يدخل قطاع الإعلان العالمي مرحلة جديدة يقودها الذكاء الاصطناعي مع انتقال الصناعة من استهداف الجمهور الواسع إلى الوصول الدقيق للمستهلك في اللحظة المناسبة.
في وقت يتجه فيه سوق الإعلانات العالمي إلى نحو 1.4 تريليون دولار بحلول 2030، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 5.6%، وفق أحدث توقعات شركة الاستشارات العالمية برايس ووترهاوس كوبرز PwC.
ويتوقع المركز العالمي لأبحاث الإعلانات WARC نمواً أقوى على المدى القريب مع ارتفاع الإنفاق الإعلاني العالمي 9.1% خلال 2026 إلى نحو 1.3 تريليون دولار، مدفوعاً بتوسع الإعلان الرقمي وصعود أدوات الذكاء الاصطناعي.
الإعلان يهاجر إلى الشاشة
وتستحوذ الإعلانات الرقمية على الجزء الأكبر من السوق، مع توقعات بوصول الإنفاق العالمي عليها إلى نحو 836 مليار دولار في 2026، أي ما يقارب 69% من إجمالي الإنفاق الإعلاني.
لكن التحول الأهم لا يتعلق فقط بحجم الإنفاق الرقمي، بل بانتقال الإعلان من مجرد شراء مساحة إلى شراء فرصة للوصول إلى المستهلك المناسب في اللحظة المناسبة.
فالذكاء الاصطناعي يستطيع تحليل سلوك الجمهور وتحديد اهتماماته ونواياه، ثم اختيار الرسالة والصورة والتوقيت والمنصة الأكثر ملاءمة، ما يرفع كفاءة الإنفاق ويقلل الهدر.
من إعلان واحد إلى آلاف النسخ وتفتح تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي الباب أمام نموذج جديد للإنتاج الإعلاني، إذ يمكن إنشاء عشرات أو مئات النسخ من الإعلان الواحد، مع تغيير النص والصورة والفيديو والعرض وفق الجمهور والمنصة واللغة.
وبذلك تنتقل الصناعة من نموذج «إعلان واحد لجمهور واسع» إلى نموذج «رسالة مختلفة لكل شريحة»، مع قدرة الحملات على اختبار النتائج وتعديلها بصورة مستمرة.
ويبرز تطور جديد في 2026 مع دخول منصات الذكاء الاصطناعي نفسها إلى سوق الإعلانات، فقد أعلنت «أوبن إيه آي» في أغسطس 2026 أن نشاطها الإعلاني في «شات جي بي تي» وصل إلى معدل إيرادات سنوي قدره مليار دولار، بعد أقل من عام على إطلاقه، مع استخدام عشرات الآلاف من المعلنين للمنصة.
كما دخلت «أمازون» في سبتمبر 2026 في شراكة مع «أوبن إيه آي» لإتاحة شراء إعلانات داخل ChatGPT عبر Amazon DSP.
ويعني ذلك ظهور نوع جديد من الإعلانات يمكن تسميته «الإعلان الحواري»، حيث يصبح الحوار بين المستخدم والآلة مساحة جديدة للتأثير التجاري.
وتبرز الإمارات كإحدى الأسواق الواعدة في هذا التحول، مع توقع وصول الإنفاق على الإعلانات الرقمية إلى نحو 2.64 مليار دولار خلال 2026، بنمو سنوي يقارب 15.2% وفق تقديرات سوقية.
وتوفر السوق الإماراتية بيئة مناسبة للإعلان المدعوم بالذكاء الاصطناعي بفضل تنوع الجمهور وارتفاع الاعتماد على المنصات الرقمية وقوة قطاعات العقارات والسياحة والطيران والخدمات المالية والتجارة الإلكترونية.
كما يمنح تعدد الجنسيات واللغات في الدولة أهمية خاصة لتقنيات الترجمة والتوطين وإنتاج نسخ إعلانية متعددة من المحتوى نفسه.
دبي سوق مثالي
وتملك دبي خصوصاً مجموعة من المقومات التي تجعلها سوقاً متقدمة للإعلانات القائمة على الذكاء الاصطناعي، في ظل تنوع الجمهور، وارتفاع معدلات استخدام المنصات الرقمية، وحضور قطاعات العقارات والسياحة والطيران والخدمات المالية والتجزئة والتجارة الإلكترونية.
ويتيح هذا التنوع للمعلنين اختبار شرائح مختلفة من الجمهور وتخصيص الرسائل الإعلانية وفقاً للقطاع والاهتمامات والسلوك ونية الشراء.
كما أن طبيعة السوق متعددة الجنسيات تجعل الذكاء الاصطناعي اللغوي والترجمة والتوطين أدوات مهمة في بناء حملات إعلانية متعددة اللغات من أصل إعلاني واحد.
الجمهور المؤهل
ويفرض الذكاء الاصطناعي تحدياً على المؤسسات الإعلامية التقليدية، إذ لم يعد المعلن يريد فقط شراء عدد من الظهور الإعلاني، وإنما الوصول إلى جمهور متخصص وموثوق وقابل للتفاعل والتحويل.
وهنا تبرز قيمة المؤسسات التي تمتلك بيانات جمهور عالية الجودة ومحتوى متخصصاً، خصوصاً في الإعلام الاقتصادي.
ومع سهولة إنتاج الإعلانات بالذكاء الاصطناعي، تصبح الشفافية وحقوق الملكية والمصداقية عناصر حاسمة.
فالرهان المقبل ليس على من يستطيع إنتاج أكبر عدد من الإعلانات، بل على من يستطيع الجمع بين البيانات والذكاء الاصطناعي والثقة وفهم الجمهور.
ومع اقتراب سوق الإعلانات العالمي من 1.4 تريليون دولار في 2030، تتشكل خريطة جديدة للصناعة، تنتقل فيها القوة تدريجياً من مجرد امتلاك المساحة الإعلانية إلى امتلاك البيانات والذكاء والقدرة على الوصول إلى الجمهور المناسب.
وفي هذه المعادلة، لا يمثل الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية جديدة للإعلان، بل اقتصاداً إعلانياً جديداً بالكامل.

