لاتزال فوق صفيح ساخن، العلاقة بين الأسرة والمدرسة .. شراكة تثير الجدل، تعثر أعداد كبيرة من الطلبة لعدم تعاون الطرفين سيدفع المجتمع فاتورته

السبت 28 رجب 1423 هـ الموافق 5 أكتوبر 2002 لعل اكبر مشكلة تهدد نظامنا التعليمي العربي بلا استثناء وتعيق تطور مدرسته التي ننشدها هي حالة الخصومة بين الاسرة والمدرسة، ومعها نرى ان المستوى الامثل للعلاقة بينهما يكمن في التطلع الى شراكة فاعلة على غرار ماهو متبع في المجتمعات المتقدمة حيث وصلت «المدرسة والاسرة» الى مستوى متقدم من النضج والاحساس بالمسئولية نتيجة طبيعية لتلك الشراكة، والى جانبها يبقى ـالتواصل محدودا بينهما حيث تقتصر العلاقة على زيارات نادرة لولي الامر للمدرسة فيما تميزها ما يمكننا ان نطلق عليه حالة من حالات «الانفصال بين شريكين» رغم ضرورة التقارب بينهما والاسرة والمدرسة كلتاهما تلقيان باللائمة على الطرف الآخر وتعتبره مسئولا عن تعثر وفشل الابناء ولا غرو ان العلاقة بين الطرفين لم تصل في الدولة ومجتمعاتنا العربية بشكل عام الى مستوى الشراكة المطلوبة وانما يمكننا تصنيفها في اطار ما اطلقنا عليه ـ انفصالا ـ بينهما وظلت النتيجة التي تترتب على عدم تعاون الاسرة والمدرسة هي تعثر اعداد كبيرة من ابنائنا الطلبة وسيدفع المجتمع ـ فاتورة ذلك ـ وضمن هذا السياق نجد انفسنا امام آلاف المتعثرين ولا يمكن لطرف ان يدعي انه انتصر والطرف الآخر انهزم اشبه بالكارثة منها للمشكلات العادية التي يمكن التصدي لها. في رأي الدكتور ايوب بدري مدير تعليمية دبي ان اكبر خطر يواجه مؤسساتنا التربوية هو ذلك الخطر الذي هو اقرب للتهديد لمجتمعاتنا بشكل واسع ويتمثل في حالة عدم التعاون والتنسيق بين اهم مؤسستين «الاسرة والمدرسة» لافتا الى ان حل هذه المشكلة سيضمن مستقبلا متميزا للابناء والمدارس والمجتمعات مستعرضا حلا عمليا مأمولا لها اشار خلاله الى ان المبادرات الذاتية بين الطرفين اذا لم تر النور فمن االضرورة ان تبقى العلاقة رسمية ـ قانونية ـ بمعنى لماذا لا توقع الاسرة والمدرسة على اتفاقية مكتوبة تسمى «ميثاق الشرف التربوي» وتحدد مسئوليتي الاسرة والمدرسة بحيث يقوم كل طرف بتقييم الآخر وليس محاسبته. وتساءل الدكتور بدري: الى متى سيظل التعليم العربي يمنح شهادات للطلبة وفق التصنيف المتعارف عليه «راسب ـ له دورتان ـ ناجح بتقدير جيد وجيد جدا وامتياز»؟ ألم يحن الوقت لاستصدار شهادة لولي الامر وفق نفس التصنيف «ولي امر ناجح ـ راسب» ولم لا تكون هناك شهادة اخرى للمدرسة تمنحها الاسرة لها في اطار ذلك التصنيف السالف لاسيما ونحن في عصر الجودة الشاملة كاشفا النقاب عن ان منطقة دبي التعليمية ستكون اول منطقة تطبق النظام المقترح وستكون هناك شهادة للمدرسة من قبل اولياء الامور وشهادة من اولياء الامور للمدرسة لافتا الى ان هذا المشروع سيكون من اكثر المشروعات التربوية اثارة للجدل وسيتم خلال الاسابيع القليلة المقبلة الاعلان عنه حيث سيتم تنفيذه على المدارس التجريبية لتقييم التجربة وتعميمها في السنوات المقبلة. مبادرات جديدة ومن وجهة نظر نورة لوتاه نائب مدير تعليمية دبي للشئون التربوية ان القضية لها اكثر من بعد اولها يتمثل في تحديد طبيعة المشكلة التي تراها بين طرفيها الاسرة والمدرسة غير طبيعية في علاقتيهما بمعنى انها علاقة سلبية تؤثر سلبا على تحصيل الابناء لافتة الى ان الحاصل هو ان كل طرف يلقي باللائمة على الطرف الآخر، المدرسة تعتبر الاسرة مقصرة وهي مسئولة عن اخفاق الابناء وتعثرهم الدراسي والاسرة بدورها تعتبر المدرسة هي الطرف المقصر عن اخفاق ابنائها في المدرسة. وعن تحديد اسباب المشكلة تؤكد لوتاه ان بعضنا يرى ان سبب تعثر الابناء يعود الى المنهاج واساليب التدريس وارتفاع الكثافة ونظام التقويم والامتحانات ونمط التعليم التلقيني وغياب او ندرة الانشطة التى تحبب الطالب في المدرسة والدراسة لافتة الى انها كلها اسباب خارجة عن نطاق سيطرة الأسرة وهي ليست مسئولة عنها فيما يعتقد البعض ان اسباب اخفاق الابناء تكمن في بيئاتهم الاسرية وعدم زيارة اولياء الامور للمدرسة وعدم تعويد الابناء على القراءة وتدليل الابناء وكثرة الشغالات في البيوت وزرع الاتكالية في نفوسهم وغيرها. وترى لوتاه ان البعد الاهم في المشكلة هو ما العمل؟ فبغض النظر عن اسباب المشكلة والجهة المسئولة عن المشكلة المطروحة فمن الضرورة ايجاد مخرج للمشكلة ومن أجل ان تستقيم العلاقة بين طرفي المشكلة تطالب لوتاه بالعمل على زيادة درجة الوعي كون المشكلة على حد قولها سببهانقص الوعي على مستوى الاسرة والمدرسة ايضا لافتة الى انه لزيادة الوعي فإن المسئولية تقع الى حد كبير على عاتق اجهزة الاعلام التي نسميها اجهزة بث الوعي والتثقيف في المجتمع الى جانب قيام المدارس بوصفها مؤسسة تعليمية وتربوية متخصصة بمبادرات جديدة وأساليب غير تقليدية في جذب اولياء الامور مشيرة الى ان المدرسة بامكانها ان تفعل الكثير. وأوضحت لوتاه ان الوعي الذي تتطلبه المشكلة يعوزه بعض الوقت آملة ان تدرك الاسرة ان التعليم يجب ان يكون له الاولوية المطلقة وبأنه الجسر المضمون لمستقبل افضل لابنائها وبالتالي عليها تقديم تضحيات وتنازلات وتبادر في تحسين علاقتها بالمدرسة وكذلك تقتنع المدرسة انها لا يمكنها ان تنجح ولا يمكنها ان تستمر في اخفاقها في تحقيق اهدافها الا اذا قدمت من طرفها تضحيات وتنازلات وبادرت ايضا في الاتصال الايجابي بالاسرة. تعدد الجنسيات وفي السياق نفسه دعت رشيدة بدري رئيس قسم الادارة التربوية بتعليمية دبي الى زيادة عدد الاختصاصين في كل مدرسة سواء منهم الاجتماعيون او النفسيون للقضاء على تلك الخصومة بين المدرسة والبيت كون الاختصاصي يتلقى نتائج الطالب اولا بأول ودوره الفاعل في التواصل مع أولياء الأمور مستمر في مجالس الآباء والأمهات او عن طريق الهاتف لاستدعائهم مطالبة بتفعيل دوره وألا يكون قاصرا على استدعاء ولي الأمر للشكوى من ابنه ولكن ايضا ابلاغه بدرجات التقويمية العالية. وأرجعت بدري عدم التواصل الأمثل بين المدرسة والاسرة الى تعدد الجنسيات وصعوبة التواصل من جراء ذلك التعدد وكذا السلم التعليمي الجديد الذي اقرته «التربية» والذي يضم فصولا من الأول الى الخامس الابتدائيين مؤكدة انه زاد المشكلة تعقيدا لاسيما لادارات المدارس. وأشارت الى ان الوضع الحياتي للأسرة اختلف في مجمله عن ذي قبل بانشغال الوالدين لكن لا يمنع ذلك ان عددا كبيرا من أولياء الأمور يتابعون ابناءهم تحصيليا ويحضرون للمدرسة للاستفسار عنهم وان كان في بداية اليوم الدراسي او من خلال الهاتف لافتة الى ان بعض معلمات مدارس المنطقة يتواصلون وبجهد شخصي منهم مع أولياء الأمور عن طريق شبكة الانترنت مؤكدة انه تواصل فاعل لاطمئنان ولي الأمر عن ابنه. مستقبل الأبناء ويصف جعفر الفردان العلاقة بين الاسرة والمدرسة بأنها حالة من حالات الطلاق البائن على مدى تاريخ التعليم في الدولة لاسيما في سنوات الطفرة الاقتصادية التي احدثت خللا واضحا في العلاقة افقدت احد طرفي المعادلة الثقة بالطرف الآخر مشيرا الى ان النغمة النشاز التي يرددها ولي الأمر هي انه مشغول لتأمين مستقبل الأبناء متسائلا: كيف يؤمن ذلك المستقبل والبعض لا يعلم اين طريق المستقبل ولا يعلم في اي فصل دراسي ابنه بل في أية مدرسة. وعليه اكد الفردان ان الاسرة اصبحت تفكر في المستقبل المادي فقط دون النظر الى المستقبل الحقيقي «العلمي» وهو المستقبل الذي يستطيع الانسان ان يتركه كارث لأبنائه بعيدا عن الارث المادي مرتئيا ان استمرار مسلسل الخصومة يحتاج الى دراسة متخصصة تتساءل محاورها: هل الخصومة بينهما ترجع لعدم الثقة بين الطرفين؟ أم تكليف المدرسة بحمل الثقل التربوي والعلمي كاملا؟ أم هي علاقة مد وجزر بين الطرفين؟ لافتا الى ان التجارب في هذا الصدد اثبتت ان المشكلة مسألة ثقة ومتابعة متواصلة دون كلل، مشيرا الى ان لدى بعض الادارات المدرسية مؤشرات اداء واضحة لحجم الزيارات التي يقوم بها أولياء الأمور فقد يعزفون عن حضور اجتماع مجلس الآباء والمعلمين الذي يعقد بطريقة دورية او يعزفون عن المشاركة في الانتخابات التي تجري لاختيار مجلس يمثل المدرسة في اطار تطلعاتها لاسيما في ظل وجود جائزة سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم للأداء التعليمي المتميز. ولتفعيل دور مجالس الآباء في هذا الصدد طالب الفردان بتخصيص جائزة لأفضل مجلس آباء على مستوى مدارس الطلاب وأفضل مجلس أمهات على مستوى مدارس الطالبات وبذلك يكون قد تم وضع اللغة الحقيقية نحو عودة المياه لمجاريها. والى جانب ذلك يرى الفردان ان لوسائل الاعلام الدور الاكبر في توعية الحس التربوي لدى الاسر لتفعيل العلاقة المفقودة بين البيت والمدرسة داعيا ادارة المنطقة الى عمل دراسات واقعية تربوية للوصول من خلالها لأفضل السبل الكفيلة يحل جميع المشكلات العالقة في المجتمع المدرسي نتيجة لتلك العلاقة. علاقة ثلاثية ومن وجهة نظر خالد عامر السيد الاختصاصي النفسي بتعليمية دبي ان البعض قد يتصور ان العلاقة بين البيت والمدرسة ثنائية طرفاها المدرسة والبيت ولكنها في حقيقة الامر ثلاثية وأخطر ما فيها هو الطرف الثالث وهو المهم فهو الوسيط بينهما انه ـ الطالب ـ فهو مسئول عن طبيعة تلك العلاقة سلبا او ايجابا لافتا الى انه «الناقل الرسمي» لصورة المدرسة في البيت، والبيت يتأثر كثيرا بهذه الصورة وانطباع الطالب عنها، فإن كانت علاقته بها متوترة ويشعر بأن المدرسين لا يفهمونه وأن الادارة المدرسية تمارس عليه ضغطا وسيطرة ويشعر ان المدرسة مكان بغيض لا يمارس فيه النشاط الذي يتلاءم مع طبيعة المرحلة العمرية التي يمر بها ولا يحس فيها بذاته وكيانه وكل ما يربطه بمدرسته اللوائح والنظم والامتحانات والدرجات الى غير ذلك فإن هذه الصورة ستنتقل الى ولي الأمر الذي سيأخذ موقفا سلبيا من المدرسة، والعكس صحيح بالنسبة للطالب الذي يحب مدرسته ومعلميه ويقضي وقتا طيبا مع زملائه ويمارس انشطته المختلفة التي تلبي احتياجاته النفسية والاجتماعية والعقلية والجسمية ونجد ولي أمره يحب المدرسة ودائما مايتردد عليها بين الحين والآخر. وتابع عامر قائلا: الطرف الثاني والمهم هو المدرسة وهي نوعان على حد قوله الاول منها المدرسة التي تهتم فقط بالنظام المدرسي والدرجات ولا تقيم وزنا للعلاقة الاجتماعية التربوية بينها وبين طلابها وكل ما يعنيها فقط الغياب والتأخر الصباحي وتلقين بعض المعلومات والاتصال بأولياء أمور الطلاب ذوي المشكلات لكتابة التعهدات واستلام الانذارات واسماع ولي الامر السلبيات الكثيرة والمتعددة والمتعلقة بابنه دون اظهار ايجابية واحدة وبالتالي يخرج ولي الامر محبطا وكارها المكان لافتا الى ان بعض ادارات المدارس والهيئة التدريسية بها قد تفتقد لحسن استقبال اولياء الامور وحسن الاستماع الجيد لهم وعدم قدرتهما على التفرقة بين سلوك الطالب المشكل وشخصية الطالب ذاته فيصبا غضبهما على شخصية الطالب وليس على سلوكه مما يصيب ولي الامر كذلك بالاحباط لان تغيير الشخصية صعب ولكن من السهل تغيير السلوك غير المرغوب فيه مشيرا الى ان النوع الثاني من المدارس هي تلك التي لا توجد فيها هذه المشكلة. وأضاف عامر ان الطرف الثالث هو ولي الامر المشغول فقط بتأمين المسكن والملبس والمأكل والعمل اليومي دون اعطاء نفسه الوقت لمتابعة الابن تحصيليا وسلوكيا ودون ان يعرف حتى مكان المدرسة التي يدرس فيها ابنه مؤكدا ان بعض اولياء الامور لا يهمهم الذهاب كثيرا الى المدرسة وقد لا يناسبهم وقت ومكان انعقاد اللقاءات والندوات التي تنظمها المدرسة لأولياء الأمور. ويؤكد ان الاطراف الثلاثة متضامنة في اظهار المشكلة مرجعا العبء الاكبر في حلها الى المدرسة والذي يراه في ضرورة ان تغير المدرسة من نظرتها ومفاهيمها التقليدية فلا يقتصر دورها على مجرد تلقين المعلومات والمحافظة على النظام بل يجب ان تلعب دورا اكبر من التأثير على البيئة المحلية كفتح المدرسة كناد اجتماعي لأولياء الأمور وطلابها لقضاء وقت ممتع وممارسة الانشطة الثقافية والاجتماعية والرياضية المختلفة واقامة البرامج والانشطة التي تلائم احتياجات ومتطلبات المرحلة العمرية التي يمر بها طلاب المدرسة مع اقامة حفلات وأنشطة تجمع الهيئتين الادارية والتدريسية بالطلاب لتوثيق العلاقة بينهما خارج نطاق الطباشير والنظم والدرجات مع العمل على زيادة وعي أولياء الأمور بأهمية ودور المدرسة في التأثير على الابناء وكذلك فن التعاون مع الابناء يعقد الندوات التوعوية التربوية والنفسية والاجتماعية والدينية وتوثيق العلاقة بأولياء الأمور وربطهم الدائم بالمدرسة عن طريق ارسال بطاقات التهنئة بالأعياد والمناسبات الرسمية وشهادات التقدير للأبناء المتميزين في مختلف المجالات وأيضا للمتأخرين وأصحاب السلوكيات السلبية والذين تحسن أداؤهم ولو بقدر يسير حتى وإن لم يبلغوا المستوى المطلوب فالتعزيز في بداية مرحلة التغيير الى الافضل من اهم المراحل في تغيير السلوك والتقليل قدر الامكان من مطالبة اولياء الأمور بأي أعباء او تكليفات لا يستطيعون القيام بها او غير مقتنعين بها. تحقيق ـ يحيى عطية:

طباعة Email
تعليقات

تعليقات