تطوّع ذي القرنين ببناء السد

يأجوج ومأجوج: من ذرية آدم خلق من خلق الله، أهل شر وفساد، وهم أكثر أهل النار، وقد حال الله بينهم وبين الإفساد في الأرض، والإفساد على الخلق بسد ذي القرنين الذي بناه تطوعاً، فإذا جاء وعد الله جعل هذا السد الذي عجزوا عن نقبه والصعود عليه دكاً، فيخرجون من كل حدب ينسلون، ويعيثون في الأرض فساداً، ويمرون على بحيرة طبرية فيشربون مائها، ويمر بها آخرهم، فيقول:

كان بهذه ماء، فيقتلون، ويسلبون، وينهبون، ويظلمون، ويحصر عيسى عليه السلام ومن معه من المؤمنين في الطور بعد أن يوحي الله إليه إني قد أخرجت عباداً لي لا يدان لأحد بقتالهم؛ فحرز عبادي إلى الطور.

ويؤمر عموم الناس بالهرب منهم، وعدم مواجهتهم فمن طغيانهم وبغيهم وفسادهم أنه بعد أن يعيثوا في الأرض قتلاً وتدميراً، وإهلاكاً للحرث والنسل، يقولون قتلنا أهل الأرض فلنقتل أهل السماء، فيرمون بنشبهم إلى السماء، فيرجعها الله فتنة لهم مخضبة بالدماء، فيقولون قتلنا أهل الأرض، وقتلنا أهل السماء.

وتكون نهايتهم أن يجأر من بقي من أهل الأرض، وعلى رأسهم عيسى عليه الصلاة والسلام ومن معه من المؤمنين بالشكوى إلى الله، أن يرفع عنهم البأساء والضراء، فيرسل الله على يأجوج ومأجوج، دود النَغف في رقابهم، فيصبحون موتى جميعاً في ليلة واحده في كل أصقاع الأرض كموت نفس واحدة.

فكان التطوع في بناء السد نعمة عظمى للبشرية وسبباً من أسباب هناء العيش على الأرض، إن التطوع عمل إنساني، يبذل للناس كافة، فخير الناس أنفعهم للناس، وهو من هدي الأنبياء والأصفياء، فهذا نبينا وقدوتنا عليه الصلاة والسلام عندما رجع إلى خديجة رضي الله عنها بعد أن جاءه جبريل عليه السلام وهو في غار حراء، فقال لها:

«لقد خشيت على نفسي». فقالت خديجة رضي الله عنها: كلا والله ما يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. وتحمل الكَلّ: أي تنفق على الضعيف واليتيم وغيرهما، وتكسب المعدوم أي تتبرع لغيرك بالمال.

إن العمل التطوعي يجعل المجتمع مترابطاً متلاحماً متواداً متراحماً، فمتى شعر الفقير المحتاج والمسكين المعدم واليتيم الحزين، والأرملة الضعيفة بأنهم يعيشون في مجتمع متماسك البنيان، قوي الأركان، التكافل شعاره، والتطوع عمل يقدم عليه كل فرد فيه، انبعث حبهم لأبناء مجتمعهم، وحمدوهم على حسن صنيعهم، وجميل معروفهم، فعن أبي ذر رضي الله عنه قال قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه؟

قال: «تلك عاجل بشرى المؤمن» والعمل التطوعي يتأكد في الأحوال غير العادية الطارئة والنوازل المفاجئة، فتتدخل يد التطوع والعطاء الحانية؛ تبسط الأمل، وتنشر الرحمة وتكشف الغمة، وتزيح الكرب.

وتنفس على الملهوف، وتبذل المعروف، فتنعكس خيراً وبركة على البشرية جمعاء، فينتفع بها القاصي والداني، ويشعر المعطي من ماله، والمتطوع بفكره وجهده براحة في النفس عظيمة، وطمأنينة في البال عجيبة، فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان، والجزاء من جنس العمل، وصدق رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم إذ يقول:

«مَن نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نَفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه».

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات