر» لكوينتن تارنتينو الذي يقلب الأدوار المتعارف عليها في هذا النوع من السينما، فيظهر اليهود في دور النازيين. في فيلم تارنتينو، الذي عرض قبل سنة ونال هجوماً شرساً من جماعات الضغط اليهودي، نرى اليهود يضربون رؤوس النازيين بمضارب البيسبول، ويحفرون الصلبان المعقوفة على جبهات الضحايا الذين يبقونهم على قيد الحياة.

هذا الفيلم، الذي لعب براد بيت دور البطولة فيه، هو سلسلة من أفلام الحرب العالمية الثانية الناجحة التي تركز بشكل مفرط على بطولات اليهود المسلحين (كما في دافيونس) والمقاومة الألمانية (فالكيري، الوردة البيضاء) أو التعاطف المبطن مع الارتباك الأخلاقي الألماني (ذا ريدر).

من هنا، يبدو سكورسيزي، وكأنه يعيد إلى هذه القضية، التي تحتفي بها أفلام برلين بشكل ظاهر كل سنة، بعدها «الواضح» والمألوف، بعيداً عن تلك «الارتباكات» التي بدأت تظهر في أفلام منتجة خلال السنوات الخمسة الماضية، والتي أرادت تجاوز صورة اليهودي الضحية، إلى صورة أكثر واقعية، هي «اليهودي الناجي».. فقط.

ومن برلين إلى ديردسن، تخشى ألمانيا، ومعها أوروبا كلها، من هذه الأصوات. ففي النمسا، التي خرج منها هتلر، لا يزال الهلع منتشراً بعد أكثر من عامين على تمكن حزبين يمينيين متطرفين من الفوز بأكبر حصة من الأصوات يحصل عليها اليمينيون في أوروبا الغربية الحديثة. فحين حصد الحزبان معاً 29 بالمئة من الأصوات، متخلفين فقط بثلاثين ألف صوت عن المتصدر وهو حزب الديمقراطيين الاشتراكيين المصنف في يسار الوسط، خرجت المجلة الإخبارية النمساوية بروفيل بعنوان بارز هو «انتصار النازيين» تعلو صورة كريستيان شتراخه ويورغ هايدن، السياسي اليميني المخضرم. وقالت صحيفة دي برس الصادرة في فيينا، آنذاك «أصبحت النمسا من جديد أرض النازيين كما يراها العالم».

تحتفي كثير من الأفلام المعروضة في مهرجان برلين بحكاية الهولوكوست، وتقاربها من أكثر من زاوية، وان في الإطار المتعارف عليه دوما، والمقبول ألمانيا وأوروبيا. لا أحد هنا فعلاً راغباً بالترحيب بأي «زوايا جديدة» لهذا التاريخ القديم!

برلين ـ إبراهيم توتونجي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات