بنك الإمارات للطعام..أبعاد إنسانية وبيئية

صورة

بات العالم اليوم يعترف بشكل متزايد بمشكلة هدر الطعام، وينظر إليها كمشكلة خطيرة يجب معالجتها على كافة المستويات. وتثبت الإحصاءات مدى خطورة هذه المشكلة؛ فمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة تقدر حجم هدر الطعام عالمياً بنحو 1.6 مليار طن، أي ما يعادل 28%من إجمالي المساحة الزراعية في العالم. علينا أن ندرك أن زيادة الإنتاج الزراعي ليست الحل الأساسي لمشكلة الجوع في العالم اليوم؛ فنحن ننتج كميات كافية من الطعام لتغطي حاجة للجميع. ولكن تكمن المشكلة في أننا نهدر كميات ضخمة منه.

إنها ليست مجرد قضية إطعام الأفواه الجائعة - ولكنّ هدر الموارد يشكل ضغطاً على البيئة. ويعادل حجم المياه التي تهدر في العالم سنوياً نتيجة لعدم فاعلية الإنتاج الزراعي تدفق نهر الفولغا في روسيا (ما يكفي لملء بحيرة جنيف ثلاث مرات سنوياً)، كما يولِّد الطعام المهدور ضعفي حجم الغازات الدفيئة الصادرة عن كامل عدد السيارات في شوارع أميركا في كل سنة. وفي الواقع، تنتهي نسبة عالية من مجموع بقايا الطعام في مكبات النفايات، مولدةً غاز الميثان، وهو أحد الغازات الدفيئة القوية.

ومع إدراك حقيقة أن ما يقارب من 30%من إنتاج الغذاء في العالم يهدر من دون أي داعٍ، بادرت الحكومات ومنظمات القطاع الخاص بالتعامل مع هذه المشكلة. فقد أصدرت فرنسا وإيطاليا قوانين تهدف إلى معالجة القضية، وتتجه العديد من الحكومات الأخرى إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لتنظيم الهدر. وإلى جانب هذه الجهود التشريعية، تعمل الجمعيات الخيرية وأصحاب المبادرات على حد سواء على إيجاد طرق جديدة لتحويل النفايات إلى شيء يُستفاد منه.

وتعتبر قضية الهدر في غاية الأهمية كونها تتقاطع مع كل مرحلة من مراحل عملية إنتاج الطعام. في حين أن هناك تلفٌ كبير في مستوى الإنتاج الزراعي، إلا أن معظم الهدر يتم خلال مراحل المناولة، والتوزيع والبيع بالتجزئة، والاستهلاك في سلسلة الإمدادات الغذائية.

بالرغم من إنتاجها الزراعي الذي يعتبر محدود نسبياً، إلا إن دولة الإمارات العربية المتحدة هي واحدة من الأسواق الرئيسة لتوزيع الأغذية واستهلاكها، ناهيك عن وجود قطاع الضيافة المتقدم للغاية. ويتم الآن اتخاذ نهج مبتكر لمعالجة قضية بقايا الطعام من خلال الجمع بين المعنيين الرئيسين في كلا القطاعين العام والخاص.

وقد أثمر ذلك النهج عن تأسيس بنك الإمارات للطعام وهو مبادرة وطنية تهدف إلى معالجة مشكلة هدر الطعام عبر توزيع وإنتاج الأغذية في البلاد من خلال تشجيع التعاون بين القطاعين العام والخاص للحد من هدر الطعام إلى النقطة التي ينعدم عندها هدر الطعام.

في دبي على سبيل المثال، يجري تنسيق الجهود من قبل بلدية دبي المسؤولة عن تنظيم عملية جمع وتعبئة وتخزين وتوزيع الطرود الغذائية، وفقًا لأعلى المعايير الدولية، لضمان وصول الأغذية بحالة سليمة وطازجة.

ومن خلال إرساء المبادئ التوجيهية التشغيلية والمعايير واللوائح، تهدف البلدية إلى بناء عملية سلسة لتحقيق أقصى قدر من استخدام المواد الغذائية مع الحفاظ أيضاً على أعلى المعايير في عمليات المناولة والحفاظ على صحة الأغذية وسلامتها.

وسرعان ما استقطب بنك الإمارات للطعام، الذي تم إطلاقه كجزء من مبادرة عام الخير في الإمارات، اهتمام ودعم المنظمات الرائدة في قطاع التجزئة والضيافة الذين يضطلعون بمكانة مهمة في الإمارات، بما في ذلك عدد من الجهات المعنية الإقليمية. ويوفر هذا الأمر، جنبًا إلى جنب مع قطاعي الخدمات اللوجستية والتوزيع الحيويين في دولة الإمارات، فرصة سانحة ليس فقط للتخلص من نفايات الطعام على المستوى الوطني، وإنما لتعزيز القدرة على التوزيع الإقليمي للمساعدة في التعامل مع جهود الإغاثة الجارية، وكذلك الاستجابة للإغاثة في حالات الكوارث.

لا يقتصر دور بنك الطعام على كونه «غرفة مقاصة» مركزية للمواد الغذائية، ولكنه يعنى أيضاً بإدارة مجموعة من البرامج التي تهدف إلى رفع مستوى الوعي وتفعيل البرامج بين المؤسسات الخيرية وكذلك المتطوعين على المستويين التنظيمي والفردي.

وفي حين أن الجمعيات الخيرية قادرة على إدارة توزيع الطعام على نطاق واسع - خصوصًا على المستوى الإقليمي ومن خلال مبادرات الإغاثة في حالات الكوارث - فإن برامج التدريب ومنح الشهادات تعني أيضاً أن المتطوعين يستطيعون الوصول إلى بنك الإمارات للطعام لتقنين الموارد إلى المؤسسات الفردية أو الأشخاص في المجتمعات. ومن الأمثلة على ذلك المتطوعون الذين يديرون مشروع «وجبات على عجلات» المحلي الذي سيتسنّى لهم الوصول إلى بنك الطعام، وجمع المواد الغذائية التي يحتاجون إليها لإعداد وجبات الطعام لكبار السن ثم توزيعها ضمن مناطق التجميع الخاصة بهم.

وبدعم الشركاء في القطاع الخاص الذين يمثلون الآلاف من نوافذ البيع بالتجزئة والضيافة في 15 دولة ويصلون إلى مئات الملايين من المستهلكين في كل عام، يهدف بنك الإمارات للطعام إلى أن يكون أكبر مبادرة إنسانية في البلاد، وكذلك إلى النمو ليصبح أكبر مبادرة للمعونات الغذائية في منطقة الشرق الأوسط.

*متخصص في شؤون تطوير البرمجيات وإدارة المشاريع والتكنولوجيا

طباعة Email
تعليقات

تعليقات