رمضان شهر التزكية

رمضان شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يزداد فيه رزق المؤمن.. هذه المعاني الجليلة هي الثمرات المرجوة بأن يخرج بها المسلم من مدرسة الشهر الفضيل، بعد أن تهيأ لاستقباله كما تتهيأ النفس لاستقبال أعز غائب يتنظر.

ومنذ دخول هذه المدرسة الكريمة على الصائم أن يروض نفسه للصيام والقيام وصالح الأعمال؛ فيكتب الأجر بهذه النية الصالحة، فكذلك فيه تهيئة للنفس لتطهيرها من رذائل المعاصي، بالعزم على البعد عنها وسلوك الاستقامة فيه حتى لا يكون فيه المرء من الغافلين، وهذه النية الصالحة تجعل من يتلبس بها كأنه مؤدياً لعبادة الصيام إن أدركه الموت أو العذر، فإن نية المؤمن خير من عمله.

التزكية مقام من مقامات الإيمان، وغاية من غايات بعثة ولد عدنان صلى الله عليه وآله وسلم كما قال الله تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} في أربع آيات من الذكر الحكيم يبين فيها الحق سبحانه وتعالى أن التزكية هي إحدى غايات بعثة النبي صلى الله عليه وسلم للعباد.

والتزكية تعني تهذيب النفس من رعونتها، والتخلق بالأخلاق الكريمة التي بعث بها النبي صلى الله عليه وسلم كما قال عليه الصلاة والسلام: «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق» وفي رواية: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».

نوعان

والأخلاق الكريمة نوعان جِبِلِّي وكسبي، والجِبِلِّي من الأخلاق فلا بد أن تكون مبنيةً على أُسس الإيمان، وإلا لم يكن لها أثر في المكانة عند الله تعالى كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لابنة حاتم الطائي التي ذكرت من أخلاق أبيها ما ذكرت فقال صلى الله عليه وسلم: «يا جارية هذه صفة المؤمنين حقا، لو كان أبوك مسلما لترحمنا عليه» ثم قال لأصحابه الكرام:

«خلوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق، والله يحب مكارم الأخلاق» فقام أبو بردة بن نيار، رضي الله عنه فقال: يا رسول الله! الله عز وجل يحب مكارم الأخلاق؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، لا يدخل الجنة أحد إلا بحسن الخلق».

في حين أن الكسبي من الأخلاق فهي التي يتحلى بها المرء بترويض نفسه على المكارم كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما العلم بالتَّعَلُّم، وإنما الحلم بالتَّحَلُّم، من يتحرَّى الخير يُعْطَه، ومن يتَّقِ الشر يُوقَه» وقال عليه الصلاة والسلام: «من يستعففْ يُعِفُّه الله، ومن يستغن يُغنِه الله ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر» فدلت هذه الأدلة أن على المسلم أن يتكلف الأخلاق الحميدة ويغالب نفسه عليها.

مدرسة عظيمة

وشهر رمضان مدرسة عظيمة لتهذيب النفس حتى تتخلى عن الأخلاق الرذيلة، وتتحلى بالأخلاق الكريمة؛ لأن الصائم هو في غاية المراقبة لربه سبحانه فقد صامت جوارحه وحواسه عن كل ما نهى الله عنه، فلا يرفت ولا يصخب ولا يجزئ السيئة بالسيئة بل يقول:

إني صائم، لأنه يعلم أنه إن لم يصن سمعه وبصره فإنما هو يجوع ويعطش وليس صائما حقيقة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» وكما قال بعضهم:

إذا لم يكن في السمع مني تصاونٌ

وفي بصري غضٌّ وفي منطقي صمتُ

فحظي إذا من صومي الجوع والظمأ

وإن قلت إني صائم يوما فما صمتُ

وهو مع ذلك يتزكى بالعبادة من صلاة وزكاة وقراءة القرآن وفعل الخيرات، فتنمو الأخلاق الكريمة فيه، وتربو في نفسه، حتى تصبح عادة له وطبعا ثانيا، بحيث لا يخرج منه حتى يكون على خلق كريم، كما قال الرصافي:

هي الأخــلاقُ تنبـتُ كالنبـــات

إذا ســــقيت بماء المكرمــاتِ

علة الصوم

وقد قال الله تعالى في بيان علة الصوم وغايته {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} وختم آيات تشريعه بما يجب أن ينتهي عنه الصائم ليصل إلى هذه الغاية من الصوم بقوله سبحانه: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}

والتقوى هي المنزلة العظيمة من الأخلاق؛ لأنها تعني التخلي عن الرذائل والتحلي بالفضائل، بحيث لا يقع المرء في محظور، ولا يفرط في مأمور، ومثل هذا ما يكون عليه حال الصائم في رمضان، فيكون قد تزكى وترقى في الأخلاق حتى أصبح من المتقين.

بل لعله أن يكون من المقربين الذين يباهي الله بهم ملائكته كما صح في الحديث القدسي «يقول الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام فهو لي، وأنا أجزي به، إنما يترك طعامه وشرابه من أجلي، فصيامه لي وأنا أجزي به، كل حسنة بعشر أمثالها، إلى سبع مائة ضعف، إلا الصيام، فهو لي، وأنا أجزي به»

 

* مدير إدارة الإفتاء في دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري في دبي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات