رجل المهام الصعبة

رجل المهام الصعبة

في تواضع نادر ينتزع الافتتان والإجلال نسج المغفور له الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم قماشة إنسانية زاهية عصية على المجاراة أو التقليد والمحاكاة.

وبضرب فريد من نكران الذات يبلغ حد التضحية كتب الراحل المقيم سيرة متميزة مطبوعة بالولاء والعطاء السخي لوجه الله والوطن، شعباً وتراباً، إنه عطاء غير مجذوذ يتدفق بلا منّ أو وجل في كل ميادين الحياة فيزيد تلك السيرة النقية وهجاً على وهج فتبقى خالدة وملهمة للأجيال.

فبعد جيل الآباء المؤسسين لدولة الإمارات العربية المتحدة يبقى المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ مكتوم إمام الجيل الثاني في القيادة. هذا هو جيل البناة المنقذين. ومكتوم في هؤلاء رجل المهام الصعبة بلا منافس.

كان المغفور له مكتوم ذراع أبيه اليمنى منذ تولى الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم ـ عطر الله ثراه ـ زمام الأمور في دبي في الرابع من أكتوبر 1958. وكان الشيخ راشد أعد الابن البكر لهذا الدور بالحرص على تعليمه وإرساله إلى بريطانيا لمواصلة الدراسة.

وأثبت الابن مع مرور الأيام والسنين أنه على قدر الرجاء ومستوى التوقع بل أكبر من التحدي فقد عزز جهود أبيه في جعل دبي محطة تجارية جاذبة على خريطة المنطقة بجملة من المشاريع الطموحة.

كان مكتوم بن راشد رجل المهام الصعبة، إذ أدى دور المكوك الناجح بين دبي وأبوظبي مع غروب عقد الستينات ناقلاً الرسائل المتبادلة بين المغفور لهما بإذن الله تعالى الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم والشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حتى بلغ القائدان المؤسسان اتفاقاً ثنائياً في 18 فبراير 1968 وكان اللبنة الأولى في بناء الدولة.

ثم واصل المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ مكتوم مهامه الصعبة مع حكام الإمارات الأخرى، فساهم في الوصول الجماعي إلى التوقيع على اتفاق إعلان ميلاد دولة الإمارات العربية المتحدة في 2 ديسمبر 1971.

عند شروق شمس هذه الدولة أصبح الشيخ مكتوم رجل دولة من طراز رفيع ليس على النطاق المحلي فقط وإنما على الصعيد الخليجي والعربي عامة. هذه المكانة تعززت بتكليف الشيخ مكتوم بتشكيل أول حكومة اتحادية وترأس في 2 أبريل 1972 أول اجتماع لأول مجلس للوزراء في دولة الإمارات العربية المتحدة.

هذه المكانة عززها الراحل المقيم عبر مواصلة مهامه الصعبة، اذ تصدى لإرساء مؤسسات وأجهزة الدولة الاتحادية العصرية التي أصبحت مظلتها في غضون سنوات تمتد على اتساع رقعة الوطن عبر شبكة من الخدمات التي تستهدف رفاهية وأمن المواطن. شملت هذه الإنجازات شبكة من الطرق والمدارس والمستشفيات والمساكن ومحطات الطاقة الكهربائية وتحلية المياه ضمن سلسلة من المشاريع التي نقلت الأماكن القصية في الدولة إلى قلب الحداثة.

مما يزيد الشيخ مكتوم بهاء دأبه في إنجاز كل تلك المهام الوطنية الصعبة في صمت وقور ورحابة من الصدر وعفة في اللسان فزاده هذا الطبع السمح المطبوع قرباً إلى الناس كافة وحباً في قلوبهم جميعاً. وكان دأب الراحل المقيم العمل بتجرد بعيداً عن هالة الأضواء وصخب الإطراء المصطنع والمديح المتزلف. وكان لا يحب أن يحمد بما أعطى أو أنجز.

وكان دأبه العمل الجماعي بروح الفريق إبان رئاسته لمجلس الوزراء في المرحلة الأولى التي استمرت حتى العام 1979 عندما تولى المغفور له الشيخ راشد بن سعيد رئاسة الوزراء بناء على رغبته وأصبح مكتوم نائباً لرئيس الوزراء أو في المرحلة الثانية على عتبة التسعينات إثر وفاة والده.

وكان هذا دأب المغفور له الشيخ مكتوم على صعيد دبي وهو ولي للعهد أو حاكم حيث أفسح المجال أمام شقيقيه الشيخين حمدان ومحمد بن راشد لمواصلة إرث أبيهم فانتقلت دبي من محطة تجارية على خريطة المنطقة إلى معجزة اقتصادية تستقطب انتباه العالم بأسره بفضل المشاريع العملاقة والرائدة التي انجزتها ولاتزال تسابق الزمن للاحتفاظ بالبون الذي يباعد بينها وبين منافساتها.

بصمات مكتوم تبقى شاهدة على حضوره في ميادين البناء والإعمار السياسي والاقتصادي والاجتماعي داخل أجهزة الدولة وفي مؤسسات التربية والتعليم وميادين الرياضة ومضامير الهجن والخيول.

كل المشاريع الطموحة التي لم تستكمل بعد مثل توسعات مطار دبي ومدينة دبي اللوجستية، مدينة دبي الطبية، مدينة دبي الملاحية، تبقى تتحدث كل بلغتها عن أسرار تلك القيادة الألوف النادرة التي يتميز بها الراحل المقيم.

وتبقى شاهدة على عطائه من أجل المحرومين والبسطاء سلسلة من المدارس ومراكز المعوقين والأيتام في عدد من بلدان العالم الثالث وكذلك في عدد من مراكز الأبحاث الطبية في العالم المتقدم، رحم الله الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم وأسكنه فسيح جناته.

البيان

طباعة Email
تعليقات

تعليقات