يمثل الانتقال من بلاط صاحبة الجلالة، وهو التسمية التاريخية للصحافة التقليدية، إلى فضاء الذكاء الاصطناعي، ثورة جذرية تحول فيها الإعلام من الكلمة المكتوبة والجهد البشري الخالص إلى فضاء تعيد صياغته الخوارزميات والوكلاء الأذكياء.

وبقدر ما يرمز مصطلح «بلاط صاحبة الجلالة» كلقب تاريخي لمهنة الصحافة، من العراقة، والجهد البشري في نقل الحقيقة وصياغة وتشكيل الرأي العام أو التأثير فيه، يظهر الذكاء الاصطناعي كمرحلة متقدمة تعتمد فيها المؤسسات الإعلامية على نماذج أنظمة الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات وإنتاج المحتوى بسرعة واستجابة فائقة.

فاليوم يمكن بكل سهولة وبزمن قياسي، إنجاز المهام البحثية واستدعاء البيانات وإنتاج المحتوى الإعلامي بأضعاف سرعة الأنظمة التقليدية، بشمولية تامة وكفاءة إدارية مدهشة في توحيد المعلومات وربط الإدارات تقليلاً للجهد البشري في المهام المتكررة، ويخفض التكاليف إلى مستوى غير مسبوق.

لكن مع هذا الإنجاز الخارق، تبرز العديد من التحديات مثل ضرورة توفير مراجع واضحة للمعلومات للحد من الأخطاء، والفصل بين الإبداع البشري والآلي، وهو تحدٍ حقيقي يواجه المؤسسات للحفاظ على الهوية الإنسانية في سرد القصص الصحفية.

لذلك تبقى المصداقية وفقدان الثقة التحدي الأهم والمقلق، فانتشار تقنيات التزييف العميق والمحتوى المضلل يهدد ثقة المتلقي بالمواد الإعلامية، ويزيد صعوبة مهمة التأكد من الحقيقة، فتغيب الشفافية مع صعوبة فهم آلية اتخاذ القرارات وتحليل البيانات داخل المنصات الذكية، ما يضعف مساءلة المحتوى الموجه.

ويرتبط ذلك بغياب المعايير الأخلاقية والقانونية والقواعد الناظمة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرار التحريري، وظهور إشكالات التحيز الخوارزمي.

ووسط هذا البركان الإعلامي، تختفي حقوق الملكية الفكرية أيضاً، لأن نماذج الذكاء الاصطناعي تعتمد على استنساخ وجمع المحتوى الأصلي دون إذن واضح أو توثيق أو تعويض.

ولا تقل التحديات الاقتصادية والتوظيفية عن غيرها من التحديات، حيث تتراجع فرص العمل التقليدية مع ازدياد الاعتماد على محتوى الفضاء الإلكتروني، وبالتالي الضغط على الموارد البشرية مع ما يترتب على ذلك من تحويل قطاع كبير من العاملين إلى عاطلين عن العمل، وفي نفس زيادة الإنفاق على نماذج الذكاء الاصطناعي.

هذه التحديات وغيرها تشكل المحور الرئيس لقمة الإعلام العربي في دبي التي تنطلق اليوم، من خلال تقرير المشهد الإعلامي، ومن خلال المنتديات والجلسات التي تنظمها القمة بمشاركة قيادات إعلامية وخبراء لصياغة لبنات تقاليد إعلامية وتشريعات قانونية ومواثيق شرف إعلامية تستدعي مرونة توازي سرعات تطور هذه التقنية التي يرغب فيها الجميع ويخشونها في الوقت نفسه.

وهنا يبدو ذكاء دبي أنه لا يقل عن الذكاء الاصطناعي في إيجاد الفرص وصناعتها واقتناصها ومشاركتها مع الآخرين، فهي تجمع قيادات القطاع اليوم على مدى ثلاثة أيام لمناقشة هذا التطور المفصلي في العمل الإعلامي.

وغيره من الفرص والتحديات، لتبقى دائماً في صدارة الفعل وفهم التحولات، ورسم خرائط المستقبل بأدوات الزمان، زمان اليوم، وروح المكان، روح دبي.

اقرأ أيضاً:

النسخة الأكبر لقمة الإعلام العربي تنطلق اليوم

قمة الإعلام العربي فكرة توهجت وأضحت محط الأنظار

«جائزة الإعلام العربي»..ربع قرن من الاحتفاء بالتميّز في الصحافة والإعلام

محمد بن راشد يعيد هندسة الإعلام العربي

من الخبر إلى الخوارزمية.. إعادة بناء الإعلام العربي

دبي.. من استقطاب الإعلام إلى صناعة مستقبله

الإعلام العربي في زمن الأزمات.. معركة على الحقيقة والوعي والاستقرار

الذكاء الاصطناعي يرسم ملامح الإعلام

الإعلام العربي شريك في منظومة الاقتصاد الإبداعي والرقمي

ملعب المليارات..الذكاء الاصطناعي يقتحم «خزائن الإعلان»

لمشاهدة الملحق ..PDF اضغط هنا