القاضي عبدالوهاب البغدادي في دبي، بقلم: د. عارف الشيخ

السبت 3 صفر 1424 هـ الموافق 5 ابريل 2003 عقد في دبي في الفترة من 16 ـ 22/3/2003 مؤتمر الفقه المالكي الأول، وكان يدور حول القاضي عبدالوهاب البغدادي شيخ المالكية في العراق. فقبل أن اقدم انطباعي عن هذا المؤتمر أود أن احيي دار البحوث للدراسات الاسلامية واحياء التراث بدبي على هذا الجهد العلمي الفقهي الرائع. ودار البحوث عندما تقدم على مثل هذا العمل ليست الا وليدة عام 1996، اي انها لم تتجاوز بعد سن التمييز بالمصطلح الفقهي، ولم تبلغ بعد ولم تصل الى مرحلة الرشد. اقول انها صبية مميزة وقد قدمت هذا العمل الناضج، فكيف لو بلغت ووصلت الى سن الرشد والكمال؟ ان هذه الدار التي انشئت بموجب القانون رقم 4 لسنة 1996 تسعى الى: 1ـ ابراز محاسن الاسلام. 2ـ خدمة الكتاب والسنة. 3ـ العناية بمذهب الامام مالك. 4ـ احياء التراث الاسلامي. 5ـ اعداد الدراسات الجادة. 6 ـ ترجمة الاعمال العلمية التي تخدم قضايا الامة. ولكي تستطيع أن تقوم بأعبائها قسمت نفسها الى أقسام ثلاثة رئيسية: 1ـ القسم العلمي. 2ـ قسم مجلة الاحمدية. 3ـ القسم الاداري. ثم وفرت للقسم العلمي هيئة متكاملة من المختصين وهم حملة أعلى الشهادات العلمية. ووفرت للمجلة الجو العلمي والبحثي الراقي، فأعطتها الصبغة العلمية العالمية، مما جعل الكثير من البلدان تسعى للفوز بشرف المشاركة فيها. وبالفعل صدر عددها الاول عام 1998 وهذا التاريخ يعني مرور نحو 90 سنة على تأسيس المدرسة الاحمدية اولى المدارس النظامية بدبي، وقد سميت المجلة على اسمها تخليدا لذكراها. وقد استطاعت الدار حتى الآن ان تقدم سلسلة من الدراسات القرآنية والحديثية، واصول الفقهية والفقهية واللغوية والتاريخية والثقافية الاسلامية، تربية واقتصادا ورسائل، ثم سلسلة من تراجم الاعلام. اذن هذه هي الدار التي اخذت على عاتقها ان تحيي تراث هذه الامة، وان تبعث من جديد روح التجديد في نفوس العلماء والباحثين المشارقة منهم والمغاربة. وقد كان من هذه الفعاليات التي تزمع الدار تحقيقها مؤتمر الفقه المالكي الذي انعقد بدبي في التاريخ المشار اليه آنفا. ولم يأت في الواقع اختيار القاضي عبدالوهاب البغدادي موضع بحث في هذا المؤتمر العلمي الاول من فراغ. فالقاضي عبدالوهاب كان شيخ المالكية بالعراق في زمنه بلا منازع ولقد كفى ان يقول عنه الخطيب البغدادي: «لم نلق من المالكيين افقه منه» ويقول عنه ابن حزم «لو لم يكن لاصحاب المذهب المالكي بعد عبدالوهاب الا مثل ابي الوليد الباجي لكفاهم». نعم كان عبدالوهاب البغدادي الاول في نظر ابن حزم والباجي هو الثاني: ومن حقه ان يقول فيه هذا القول لانه لم يكن عالما فقط بل فقيها مجتهدا وعابدا زاهدا واديبا متفننا وشاعرا مرهف الحس. ولو لم يكن له مؤلفات سوى المعونة والاشراف والتلقين والتلخيص لكفاه، لكن مع ذلك فان اثاره العلمية تجاوزت (25) مؤلفا ورسالة. ان عبدالوهاب الذي ولد عام 362 من الهجرة على ضفاف دجلة درس على يد والده الفقيه وعلى يد شيوخه من امثال الابهري وابن الجلاب وابن القصار والباقلاني. واشتغل بالقضاء في العراق ومصر ولم يسلم هنا او هناك من جور الزمن، فشكا منه مر الشكوى وكان الشعر للقاضي عبدالوهاب متنفسا، حيث نفس عن نفسه في حله وترحاله فقال مثلا وهو يشكو من الافلاس والفقر: بغداد دار لأهل المال واسعة وللصعاليك دار الضنك والضيق اصبحت فيها مهانا في ازقتها كأنني مصحف في بيت زنديق وقال وهو يودع بغداد متوجها الى مصر: وقائلة لو كان ودك صادقا لبغداد لم ترحل فكان جوابيا يقيم الرجال الموسرون بأرضهم وترمي النوى بالمقترين المراميا ويبدو انه عندما سافر الى مصر لم يحصل له ما اراد ولا سيكا انه غريب الدار والوطن فقال: طلبت المستقر بكل ارض فلم ار لي بأرض مستقرا ونلت من الزمان ونال مني فكان مناله حلوا ومرا لذلك فانه قرر العودة الى بغداد ثانية، لكن الاجل لم يمهله فتوفي عام 422 من الهجرة اثر طعام اكله، غالب الظن انه كان مسموما فمات وهو يقول: «لا اله الا الله كما عشما متنا» وكان عمره ستين عاما ودفن بقرافة مصر. اقول ان فقيها كهذا وهو يشكو من الفقر والافلاس يذكرنا بكل اولئك العلماء الزهاد الذين كانوا يطلبون العلم، ويفتحون حلقات التدريس بالنهار وفي الليل يخرجون في ازقة البلد بحثا عن فتات الطعام وقشور الفواكه يسدون بها رمقهم. ان القاضي عبدالوهاب كان بعلمه يستطيع ان يهز الجبال لتدر عليه ذهبا، لكنه فضل الزهادة فهو في ضيافة الله لا يريد ان يتطفل على موائد عباد الله الذين قد يعطونه او يرفضونه. نعم وقد فعل عالما مثل الامام الشافعي اكثر من ذلك حيث كان يقضي ايامه جوعا ولا يرضى ان يأكل من طعام هذا او ذاك خوفا من ان يأكل الحرام. وذات يوم نزل ضيفا على الامام احمد بن حنبل فاكل اكلة لن تتصور بنت احمد المحدثة بان يأكل عالم مثلها فقالت لابيها سل الشافعي وقل له ان هذه ليست اكلة عالم، فسأله فقال: انني منذ ثلاثة ايام لم اذق الطعام، واليوم اكلت هذه الاكلة، لعلمي ان طعام احمد بن حنبل حلال، فتزودت لثلاثة ايام اخر. اذن فانني اشكر الدكتور احمد ابن شيخنا الشيخ محمد نور سيف وهو يترأس دار البحوث على حسن اختياره عندما اختار القاضي عبدالوهاب العنوان الاول للمؤتمر العلمي الاول. واقترح عليه بان يثني بما ثنى به العلامة ابن حزم، فيكون الفقيه الثاني في المؤتمر الثاني هو «الباجي» ثم يعطي الفرصة للابهري وابن الجلاب وابن القصار والباقلاني وغيرهم من الذين انتهت اليهم رئاسة المذهب المالكي، كل في زمانه. ثم اذا كان مذهب مالك يحظى بمثل هذه العناية من الدار فمالك يستحقه لانه امام دار الهجرة، لقد قضى عمره في المدينة لا يشغل ذهنه الا حديث الرسول ولا يملأ قلبه الا حب الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو الذي اشار اليه الحديث النبوي: «يوشك ان يضرب الناس اكباد الابل يطلبون العلم فلا يجدون احدا اعلم من عالم المدينة» رواه الترمذي والحاكم.

طباعة Email