بعد التحية، بقلم د. عبدالله العوضي

اعود في الحديث مرة اخرى الى اخر مبادرة لشرطة دبي وهي منحها شهادة (براءة اقتراح) لكل مبتكر وغير مسبوق وقابل للتطبيق من المقترحات التي تعين المؤسسات على اداء دورها واستدراك نواقصها. ما هو الخيط الرفيع والفاصل بين مشروع (براءة اقتراح) وملكية (براءة الاختراع) المعروفة على المستوى العالمي في البداية يمكن القول بأن الشرطة ليست جهة مختصة بإعطاء ملكيات فكرية لبراءات الاختراع ولكنها تستطيع من ناحية اخرى ان ترفع الى الجهة المخولة بهذا العمل سواء بالدولة او خارجها للنظر في اختراع قام به افراد او جماعات فهي في هذا لا تختلف عن اي جهة علمية تملك هذا الحق المعنوي العام, لان العلم احدى دعامات العمل الشرطي في الدولة وليس ترفا او هامشا معرفيا لا يلتفت اليه. شهادة (براءة اقتراح) سوف تعطي الانسان قيمة معنوية اضافية تشعره بأن هناك من يأخذ باقتراحه لو كان مناسبا للتطبيق وهناك من يحرص على سماع وجهة نظر اخرى وبطريقة اخرى وهي الاقتراح, مرت على مؤسساتنا بشكل عام سنوات كان صاحب الاقتراح منبوذا وغير مرغوب فيه, لأن المقابل يحس من خلال اي اقتراح يتقدم به (س) من الناس كأنه يعرف اكثر منهم وقد يكون المقابل مديرك المباشر او مجموعة من المدراء وكبار المسؤولين, فكيف لهؤلاء ان يتنازلوا ولو وقتيا لاؤلئك المقترحين. شرطة دبي بهذا الاسلوب ستحرك في الناس عقولهم وقلوبهم للصالح العام, ووجود جهة لتلقي المقترحات يعنى ذلك الابتعاد شيئا فشيئا عن صناديق الشكاوى التي لا تفتح خوف الانفجار في وجوه الذين لا يملكون رد الشكوى كتابيا ولا عمليا. ما هو التعريف المبسط للاختراع, اقول وبسرعة هو مشروع او فكرة مقترحة, وبتكرار التجارب العملية عليها يتم التأكد من جِدَتها, فإذن, كل اختراع لابد وأن يبدأ بمشروع أو فكرة مقترحة لأن الاختراع لا يأتي ابدا من فراغ والفارغ ذهنيا لا يعطي شيئا وإن كان اقتراحا فضلا عن الاختراع ذاته. ولا أريد هنا ان اسرح بخيالي بعيدا قبل ان تتم التجربة حتى لا أفقد حماسي المبدئي لكل اضافة جديدة ولو كانت في البداية فكرة مجردة ومعلقة في الهواء الطلق لا تجد من يملك زمامها وإنزالها على الارض لإراحة رقاب الناظرين اليها وهي مازالت في العلالي. سمعت عن قصة عربي مخترع في احدى الدول العربية عرض اختراعه على كافة المسؤولين في دولته لاقناعهم بفكرته الجديدة حتى نصحوه بمقابلة رئيس الدولة لعله يقتنع بها شخصيا فيصدر الأوامر بإنتاجها وترويجها, الموضوع بعيد كل البعد عن هذا المنحى الذي كان الهدف منه تطفيش هذا الفَرِح باختراعه والذي لم يجد الطريق الامثل للوصول الى هدفه وكان ينقصه تذكرة سفر لأقرب دولة اوروبية في محيطه ولكن صاحب الاختراع هذا لا يريد ان يبيع جهده هناك, فأمله كان مبنيا من الاساس على خدمة الوطن, فما العمل عندما يدير الوطن وجهه عنك؟! عندما نتأكد بأن الاقتراح الذي سيقدم لشرطة دبي لن يفسد للود قضية وخاصة عندما يعرف صاحبها من قبل وسائل الاعلام العديدة, فسوف يستمر الناس في التدفق على هذا المشروع الفريد. وعندما تتحول الاقتراحات المقدمة لهذا البرنامج ـ ولا أقول الصندوق خشية عدم فتحه في الوقت المناسب ـ الى تطبيقات على ارض الواقع ساعتها سنعيد حساباتنا في معرفة اهمية مبدأ الاقتراح ذاته, فرب اقتراح يقدم اليوم وينفذ بعد سنوات الا ان الفارق يقلب الموازين المعروفة لدى الناس الذين تعودوا على الرتابة القاتلة لكل جديد مقترح. ولو فتحت الصحافة صدورها لقلوب الناس الذين تعبوا من تقديم الاقتراحات تلو الاخرى في الايام المقبلة لرأينا الظلم المؤبد الذي اصاب قطاعا عريضا من الموظفين في شتى مؤسسات الدولة التي ظلمت نفسها بنفسها عندما كانت ترفض مبدأ الاقتراح من جذوره, فهنيئا لشرطة دبي التي أحيت الموات وأعانت على الحياة من جديد. د. عبدالله العوضي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات