من الخبر إلى الخوارزمية.. إعادة بناء الإعلام العربي

يدخل قطاع الإعلام العالمي في 2026 مرحلة تحول هيكلي يقودها الذكاء الاصطناعي، مع انتقال التقنية من كونها أداة مساعدة للصحافي إلى مكوّن أساسي في دورة الإنتاج والتوزيع والتحليل، في حين تتغير في الوقت نفسه طريقة وصول الجمهور إلى الأخبار ونموذج الإيرادات الذي اعتمدت عليه المؤسسات الإعلامية لعقود.

ولم يعد السؤال داخل غرف الأخبار العالمية هو ما إذا كان سيتم استخدام الذكاء الاصطناعي، وإنما كيف يمكن دمجه في العمل الصحافي من دون المساس بالدقة والاستقلالية والثقة.

في وقت تتزايد فيه قدرة الأنظمة الذكية على البحث والتحليل والتلخيص والترجمة وإنتاج النصوص والصوت والفيديو وتخصيص المحتوى.

وتكشف أحدث بيانات معهد رويترز لدراسة الصحافة أن 10% من الجمهور يستخدمون روبوتات المحادثة للحصول على الأخبار، مقابل 7% في العام السابق، في حين ترتفع النسبة إلى 16% بين الفئة العمرية دون 35 عاماً. ويعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي بدأ يتحول إلى قناة جديدة لاستهلاك الأخبار، وليس مجرد أداة داخل غرفة الأخبار.

تراجع البحث

ويأتي هذا التحول بالتزامن مع ضغط متزايد على نموذج توزيع الأخبار. ويشير تقرير اتجاهات الإعلام والتكنولوجيا لعام 2026 الصادر عن معهد رويترز إلى أن الناشرين يتوقعون انخفاض الزيارات المحالة من محركات البحث بنحو 43% خلال السنوات الثلاث المقبلة.

وسجلت حركة الإحالات من «جوجل» بالفعل تراجعاً عالمياً بنسبة 33%، في حين انخفضت الزيارات من Google Discover بنسبة 21%، وفق التقرير نفسه.

وفي المقابل، تتجه المؤسسات الإعلامية إلى زيادة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، رغم أن وفورات الوظائف الناتجة عنه ما زالت محدودة.

إذ قال 67% من الناشرين الذين شملهم المسح إنهم لم يوفروا وظائف حتى الآن نتيجة كفاءة الذكاء الاصطناعي، مقابل 16% خفضوا أعداد العاملين بشكل محدود و9% أضافوا وظائف وتكاليف جديدة مرتبطة بالتقنية.

وتشير هذه الأرقام إلى أن التأثير الاقتصادي الأول للذكاء الاصطناعي على الإعلام لا يتمثل بالضرورة في خفض العمالة، بل في إعادة توزيع الوقت والمهارات والموارد داخل المؤسسة الإعلامية.

أصل إعلامي

أحد أبرز التحولات يتمثل في إعادة تعريف قيمة المادة الصحافية، ففي النموذج التقليدي، ينتج الصحافي تقريراً ثم ينشر على الموقع، وربما يعاد استخدامه على وسائل التواصل.

أما النموذج الجديد فيتعامل مع التقرير باعتباره «أصلاً إعلامياً» يمكن تحويله إلى سلسلة من المنتجات.

فالتقرير الاقتصادي الواحد يمكن أن يتحول إلى خبر عاجل وتحليل معمق وإنفوغراف وفيديو قصير وفيديو تحليلي وبودكاست ونشرة بريدية ومنشورات اجتماعية ونسخة باللغة الإنجليزية وملخص صوتي وقاعدة بيانات قابلة للبحث.

وهذا التحول يرفع العائد الاقتصادي من المادة الواحدة، ويتيح للمؤسسات الإعلامية إنتاج محتوى أكثر تنوعاً دون زيادة مماثلة في الوقت والتكلفة.

«رويترز»

تقدم رويترز نموذجاً واضحاً على انتقال الذكاء الاصطناعي من التجريب إلى البنية التشغيلية. ففي سبتمبر 2026 أعلنت الوكالة شراكة مع CuttingRoom لدمج أدوات تحرير الفيديو المدعومة بالذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار.

ويتيح النظام للمحررين البحث والتحرير والنشر باستخدام أوامر باللغة الطبيعية، إضافة إلى مهام مثل القص وخلط الصوت وإضافة الترجمة وإعادة تهيئة الفيديو للمنصات المختلفة، مع إبقاء قواعد التحرير والبيانات تحت سيطرة المؤسسة الإعلامية.

وفي خطوة أخرى، أعلنت رويترز شراكة مع ITN لإتاحة أرشيف يتجاوز 70 عاماً من الصحافة التلفزيونية، مع استخدام الذكاء الاصطناعي لإضافة البيانات الوصفية والتفريغ وقوائم اللقطات والترجمات، إلى جانب رقمنة 12 ألف ساعة إضافية من المواد المصورة.

وتكشف هذه الخطوة عن اتجاه اقتصادي مهم، الأرشيف الإعلامي يتحول من تكلفة تاريخية إلى أصل رقمي قابل للبحث وإعادة الاستخدام والترخيص.

«بلومبرغ»

وفي الإعلام المالي، كانت بلومبرغ من أوائل المؤسسات التي بنت نماذج ذكاء اصطناعي متخصصة في الاقتصاد والمال، من خلال BloombergGPT، وهو نموذج لغوي طُور خصوصاً للقطاع المالي ويضم 50 مليار معامل.

وتواصل بلومبرغ توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي في المنتجات المالية، إذ توفر أدوات مثل ASKB إمكانية البحث والتحليل عبر مئات الملايين من الوثائق، تشمل آلاف الشركات والصناعات والتوقعات الاقتصادية، إلى جانب أبحاث Bloomberg Intelligence وBloomberg Economics ومصادر بحثية خارجية.

وهذا النموذج مهم للصحافة الاقتصادية تحديداً، لأنه يوضح كيف يمكن تحويل قواعد البيانات والأرشيف والتحليلات المتراكمة إلى منتج معرفي مدعوم بالذكاء الاصطناعي.

«فايننشال تايمز»

أما فايننشال تايمز، فتتجه إلى استخدام الذكاء الاصطناعي في عمليات داخلية تساعد الصحافيين على التعامل مع المحتوى والبيانات، مع الحفاظ على الدور التحريري البشري.

ومن بين التجارب استخدام الذكاء الاصطناعي في أتمتة أجزاء من إنتاج النشرات البريدية، في حين وضعت المؤسسة منذ وقت مبكر قواعد واضحة بشأن المحتوى الاصطناعي، ومنها عدم نشر الصور الواقعية المولدة بالكامل بالذكاء الاصطناعي، مع استكشاف استخدامات الذكاء الاصطناعي المعزز في الرسوم والمخططات والمواد البصرية.

والأهم في تجربة FT هو أن الذكاء الاصطناعي لا يُعامل باعتباره «صحافياً آلياً»، وإنما كجزء من بنية أدوات ترفع إنتاجية الصحافي وتساعده على إنجاز المهام الروتينية والتحليلية.

وكالات الأنباء

تتبنى وكالة (AP) أسوشيتد برس Associated Press نموذجاً مشابهاً، إذ تستخدم الذكاء الاصطناعي في إدارة تدفقات المعلومات، والتفريغ الصوتي، والترجمة، وإعداد قوائم اللقطات، وكتابة بعض الأخبار المعتمدة على مجموعات البيانات، وتوطين المحتوى وتحسين التفاعل مع الجمهور.

وفي مايو 2026 أكدت AP أن الذكاء الاصطناعي أصبح بالفعل يغير طريقة إنتاج الأخبار واكتشافها واستهلاكها، وأن التحدي بالنسبة لقادة غرف الأخبار لم يعد تحديد ما إذا كانت التقنية ستدخل غرفة الأخبار، بل كيفية إدخالها دون الإضرار بالثقة والقيم التحريرية.

وتبقي AP على مبدأ أساسي: المخرجات التي ينتجها الذكاء الاصطناعي يجب أن تخضع للمراجعة والتحرير من صحافيين قبل النشر، ولا يحل الذكاء الاصطناعي محل جمع المعلومات والمصادر والحكم التحريري والتحقق. كما تحظر الوكالة استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي لإنشاء أو تعديل أو تحسين الصور الإخبارية.

الصحافي لا يختفي

تؤكد التجارب العالمية أن التحول الحقيقي لا يتمثل في استبدال الصحافي، بل في تغيير طبيعة عمله، فالآلة تستطيع البحث في آلاف الوثائق خلال ثوانٍ، وتفريغ مقابلة طويلة، واستخراج البيانات، واقتراح العناوين، وترجمة النصوص، وإنتاج مسودة أولية.

لكنها لا تتحمل المسؤولية التحريرية عن اختيار القصة، ولا تستطيع بمفردها بناء شبكة المصادر، أو تقييم دوافع المصدر، أو فهم السياق السياسي والاقتصادي والاجتماعي المعقد، أو اتخاذ قرار النشر في قضية حساسة.

ولهذا تتجه قيمة الصحافي نحو مهارات أكثر تخصصاً: التحقق، والتحليل، وفهم البيانات، وإدارة المصادر، وبناء القصص، والحكم التحريري.

وتشير دراسة أكاديمية حديثة منشورة في أغسطس 2026 إلى أن الذكاء الاصطناعي سيواصل تغيير عمل الإعلاميين، لكنه في الوقت نفسه يمكن أن يحرر الصحافيين من المهام الروتينية ويفتح مساحة كبرى لإنتاج محتوى ذي قيمة، مع استمرار مخاطر الاعتماد المتزايد على المنصات التقنية وتأثير ذلك في الاستقلال التحريري.

الإمارات تبني اقتصاد الذكاء الاصطناعي

في الإمارات، يتجاوز التعامل مع الذكاء الاصطناعي فكرة تبني أدوات جديدة إلى بناء منظومة اقتصادية وتقنية متكاملة.

وتشير تقديرات حديثة إلى أن سوق الذكاء الاصطناعي في الإمارات بلغت قيمته نحو 705.7 ملايين دولار في 2025، مع توقعات بنموه بمعدل سنوي مركب يبلغ 21.84% بين 2026 و2034.

كما تتوسع الدولة في البنية التحتية اللازمة للذكاء الاصطناعي، وفي سبتمبر 2026 ذكرت رويترز أن الإمارات تعيد صياغة خطط مشروع مركز بيانات للذكاء الاصطناعي بطاقة تصل إلى 5 غيغاواط، ضمن طموحها لترسيخ موقعها مركزاً عالمياً للذكاء الاصطناعي.

وهذه الاستثمارات لا تخص القطاعات التقنية فقط، بل تخلق بيئة يمكن لقطاع الإعلام الاستفادة منها في بناء منصات إنتاج وتحليل وتوزيع تعتمد على الذكاء الاصطناعي.

دبي.. الإعلام يدخل اقتصاد AI

ويأخذ التحول بعداً أكثر مباشرة في دبي، ففي يونيو 2026 نظم مركز دبي للذكاء الاصطناعي فعالية «اقتصاد الذكاء الاصطناعي للمهنيين الإعلاميين» بالتعاون مع أكاديمية دبي للإعلام، بمشاركة إعلاميين وصحافيين وصناع قرار ومتخصصين في الذكاء الاصطناعي والإعلام.

وركزت الفعالية على التأثيرات الاقتصادية والاستراتيجية للذكاء الاصطناعي في المؤسسات الإعلامية، ومستقبل الوظائف والمهارات، إلى جانب الأدوات التي يمكن أن تساعد الإعلاميين على تسريع مهامهم وتطوير المحتوى.

كما أُعلن خلالها عن «جائزة اقتصاد الذكاء الاصطناعي للإعلام» لدعم إنتاج محتوى متخصص حول اقتصاد الذكاء الاصطناعي.

ويمثل ذلك مؤشراً على أن الذكاء الاصطناعي لم يعد ملفاً تقنياً منفصلاً عن الإعلام الإماراتي، وإنما أصبح جزءاً من استراتيجية تطوير الصناعة والمهارات والمحتوى.

نموذج غرفة أخبار 2030

ويمكن تصور غرفة أخبار اقتصادية مستقبلية تعمل وفق منظومة متكاملة، حيث يرصد الذكاء الاصطناعي ثم يحلل ثم يقارن ويقترح وينتج مسودة ويوزع المحتوى، في حين أن الصحافي يتحقق ويفسر ويضيف السياق ويتخذ القرار التحريري ويعتمد النشر.

وهذه المعادلة لا تلغي الصحافي، بل تمنحه وقتاً أكبر للقيام بما يصعب على الآلة القيام به: التحقيق، والمقابلة، وبناء المصادر، والتحليل، وصناعة الأفكار.

الثقة.. الميزة التنافسية الجديدة

وفي المقابل، تزداد قيمة العلامة الإعلامية الموثوقة كلما أصبح إنتاج المحتوى متاحاً للجميع.

ففي عالم يمكن فيه لأي مؤسسة أو فرد إنتاج آلاف النصوص والصور والفيديوهات، تصبح الميزة الحقيقية هي القدرة على الإجابة عن سؤال واحد: هل يمكن الوثوق بهذه المعلومة؟

ولهذا يؤكد الاتجاه العالمي أن المؤسسات التي ستنجح في عصر الذكاء الاصطناعي لن تكون بالضرورة تلك التي تنتج أكبر كمية من المحتوى، وإنما تلك التي تجمع بين سرعة التقنية وعمق الصحافة ودقة البيانات وثقة الجمهور.

كما أن رويترز حذرت في 2026 من خطر استخدام المحتوى الصحافي دون مقابل أو ترخيص، ودعت إلى حماية الصحافة الأصلية من الاستحواذ عليها بواسطة أنظمة الذكاء الاصطناعي، مع التأكيد على أهمية الترخيص والإسناد والأطر القانونية التي تحمي حقوق الملكية الفكرية.

المعادلة الصعبة

يضع الذكاء الاصطناعي صناعة الإعلام أمام تحول اقتصادي لا يقل أهمية عن التحول الذي أحدثه الإنترنت قبل عقدين، لكن المعادلة الجديدة مختلفة، فالإنترنت خفّض تكلفة توزيع المحتوى، أما الذكاء الاصطناعي فيخفض تكلفة إنتاجه وتحليله وإعادة تشكيله.

ولهذا ستكون المنافسة المقبلة على الجمهور والبيانات والثقة والقدرة على إنتاج معرفة متخصصة، وليس فقط على سرعة نشر الخبر.

وبالنسبة إلى الصحافة الاقتصادية، تبدو الفرصة أكبر؛ فالمؤسسات التي تستطيع الجمع بين قواعد البيانات والذكاء الاصطناعي والخبرة التحريرية تستطيع بناء منتجات جديدة تتجاوز الخبر التقليدي إلى التحليل التنبئي، والبيانات التفاعلية، والخدمات المعرفية والاشتراكات المتخصصة.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي: ليس في أن يكتب بدلاً من الصحافي، وإنما في أن يجعل الصحافي أكثر قدرة على الوصول إلى المعلومة، وتحليلها، والتحقق منها، وتحويلها إلى قصة اقتصادية ذات قيمة عليا للقارئ وصانع القرار والمستثمر.

«رويترز» تسعى لإتاحة أرشيف يتجاوز 70 عاماً باستخدام الذكاء الاصطناعي

«بلومبرغ» بنت نماذج ذكاء اصطناعي في الاقتصاد والمال تضم 50 مليار معامل

«فايننشال تايمز» نحو استخدام الذكاء الاصطناعي في مساعدة الصحافيين

«أسوشيتد برس»: الذكاء الاصطناعي يغيّر طريقة إنتاج الأخبار واكتشافها.. وتخضع للتحرير البشري

دراسة: تحرير الصحافيين من المهام الروتينية وفتح مساحة كبرى لإنتاج محتوى ذي قيمة

تحذيرات من خطر استخدام المحتوى الصحافي دون مقابل أو ترخيص

الدعوة إلى حماية الصحافة من الاستحواذ عليها بواسطة الذكاء الاصطناعي