دراسة توثيقية جديدة عن سيرته وحكمه، راشد بن سعيد سيظل احدى العلامات الفارقة في التاريخ العربي

الاحد 29 رجب 1423 هـ الموافق 6 أكتوبر 2002 قدم مركز زايد للتنسيق والمتابعة دراسة توثيقية تاريخية عن سيرة حياة المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم طيب الله ثراه.. ويأتي إصدار مركز زايد تخليداً لذكرى الفقيد ووقوفاً عند إسهامه التاريخي والنوعي في صناعة النهضة الشاملة في دولة الإمارات بمناسبة الذكرى الثانية عشرة لرحيله عليه رحمة الله. وقال مركز زايد إنه بهذا الإصدار يريد أن يحقق التواصل الفكري والروحي بين مختلف أجيال الوطن من خلال الوقوف على أهم المحطات التاريخية التي طبعت المسيرة الحضارية فوق هذه الأرض الطيبة.. وأكد المركز أن ذكرى رحيل الشيخ راشد رحمه الله تعود لتجدد التأكيد على عمق وأصالة هذه المسيرة الحضارية الرائدة التي تحققت فوق هذه الأرض المباركة بفضل رؤية حكيمة من قيادتها الرشيدة وإدراك عميق منها لطموحات ورغبات مواطنيها في تحقيق أعلى مستويات التطور والنماء والازدهار. ويؤكد المركز أن إصداره هذا يأتي محاولة منه للاقتراب من جوانب العبقرية والاختلاف والاستثنائية في هذه الشخصية الرائدة في تاريخنا العربي الحديث رغم أدراك الباحثين والمفكرين أنه من الصعوبة الإلمام بجميع محطات وتفاصيل الشخصية فهي أكبر من الإحاطة بجميع جزئياتها في مؤلف واحد واتساع وعمق وثراء الشخصية هي حقائق تتجاوز الكتابة والتأليف عنها والتحاور إليها. وقال مركز زايد في تقديمه لكتابه عن الفقيد الشيخ راشد، إن الفقيد الشيخ راشد سيظل إحدى العلامات الفارقة في التاريخ العربي القيادي الحديث تماما مثلما سيظل اسما يتعالى في تاريخ دولة الإمارات وعلوه صنع من نور ذلك لأن رحلة دبي باتجاه التطور والازدهار ترتبط بعلاقة روحية خالصة بين كل حبة رمل على أرض الإمارة وروح سموه عليه رحمة الله. وأضاف أن هناك بعض الشخصيات في التاريخ الإنساني تعرف جيدا كيف تحول اللحظة التاريخية إلى موعد مع التاريخ لأسمائها ولشعوبها وهى بذلك تحقق معادلة الارتقاء بالأوطان والشعوب في سلالم الارتفاع الاجتماعي والاقتصادي فهي بذلك أيضا تصنع التاريخ وتكتب أسماءها بخيوط من ذهب على صفحاته. وأوضح المركز أن العناية الإلهية حضرت الشيخ راشد ومنذ سنوات طفولته الأولى لتحمل مهام وأعباء إدارة أمارة دبي ولذلك لم يكن يحتاج سموه عليه رحمة الله الى الكثير من الزمن ليظهر مواهبه القيادية النادرة والاستثنائية وهى المواهب التي لم ينتظر زمنا طويلا حتى تكتمل معالمها وملامحها. وأمارة دبي وبفضل الفكر المتوهج والطموح والمتجدد لسموه صارت تكبر مع مطلع كل شمس جديدة لتتحول وفي ظرف قياسي إلى دانة الدنيا والى إحدى معجزات التاريخ الإنساني الحديث وإحدى أكبر إنجازات القرن الماضي، ويشدد مركز زايد في تقديمه على أن الشيخ راشد (رحمه الله) نوع من تلك القيادات التي تعتمد البساطة أسلوبا في الحياة وفي الإدارة وفى الحوار الى المواطنين فسموه لم يبتعد يوما عن هذا الأسلوب المتسامي في الاستماع الى الشأن العام والتعامل مع مشكلاته وهذا ما أسس لعلاقة حب راقية ودافقة جمعت سموه بجميع مواطنيه ذلك لان الرجل كان دائما يفتح قلبه وصدره لمشاكل مواطنيه وقراءة واقعهم اليومي. وتؤكد دراسة مركز زايد أن قائدا بنوع وقدرة الشيخ راشد على روية المستقبل لا يمكن ألا أن يلتقي ويتقاطع عند تجربة عبقرية رائدة أخرى تحدث في أبوظبي ألا وهى عبقرية صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة (حفظه الله) لتتكامل العبقرية عند القائدين العملاقين وبمعية إخوانهما أعضاء المجلس الأعلى حكام الإمارات، ويتم وضع معالم وأسس دولة الإمارات العربية المتحدة في صورة حققت النقلة المعجزة في حياة الإمارات ومواطن الإمارات وقدمت للوطن العربي أنجح وأعظم تجربة اتحادية في التاريخ العربي الحديث وقدمت لبقية العالم واحدة من أكبر الطفرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في النصف الثاني من القرن العشرين. وتسجل دراسة مركز زايد في السياق التاريخي لمسيرة الفقيد بقولها، لقد كانت إنجازات الرجل من العظمة بمكان بالنظر إلى الجهود التي بذلها في سبيل تحويل الحلم الى حقيقة. وتؤكد الدراسة أيضاً أن الشيخ راشد طوال فترة حكمه لدبي وتقلده منصب نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء ينطلق في إدارة شئون الحكم من فلسفة بسيطة وواضحة فقد كان يجمع بين النظرة التقدمية الواعية وله رؤيته الخاصة لمفهوم الديمقراطية إذ كان يقول «أن مفهومنا للديمقراطية هو خدمة أبناء شعبنا وإعطائهم الفرصة الكاملة للمشاركة في بناء بلدهم والكل سواء». وقد كرس هذا الفهم المتقدم للعمل العام طابعا مميزا للعلاقة بين الحاكم والمحكوم فلا غرو أن كان أفراد الشعب على اتصال مباشر بحاكمهم يعرضون عليه مظالمهم ويصغي هو إليهم باهتمام. وقد عرف عنه بساطته وتواضعه وهما خصلتان استلهم منهما أسلوبه المتميز في إدارة شئون الحكم وتمثل هذا التواضع في أنه لم يكن يدعى عصمة من الخطأ ولا تكبرا وترفعا يبعده عن رعيته فقد كان يقول «أننا ندعو المواطنين الى التعاضد والتماسك والتعاون مع المسئولين على أساس المصارحة والصدق في القول فنحن لا ندعى العصمة من الخطأ إذ أن شعارنا الأول في تحمل المسئولية هو المزيد من العمل المنتج الهادف ومن لا يعمل هو وحده الذي لا يتعرض للخطأ». وكان الشيخ راشد يعتمد المباشرة أسلوبا للحكم وكان دائم البحث عن حقائق الأمور ولم يكن متعجلا في اتخاذ القرارات وقد لاحظ كل من تعامل معه من مهندسين ورجال أعمال وإداريين أنه كان يطرح الكثير من الأسئلة ويستمع إليهم بانتباه وكان نشيطا ذا ذهن وقاد وذاكرة قوية وذكاء حاد وقد استغل كل تلك الملكات أحسن استغلال من أجل تحقيق الأهداف التي وضعها نصب عينيه. وللدلالة على قوة ذاكرة الشيخ راشد قال أحد معاصريه لجريدة أنه كانت لديه قدرة فائقة في مجال التعامل مع الأرقام وحفظها وكنا عندما نذهب إليه نضطر الى الرجوع في بعض الأحيان الى الملفات لموضوعات سابقة في حين أنه كان يتذكر كل شئ بدون الرجوع الى أي ملفات0 وكان سموه بشهادة أصدقائه يحب أن يحيط نفسه بمن كانوا يوافقونه الرأي في كل شئ وكان دائم البحث عما هو جديد فقد كان يعود من كل رحلة خارجية بأفكار جديدة لدبي ويدرس إمكانية تطبيقها وكان مجلسه منبرا حرا لتبادل الآراء ووضع الخطط لتنمية دبي. وتقدم دراسة مركز زايد شهادات تاريخية لعدة شخصيات أجنبية أتيحت لها فرص التعامل المباشر مع الفقيد الشيخ راشد ومنها شهادة الصحفي البريطاني جيم ويلسن في كتابه «راشد بن سعيد آل مكتوم الوالد والباني» أن أحد المفوضين السياسيين البريطانيين شبه مجلس الشيخ راشد بأسلوب كيندي في إدارة البيت الأبيض في واشنطن حيث كان الرئيس الأسبق للولايات المتحدة عادة ما يخاطب كبار المفكرين والمبدعين في بلده ويحثهم على العمل والإنجاز وكان سموه يؤمن بأن ثقافة المنطقة وعاداتها وتقاليدها المستمدة من روح الإسلام لا تتناقض مع حركة التطور والتنمية بل هي صمام أمان المجتمع وكان شديد الاعتزاز بقيمه الأخلاقية حريصا على أن لا يؤثر ظهور النفط وعائداته المالية على أخلاقيات شعبه. وكان اهتمامه بتطوير التجارة والصناعة أحد أهم الأسباب في قصة نجاح دبي فقد كان يعمل جاهدا على خلق المناخ الملائم للعمل عن طريق توفير الوسائل المساعدة على تنشيط الحركة الصناعية والتجارية وكان دوما يقول أن الواجب يفرض على المرء مواصلة الجهاد والعمل حتى يصل الى تحقيق أمانيه وأهدافه. ولم يكن الشيخ راشد يكل من حث الناس على توخى البساطة والنأي عن التعقيد في تصريف المهام الموكلة لهم ولكنه في الوقت نفسه كان يشدد على الحرص والتنظيم والعمل على تذليل العقبات التي تحول دون التنفيذ السريع والإنتاج المأمول. ومن أبرز الشعارات التي كان يرفعها شعار « عمل جاد وسهر متواصل وإحساس متفاعل مع أماني الشعب وآماله في حياة أفضل ومستقبل زاهر» . ومما يدل على بعد نظره وثاقب تفكيره أنه كان من أوائل الحكام في المنطقة الذين نادوا بضرورة بناء دولة حديثة يسودها القانون ويحتل فيها النهج العلمي مكانته ويستند فيها العمل على الموضوعية والتخطيط في شتى مناحي الحياة. وتواصل الدراسة استعراض الخصال الأخلاقية والقيادية التي وهبها الله للفقيد مما مكنه من أداء هذا الدور القيادي النادر والرائد. وتقول في هذا الصدد، كان الشيخ راشد يتمتع بحس وطني نادر ودراية تامة بشئون الاقتصاد ولا يملك المرء وهو يقرأ سيرة هذا الحاكم الفذ ألا أن يبدى إعجابه بتلك النظرة البعيدة التي سبق بها زمانه. فقد قال الشيخ راشد قبل ثلاثة عقود مضت أنه لم يفكر يوما ولن يفكر في استثمار أموال الدولة خارج الدولة وها نحن نرى اليوم الآفة التي تعانى منها اقتصاديات الدول العربية أن أموال مواطنيها مستثمرة في دول أجنبية. وقد انتهج الشيخ راشد أسلوبا في التنمية مستمدا من عادات البلد وثقافته الإسلامية الأصيلة فتبنى في سياساته مبادئ مثل تقرير الملكية الخاصة والعامة على السواء والاعتماد على القطاع الحكومي والقطاع الخاص في تحقيق التنمية والأخذ بالشورى الإسلامية وينطلق في تصريف شئون الحكم من أيمانه الراسخ بالله تعالى فكان نظيف اليد عفيف اللسان يكره الإساءة ويمقت التسلط وكان على قناعة من أن عجز الحكومات عن حل مشكلاتها الاقتصادية ينجم عنه تفاقم الأزمات السياسية والاجتماعية والأمنية. وقد كان قنوعا في حياته الخاصة متواضعا وزاهدا في مظاهر الأبهة والدعة تقيا من غير تصنع بسيطا في غير تكلف. وعن تواضعه الجم يقول أحد رجالات دبي الذين عاصروه «لم يكن رحمه الله يحب أن يميز بين الناس ويعامل معاملة خاصة ولان تواضعه أصيل وفطري كان يغضب أن يتكلف الناس في التعامل معه». وتجلت بساطته في أنه ظل يعيش طوال حياته بين أفراد شعبه من غير حراسة وبدون بروتوكولات تضع حاجزا بينه وبينهم فكانت تلك البساطة من بين الأسباب التي جعلته قريبا من رعيته فأحبوه لذلك وأخلصوا له وكان محبا لفعل الخير سخيا في بذل المال لكل ذي حاجة مترفعا عن المظاهر عادلا في الحكم بين الناس ويكره البيروقراطية ويمقت التعقيد الإداري ولذلك كان يوجه اهتمامه الى أدق التفاصيل. ومع ذلك لم يكن لين العريكة أو سهلا لقياد بل على العكس من ذلك إذ لم يكن من السهل كسب ثقته وكان قليل الكلام كثير الإنصات لمحدثيه مما ساعده في إبرام العديد من الاتفاقيات وإجراء أعقد المفاوضات بطريقة ناجحة. ومن أكثر خصاله تجلياً عقليته الاقتصادية الفطرية الفذة وحرصه على المكانة التجارية لدبي وتشجيع الأنشطة الاقتصادية وازدهارها، ويقول من عايشوه أنه كانت لديه القدرة على روية ما لا يراه الآخرون، فقد كان يستشرف مستقبلاً اقتصادياً طموحاً للغاية يرى أن دبي مؤهلة له. وكان أحب شيء لديه هو رؤية مشروعات جديدة تقام وكان حريصاً على متابعتها أولاً بأول لدرجة أنه كان يزور المشروع عدة مرات في اليوم الواحد لتفقد سير العمل فيه وبهذه العقلية استطاع الشيخ راشد وبدأب شديد أن يحول دبي إلى أهم مركز تجاري في الشرق الأوسط ووضعها على خريطة مراكز المال والأعمال الدولية إلا أنه فإذا كان لرجل واحد فضل على مدينة بأسرها فذلك الرجل هو الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم وتلك المدينة هي دبي ويحق لنا القول هنا «أن وراء كل مدينة عظيمة رجل عظيم».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات