إفطار رمضان بين الإسراف والكرم - البيان

إفطار رمضان بين الإسراف والكرم

العادات والتقاليد الرمضانية في الامارات خاصة ما يتعلق منها بموائد الافطار وما تزخر به من المأكولات والحلويات والمشروبات اصبحت مثارا للجدل , فالبعض يرى ان تعدد الاطباق الرمضانية هي سمة من سمات المجتمع الاماراتي الذي طالما اتصف بالجود والكرم وحسن الضيافة, فيما يرى البعض الآخر ان موائد الافطار وما تحويه من اصناف وكميات تجاوز المعقول وحطم المنطق الى درجة الاسراف والتبذير. احد الباحثين الاجتماعيين يرى ان ظاهرة تعدد الاطباق وبكميات كبيرة على موائد الافطار اصبحت مظهرا من المظاهر الاجتماعية التي تعكس الامكانيات المادية والاجتماعية لشريحة كبيرة جدا من المجتمع الاماراتي مشيرا الى ان هناك عدة عوامل ساهمت في تعزيز هذه السلوكيات ومنها اجهزة الاعلام والمحلات التجارية بشكل عام واكد ان كميات الطعام التي يتم القاؤها يوميا في القمامة وعلى مدرا الشهر تكفي لاطعام دولة من الدول الفقيرة, فيما يرى علماء الدين ان الاسلام حث على التوسعة بالانفاق خلال هذا الشهر الفضيل سواء من ناحية انفاق الرجل على بيته او الصدقات, واكدوا ان التوسعة في هذا الشهر لاتعتبر اسرافا وانما قربة من الله عز وجل. ترى هل ينظر المواطنون لهذه الظاهرة على انها اسراف ام كرم؟ وما رأي الشرع والاجتماعيين؟! يقول محمد عبدالله البحر ان موائد الافطار الرمضانية هي جزء من العادات والتقاليد المتبعة في المجتمع الاماراتي, فقبل بداية الشهر يسارع المواطنون لنصب الخيم الرمضانية امام المنازل وفي الاحياء والتجمعات السكانية وتفتح ديوانيات كبار الاعيان ورجال الاعمال ابوابها امام الجميع تزخر بما لذ وطاب من جميع الاطباق والحلويات لان شهر رمضان من الاشهر المباركة تكثر فيه الزيارات وصلة الرحم. وبما ان الانسان العربي بشكل عام والخليجي بشكل خاص اشتهر وعلى مدى العصور الماضية بالكرم والجود وحسن الضيافة, فانه يعبر عن هذه الصفات بتعدد الاطباق وبكميات كبيرة حتى لا يقال عنه انه بخيل. واضاف ان الوضع الآن اختلف عما كان عليه في السابق بسبب اختلاف الاوضاع المادية والاجتماعية لدى المجتمع الاماراتي, والله سبحانه وتعالى يحب ان يرى اثر نعمته على عبده ومن هنا يأتي تعدد الاطباق. ويرى محمد البحر ان الكرم لم يصل الى حد الاسراف والتبذير خاصة وان الاسلام نهانا عن هذا الجانب, ولكن العامل النفسي قد يلعب دورا من خلال زيادة نسبة الطبخ على اعتبار ان الصائم يعتقد بأنه سيقوم بتعويض ما فاته من وجبات عن طريق التهام جميع ماتم اعداده. المبالغة بالكرم اسراف ويقول خميس خليفة المهيري ان هناك مبالغة في كثير من موائد الافطار الرمضانية لدرجة تصل الى حد الاسراف والتبذير, فقد يكون عدد افراد الاسرة الواحدة خمسة افراد مثلا وما يتم اعداده من اطباق ناهيك عما يتم احضاره من المطاعم قد يكفي لعشرين فردا, علما انه اثناء رمضان تكون نسبة الاكل لدى الصائمين اقل من الاشهر الاخرى وبالتالي, فإن جزءا كبيرا من هذه الاطباق لايقربها احد وتوضع في الثلاجة لليوم الثاني, والذي يتم به ايضا اعداد اطباق جديدة على اعتبار ان الصائم يحب التجديد يوميا.. وهكذا طوال الشهر. ومضى قائلا: هناك فرق كبير بين الكرم والاسراف غير المبرر, فاذا كانت الاطباق التي يتم اعدادها تؤكل او توزع فهذا كرم, ولكن ان يلقى بها في اكياس القمامة فهذا تبذير واسراف يجب الابتعاد عنه قدر الامكان واعتقد بأن هذه المسؤولية تقع على عاتق ربات البيوت اكثر منها على الرجال. الولائم من القيم الاجتماعية ويرى ضاحي مبارك ان الولائم والعزائم في المجالس والديوانيات المفتوحة للاهل والاقارب وغيرهم مازالت ترتبط ارتباطا وثيقا بالقيم الاجتماعية الموجودة في المجتمع الاماراتي, وهذه القيم يصعب التخلي عنها لان ذلك قد يعتبر تخليا عن العادات والتقاليد التي سار عليها الآباء والاجداد. واضاف بأن المجتمع الاماراتي رغم الظروف والاجواء التي يعيش فيها الا ان الروابط الاسرية والاجتماعية مازالت تحافظ على وضعها فتجد ــ مثلا ــ الابناء يتجمعون يوميا في بيت الوالد وقد يأتي الاقارب ايضا بدون مواعيد مسبقة على اعتبار ان المجلس مفتوح ومعروف بأن ما يتم اعداده يكفي ويزيد, لذلك لا يمكن ان تقول بأن زيادة نسبة الطبخ وتعدد الاطباق خاصة في مثل هذه الحالات هو اسراف وتبذير بل احتياطات يتم اخذها مسبقا حتى لايفاجأ احد بزيارة غير متوقعة. ومضى قائلا: نتمنى ان تتواصل هذه العلاقات الاجتماعية والروابط الاسرية على نفس وتيرة شهر رمضان طوال العام لان في ذلك اجر وثواب. الميزانية تتضاعف ويقول خلفان مصبح ان شهر رمضان يحتاج الى ميزانية قد تفوق باضعاف الميزانيات الخاصة بالاشهر الاخرى, حتى ان بعض الناس للاسف اصبحوا لايعرفون عن رمضان سوى الطعام والشراب حيث يبدأ اعداد الاطباق قبل حلول موعد الافطار بساعات طويلة وترى احيانا كل افراد الاسرة يقومون باعداد الوجبات وتوزيع الادوار, وعند الافطار يتناول الصائمون جزءا بسيطا من الاطباق التي تم اعدادها ويذهب الجزء الاكبر منها الى الحفظ بالثلاجات لايام وبعدها لايجد طريقا له سوى القمامة, فهذا بالتأكيد اسراف وتبذير تجاوز الكرم. ولكن اذا تم اعداد هذه الاطباق لتوزيعها على الفقراء والمحتاجين فهذا وضع مختلف تماما, لانه يكون صدقات خالصة لوجه الله, ولا حرج في ذلك لان الاسلام حثنا على التآزر والتضامن خاصة خلال هذا الشهر الفضيل والرسول صلى الله عليه وسلم يقول (من فطر صائما فله اجره) . ما يجري تبذير.. تبذير.. ويرى سلمان مصبح ان ما يجرى خلال شهر رمضان ليس فقط من قبل المواطنين وانما ايضا من قبل الوافدين العرب هو تبذير واسراف, نابع من اننا مازلنا من اكثر المجتمعات الاستهلاكية, ومما يدعو للاسف ان كميات الطعام التي تتبقى بعد الافطار وما اكثرها تلقى في صناديق القمامة, على اعتبار ان توزيع ماتبقى من الاكل حتى على المحتاجين مازال ينظر له على انه (عيب) . واضاف ان هذا الشهر هو شهر الكرم والخير والبركات ولكن خير الامور دائما اوسطها, والله سبحانه وتعالى يقول (ولا تغلل يدك الى عنقك ولا تبسطها كل البسط) فمن هنا يجب الاقتصاد وقدر الامكان وعدم اهدار هذه النعم لان ذلك اجحاد بحق الخالق. عادات تتنافى مع رمضان ويقول ابراهيم الموسى ان غياب الرقابة والتوجيه والارشاد سواء من قبل رب الاسرة او اجهزة الاعلام ادى الى ترسيخ بعض العادات التي تتنافى مع قيم رمضان وواجباته ومعانيه, وللاسف تجد الناس تتدافع على ممارسة هذه العادات بما فيها الاطباق اليومية التي يتم اعدادها لدرجة بدأوا يعتبرونها من مقومات الشهر المستحسنة والمأمور بها, لذلك نجد اختلاط الحابل بالنابل فنجدهم يعرفون الاسراف في الانفاق بانه كرم عربي له جذوره المتأصلة ويصفون فائض الاطباق بالجود والكرم وباعتقادي بأن هذه السلوكيات مفاهيم خاطئة يجب التفريق بينها واعتقد بأن وسائل الاعلام لها دور كبير في هذا الجانب الاستهلاكي. مظاهر وتنافس وفي السياق نفسه يقول راشد محمد راشد كاتب وباحث اجتماعي ان شهر رمضان يمتاز عن بقية الاشهر الاخرى بأنه شهر الخيرات لذلك نجد الناس في الوطن العربي ككل سواء كانوا اغنياء ام فقراء يهرعون لشراء كل ما يقدرون عليه من اكل وغيره باعتبار ان هذه الفترة تكون فيها العلاقات الاجتماعية والروابط الاسرية في اوجها.. وهذه المسألة تقاس على جميع المجتمعات وبالذات على المجتمعات الخليجية ومنها المجتمع الاماراتي بالطبع. ومضى قائلا: في الفترة الاخيرة طغت هذه النظرة على الاسر بحيث اننا نجد في دول الخليج ما يعرف او مالا يؤكل خلال هذا الشهر يمكن ان يكون كافيا لاشباع دولة من الدول الفقيرة, وهذه حقيقة سوء وعي, وتتنافى بشكل لا يقبل الجدل مع مبادىء وقيم هذا الشهر الفضيل, فالصوم يفرض علينا الا نغالي في شراء كل السلع وهذه النقطة الاساسية لذلك نجد على موائد الافطار في المنازل حتى للاسر بنفسها اطباقا ما انزل الله بها من سلطان وبكميات كبيرة لان المرأة بطبيعتها تحب قضاء معظم وقتها في المطبخ وويل للرجل الذي يقع في براثنها لانها قد تتلف ميزانية الشهر بيوم واحد. واضاف ان الكرم مطلوب خاصة خلال هذا الشهر ولكن موائد الافطار الرمضانية تجاوزت الكرم الى الشكلية واصبح ينظر لهذه الموائد الآن على انها مرآه تعكس الوضع المادي والاجتماعي فخلقت نوعا من التفاخر والمباهاة شأنها شأن (الموبايل) والسيارات الحديثة لدرجة ان الانسان العادي والبسيط اصبح الآن يسير على نفس النهج حتى ولو كانت الامكانيات المادية لا تسمح. عدة عوامل اضافية ويرى الكاتب والباحث الاجتماعي راشد محمد راشد ان هناك عدة عوامل ساهمت في تعزيز الانفاق البشع فالقنوات الفضائية تتسابق في طرق اعداد اطباق الطعام والحلويات ولك ان تتخيل ما اكثرها وبطبيعة الحال المرأة تحب التفنن بهذه الاطباق خاصة في رمضان فتأخذ بتطبيق ما شاهدته والمحصلة قد تكون 15 طبقاً مختلفاً, اضافة الى الاغراءات التي تقدمها المحلات التجارية ومراكز التسوق لجذب المستهلكين لذلك نجد ان مؤشر الشراء في هذا الشهر يصل الى اعلى مستوياته لدرجة يمكن فيها القول ان الانسان العربي وبالاخص الخليجي اصبح كائنا استهلاكيا بامتياز. الاسلام حث على التوسعة ومن جانبه يعلق فضيلة الشيخ محمد حبو حبيب مساعد مدير ادارة الفتوى والبحوث بدائرة اوقاف دبي على هذه الظاهرة قائلا: من المعروف ان شهر رمضان هو شهر كريم مبارك شهر الطاعة والاقبال على المكرمات وخاصة التوسعة على الاسر والفقراء فيطلب في هذا الشهر زيادة التوسعة بالانفاق سواء من ناحية انفاق الرجل على بيته او انفاقه للصدقات في سبيل الله واي توسعه في هذا الشهر لا تعتبر اسرافا وانما تعتبر قربه من الله عز وجل لانها نوع من التكافل بين المسلمين غنيهم وفقيرهم وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يوسع على عياله وعلى المسلمين في شهر رمضان وكان كالريح المرسلة في جوده وكرمه. لذلك المطلوب ان يقوم المسلمون بكفالة بعضهم البعض والتوسعة على فقرائهم في هذا الشهر الفضيل دون ظن ولا شح, اما في غير هذا الشهر فالاسلام يدعو الى الوسطية في كل الامور (لا تقصير ولا تبذير) انطلاقا من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (خير الامور الوسط) التبذير احتكار للنعم ويقول فضيلة الشيخ محمد حبو حبيب هناك بعض الممارسات الخاطئة التي يقوم بها البعض خاصة اثناء احتفالات الزواج او اثناء رمضان مثل القاء ما تبقى من الحفلات والولائم في صناديق القمامة, وهذا فيه نوع من الاحتقار للنعم التي من الله بها علينا وفيها ايضا حرمان للطبقات الفقيرة من ان تستفيد من هذه الاطعمة وهذا امر لا يقره الشرع, فمن الناحية الشرعية مرفوض القاء الاطعمة في صناديق القمامة لانها نعمة يجب ان تكرم ولا تهان, ومن الناحية الثانية التخلص من بقايا الطعام بهذه الطرق هو نوع من التبذير, بل يجب ان يتم توزيعها على الفقراء والمحتاجين. الذين هم في امس الحاجة لها. - هل هناك آيات قرآنية او احاديث نبوية تحث على هذه التوسعة؟ نعم هناك الحديث النبوي الذي يقول (من فطر صائما فله اجره) وهناك آيات ايضا تنهي عن الاسراف مثل قوله تعالى (كلوا واشربوا ولا تسرفوا) والآية الاخرى (ان المبذرين كانوا اخوان الشياطين) فالنصوص القرآنية والنصوص والتطبيقات النبوية وتطبيقات الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين كانوا في هذا الاطار كرماء ولكن ليس الى حد الاسراف واذا فاض عليهم شيء من النعمة وسعوا به على اخوانهم. - هل تعتقد بان المظاهر الاجتماعية لها دور في هذا الجانب؟ ـ لاشك ان المظاهر الاجتماعية والعرف يلعب دوره في هذا المجال, فالمسلم يعرف حق المعرفة ان التبذير حرام والاسراف لا يجوز ومع ذلك يغلبه التقليد, كيف افعل خلاف ما يفعله جيراني واقربائي, المفروض ان نلتزم بما بما يأمر به الله سبحانه وتعالى وننتهي بما ينهي الله عنه, اما التقلد والعرف فتأتي في الدرجة الثانية التي لا تصطدم مع نص, اما هنا فالصدام مع نصوص تطبيقية واضحة تمنع الاسراف والتبذير وتمنع احتقار النعمة خاصة من قبل اللامبالين في القاء هذه النعم اما اذا كان عن طريق الخطأ فنسأل الله ان يتوب عليهم وهو خير التوابين. تحقيق وتصوير: عماد عبدالحميد

طباعة Email
تعليقات

تعليقات