حديث الشيخ

الرويبضة

قال الشيخ: روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: سيأتي على الناس سنوات خداعات، يُصدَّق فيها الكاذب ويُكذَّب فيها الصادق، ويُؤتمَن فيها الخائن ويُخَوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة. قيل: وما الرويبضة؟ قال الرجل التافه يتكلم في أمر العامة. رواه الإمام أحمد وابن ماجه وغيرهما.

والسنوات الخداعات هي السنوات التي تعد بوافر الخير ثم لا تأتي به، وهي إشارة إعجازية لإمكانية التنبؤ بالمستقبل - على الأقل العام التالي - وهو ما نراه اليوم من عمل مؤسسات الأرصاد الجوية التي ظهر في كثير من الحالات خطأ تنبؤها.

وقيل إنها سنوات تكثر فيها الأمطار، ولا يأتي الناتج الزراعي بما يتناسب مع كثرة الأمطار، وقيل إن الخداعات وصف مجازي والمراد أهل السنوات، مما يشير إلى وعود بعض أولي الأمر بالخير الوافر في السنة التالية أو للسنوات الخمس المقبلة وعدم حصول هذا الخير نتيجة الكذب والخداع، وهي ظواهر واضحة كثرت في هذه الأيام حتى أنها لا تخطئها العين.

أما قوله عليه الصلاة والسلام: يُصدَّق فيها الكاذب وُيكذَّب فيها الصادق ويُؤتمن فيها الخائن ويُخوّن فيها الأمين، فهو ما نراه اليوم على امتداد العالم، حيث يقدم الكاذبون إلى المنابر ويُروج لكذبهم وادعاءاتهم، بينما يُستبعد الصادقون ويُخوّنون ويُكذّبون ويُمنعون من ممارسة صدقهم مما يعود بالخير لكامل الأمة.

ونحن اليوم نرى كثيراً من الساسة والمؤسسات ودور النشر وأصحاب الفكر وأجهزة الإعلام والإعلان، التي يغلب عليها أنها تسعى في نشر الكذب والافتراء وفي تشويه حقائق الواقع والتاريخ، حتى باتت الحقيقة ضائعة مضيعة لا يصل إليها إلا الباحث بجد وإخلاص وبعد تكبد المشاق والأهوال.

وأما تخوين الأمين وتأمين الخائن الذي أشار إليه الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم في حديث آخر مما رواه البخاري: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قيل: وكيف إضاعتها، قال: إذا وُسَّد الأمر إلى غير أهله. فهو مما يكثر في هذه الأيام في البلاد العربية والإسلامية حتى صرنا في ذيل الأمم وفي آخر قافلة الركب الحضاري.

بل إننا لا نبالغ إن قلنا إن دولاً بأكملها يقوم اختيار أولي الأمر فيها حسب ما يتصفون به من مفاسد وسوء أخلاق ومسالك، لإمكانية العبث بهؤلاء كبيادق الشطرنج وتثبيتهم وعزلهم حسب مزاج كبير الدولة المقصودة، ولكون هؤلاء خير من يتواطأ معهم على سرقة الشعوب والكذب عليهم.

أما الرويبضة فهو العاجز الذي ربض عن معالي الأمور وقعد عن طلبها، وهو الرجل التافه الحقير ينطق في أمر العامة - حسب تعريف ورد في حديث آخر أيضاً - فإذا ذكرنا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يتنبأ برفع العلم في آخر الزمان ورفع إنما يكون بقبض العلماء، رأينا أنه مما يوصف به هذا الزمان حقاً أن العلماء المخلصين العاملين في تناقص مستمر حتى ظهر على الساحة من يقول ويفتي ويحكم ويقيم وهو إلى الجهل أقرب، وهي صفة تغلب على كل المجالات وفي كل الميادين غلبة تجعل العسر يغلب اليسر واليأس يظهر على الأمل.

فالرويبضة هو الرجل التافه الذي لا علم له يجعله يحسن الرؤية، ولا همة له تجعله يركب المصاعب وهو المدفوع بهواه أكثر من عقله، وبمنافعه أكثر من قيمه وأخلاقه، وظهور أمثال هؤلاء سببه استبعاد أهل العلم والهمم ومحاربتهم والتضييق عليهم، حتى يزهدوا في تقديم النصح والفتوى في المعضلات والقول السليم والقويم في المشكلات والمبهمات والشبهات غير الواضحات، أو سببه رفع العلم بقبض العلماء وهو من علامات سخط الله وآيات قيام الساعة.

فما نراه اليوم تصدر التافهين للحديث فيما لا يفقهون في أمور الدين والعلم والسياسة والفن، حتى كثر المتجرئون على ثوابت الدين والأخلاق والمقاييس السليمة في الآداب والفنون والخطط الناجعة في السياسة والإدارة، وحتى صار علينا أن نستمع إلى آراء الساقطين والساقطات في أمور تجل عن فهمهم وهممهم مما يخلق أجواءً من الثقافة الرخيصة والتقييم المريض والأحكام الجاهلة، وهو بالطبع مما يروق للأعداء الذين يهتمون ويسعون لتحلل الأمة وتفسخها.

إننا اليوم في زمن الرويبضة وقد صار حاكماً أو مفكراً أو مخططاً أو أستاذاً جامعياً أو باحثاً في العلوم الشرعية والإنسانية أو فناناً في كل مجالات الآداب والفنون، وقد وجد في هذا العصر من الأموال وأجهزة الإعلام ووسائل نشر الفكر في يد هؤلاء أو من يسخرها لهم مما جعل ويجعل أمر ظهورهم على الناس يسيراً وثابتاً.

فالله نسأل العافية والهداية وعودة الأمور إلى من يستحق، مع تأكيدنا على مسؤولية كل فرد في قبول الرويبضة وعدم معارضته ورد دعايته، فالله عز وجل لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. أم أنها علامات الساعة حيث لا مفر من قضاء الله وقدره والله أعلم.

ماهر سقا أميني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات